- زاد إيران - المحرر
- 355 Views
التفاوض ليس في صالحنا، هكذا قالها المرشد الإيراني، ليسدل الستار على مشهد سياسي متوتر ومترقب منذ شهور، قرار لم يكن مفاجئا أو جديدا، بقدر ما كان نتيجة لمسار طويل من التجارب المتراكمة التي أظهرت هشاشة الثقة بين الطرفين. فبينما رأت إيران أن الحوار مع الولايات المتحدة لا يجلب سوى مزيد من الضغوط والتدخلات، أصرت واشنطن على ربط أي مسار تفاوضي بمطالب تراها طهران تهديدا مباشرا لسيادتها واستقلال قرارها.
هذا التناقض في الرؤى جعل أي محاولة للجلوس حول طاولة واحدة محكومة بالفشل قبل أن تبدأ، خصوصا في ظل سياقات إقليمية ودولية متشابكة زادت من تعقيد المشهد. ومن هنا برز موقف إيران الأخير كرسالة واضحة مفادها أن زمن المساومات قد انتهى، وأن الأولوية باتت لحماية الداخل وتعزيز عناصر القوة بدلا من الركون إلى وعود الخارج.
لا تفاوض تحت الضغط
فقد ألقى على خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، مساء الثلاثاء 23 سبتمبر/أيلول 2025، خطابا للشعب الإيراني تناول فيه عدد من قضايا الساعة في الملف الإيراني، أولها وحدة الشعب مرورا بالتخصيب وانتهاء بالتفاوض مع الولايات المتحدة.

هذا، وقد ذكر خامنئي، بعد أن هنأ مواطنيه ببداية العام الدراسي وذكر اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام الأسبق لحزب الله، والذي تحل ذكره مقتله على يد القوات الإسرائيلية في تلك الأيام، قوله “في حرب الاثنى عشر يوما، كانت وحدة الشعب الإيراني وتماسكه هي ما أحبط خطط العدو، لم يكن هدف العدو مجرد اغتيال القادة العسكريين، بل كان يظن أن باغتيال بعض الشخصيات المؤثرة، سيعم الاضطراب، خاصة في طهران، حيث يثير عملاؤه الفوضى ويدفعون الناس إلى الشوارع لصناعة حدث ضد الجمهورية الإسلامية، أرادوا إشعال فتنة تقضي على الإسلام في إيران. لكن هدفهم فشل منذ البداية”.
وتابع: “القادة استبدلوا فورا، وبقي النظام العسكري متماسكا بروح أقوى، والشعب، وهو العنصر الأهم، لم يتأثر بخطط العدو، بل على العكس، خرجت التظاهرات الشعبية ضد العدو لا ضد النظام الإسلامي، حتى اضطر العدو أن يوبخ عملاءه قائلا لقد وفرنا لكم كل شيء، قصفنا واغتلنا، فلماذا لم تفعلوا شيئا؟، فجاء رد عملائهم في الداخل الناس لم يستجيبوا لنا، بل تخلوا عنا، وهكذا أُحبطت المؤامرة”.

وحول الملف النووي ومسألة التخصيب، صرح المرشد الأعلى: “إن كلمة التخصيب تتردد كثيرا في الحوارات السياسية والدبلوماسية. فما معنى التخصيب؟ التخصيب يعني أن يقوم علماؤنا بتحويل اليورانيوم الخام المستخرج من مناجم إيران، عبر عمليات تقنية معقدة ومتقدمة، إلى مادة عالية القيمة تستخدم في مجالات متعددة تؤثر في حياة الناس، في الزراعة، والصناعة، والبيئة، والأبحاث، والتعليم، وحتى في إنتاج الكهرباء. الكهرباء المنتجة عبر المفاعلات النووية أرخص وأنظف وأكثر استدامة من تلك المنتجة عبر الغاز والبنزين”.
وأضاف: “لقد حرمنا طويلا من هذه التكنولوجيا، لكن بجهود علماءنا ومديرينا الأكفاء منذ أكثر من ثلاثين عاما، بلغنا اليوم مستوى عال، نحن واحدة من عشر دول فقط في العالم قادرة على تخصيب اليورانيوم، الفرق أن الدول التسع الأخرى تملك سلاحا نوويا، أما نحن فلا ولن نمتلك، لأننا لا نحتاج إليه، بل نخصب حتى نسبة ستين بالمئة لأغراض سلمية”.
وذكر: “رغم قصف العدو لبعض منشآتنا، فإن العلم لا يمحى بالقنابل. اليوم في إيران عشرات العلماء البارزين، ومئات الباحثين، وآلاف المتدربين يعملون في المجالات النووية المختلفة، ومنها الطب والصناعة والزراعة، لكن أمريكا تريد حرماننا تماما من التخصيب، أي محو كل هذه الجهود والإنجازات والتضحيات، وهذا أمر لا يمكن لشعب كالشعب الإيراني أن يقبله”.

على أن هذا لم يكن أهم ما جاء في خطاب المرشد، فقد فجر خامنئي قنبلة عندما تحدث عن التفاوض مع الولايات المتحدة، حين قال: “هناك من يرى التفاوض مفيدا، وهناك من يراه مضرا، مما خبرته عبر عقود، أقول في الوضع الحالي، التفاوض مع أمريكا لا يجلب أي فائدة للشعب الإيراني، بل قد يحمل أضرارا جسيمة، أولا، لأن أمريكا تحدد النتيجة مسبقا، تريد أن يكون الحوار وسيلة لوقف أنشطتنا النووية والصاروخية. هذا ليس تفاوضا، بل إملاء”.
ويتابع: “ثانيا، لأنه يجر علينا الخسائر، إذا دخلنا المفاوضات تحت التهديد، فهذا يعني أننا نقبل منطق الرضوخ للابتزاز، وسنظل تحت رحمة التهديدات المتكررة، مرة بسبب التخصيب، ومرة بسبب الصواريخ، ومرة بسبب علاقاتنا مع الدول الأخرى. لا شعب حر يقبل بهذا، إن تجربة الاتفاق النووي خير دليل، لقد قدمنا كل التزاماتنا، لكن أمريكا لم ترفع العقوبات، بل زادت الضغوط، ثم انسحبت من الاتفاق، هذه التجربة تكشف أن الطرف المقابل لا يلتزم بعهوده، ويكذب ويخدع، بل يلجأ للتهديد والاغتيال إن استطاع، لهذا فإن المفاوضات في الظروف الراهنة ليست خيارا صائبا، بل مجرد وسيلة لإضعافنا وإلحاق الضرر بنا”.
لاريجاني: لن نقبل بالشروط المهينة
هذا ولم تكن تلك التصريحات الوحيدة ضد مشروع التفاوض اليوم، فقبلها، أوضح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، على لاريجاني، في تصريحات خلال لقائه أعضاء غرفة التجارة، ما جرى بشأن موضوع إعادة تفعيل العقوبات قائلا: “إن إيران سلكت كل السبل الممكنة لحل الموضوع عبر التفاوض، لكن الأطراف المقابلة أبدت طمعا وعرقلت المسار، كمثال، أبلغنا المدير العام للوكالة عبر رسالة من فرنسا أنه إذا توصلتم إلى ترتيبات خاصة مع الوكالة، فسنسحب طلب سناب باك، تم التوصل إلى هذا الاتفاق ووقعه وزير خارجيتنا في مصر. والسبب في الحاجة إلى ترتيبات خاصة هو أنه قد تم قصف بعض المراكز النووية فلم يكن من الممكن تفتيشها بالإجراءات الاعتيادية وكان لا بد من مراعاة اعتبارات أمنية ومصادقة البرلمان، ومع ذلك، لم يوفوا بوعدهم”.
وأضاف لاريجاني: “ثم طرح الأوروبيون مشروعا وطرحت روسيا مشروعا آخر، وإيران قبلت كلا المشروعين مع ملاحظات، وكان قد حددت مدة ستة أشهر للتفاوض، لكنهم مرة أخرى لم يلتزموا بوعودهم ومضوا لمتابعة تفعيل آلية العقوبات في مجلس الأمن”.

وتابع: “في المشروع الأمريكي الأول طُرحت شرطية لا يقبلها أي إنسان شريف، وهي خفض مدى الصواريخ إلى أقل من ٥٠٠ كيلومتر! هل هذا مقبول عند أي إيراني؟ المشكلة تكمن في أنهم يطرحون مطالب غير مقبولة. كذلك، ففي الاتفاق النووي كان هناك آلية مذكورة تتيح للطرف أن يرد إذا لم يوف الطرف الآخر بالتزاماته، ومن الذي خالف التزاماته؟ أولا انسحبت أمريكا من الاتفاق، ثم لم يلتزم الأوروبيون، بل إنهم فيما بعد قاموا بالقصف. فمن يتقدم بالاعتراض إذا؟”.
كما أشار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي: “المشكلة تكمن في استغلالهم لنصوص الاتفاقيات، فإيران لم تمتنع أبدا عن التفاوض لحل القضايا، بل حتى أثناء التفاوض قصفونا، هم يرفعون شعارات التفاوض لكنهم عمليا يسعون لأهداف أخرى، إذا قدم عرض عقلاني ومنصف يضمن مصالح إيران فسوف نقبله، لكننا متعصبون لمصالحنا وأمننا الوطني وسنقف في وجه أي تهديد، كما وقفنا في قضية مدى الصواريخ”.
ما الذي دفع طهران إلى رفض التفاوض؟
جاء هذا التصعيد من الجانب الإيراني بعد فترة طويلة من دعم ملف المفاوضات مع الغرب والولايات المتحدة، فقبلها سعت إدارة مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، إلى محاولة التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة عن طريق ست جولات تفاوض غير مباشرة استضافتها روما وعمان، والتي توقفت بعد القصف الإسرائيلي على العاصمة طهران ليلة الجمعة 12 يونيو/حزيران.

وبعد وقف إطلاق النار، حاولت الخارجية مرة أخرى من استئناف المفاوضات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأمر الذي نتج عن توقيع تفاهم القاهرة بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ورفائيل جروسي، الأمين العام للوكالة، في 9 سبتمبر/أيلول 2025 بوساطة مصرية، الأمر الذي دعمه المجلس الأعلى للأمن القومي نفسه حينها.

إلا أن هذا النهج قد قوبل، على حد وصف طهران، بمزيد عدم الوفاء، فخلال جلسة مجلس الأمن لمناقشة عودة العقوبات على إيران، والتي عقدت الجمعة 19 سبتمبر/أيلول 2025، جرى التصويت على مشروع قرار تمديد رفع العقوبات عن إيران، ولكن القرار فشل إذ صوتت أربع دول لصالح القرار، فيما عارضته تسع دول، وامتنعت دولتان عن التصويت.

خلال تلك الجلسة، قالت باربارا وودوارد، المندوبة الدائمة لبريطانيا في الأمم المتحدة، مشيرة إلى مسألة فرض العقوبات على إيران : “إن القرار 2231 يجيز إعادة فرض العقوبات على إيران”، وأضافت “إن دول الترويكا الأوروبية قامت بما كانت ملزمة به قانونيا من إعادة فرض العقوبات على إيران”.

بدوره، قال سفير فرنسا في الأمم المتحدة عقب ذلك: “إن جلسة اليوم ستتيح إمكانية التطبيق الصحيح للاتفاق النووي الإيراني والقرار 2231، لقد قامت إيران بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى يفوق المسموح به بـ 48 مرة، إضافة إلى ذلك، فإن فرنسا والدول الأوروبية الأخرى قد التزمت بتعهداتها بموجب الاتفاق النووي الإيراني، إن نظام منع الانتشار النووي يواجه تهديدا، وعلى إيران أن تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بعملهم الميداني، كما أن الوكالة غير قادرة على تحديد مصير اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 بالمئة”.
هذا ولم يكن الموقف الأمريكي أفضل من ذلك، فخلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء 23 سبتمبر/أيلول 2025، وصف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إيران، بأنها الراعي الأول للإرهاب، حيث قال: “لا يوجد اليوم تهديد أخطر على الأرض من أقوى سلاح صنعه البشر، السلاح الذي تعلمون أن الولايات المتحدة تمتلك الكثير منه. وكما فعلت في ولايتي الأولى، جعلت مواجهة هذه الأخطار والتهديدات أولويتي الرئيسية، وبدأت من إيران”.

وتابع: “موقفي بسيط للغاية، الراعي الأول للإرهاب في العالم لا يجب أن يحصل أبدا على هذا السلاح القوي. لهذا السبب، عندما أصبحت رئيسا، بعثت برسالة إلى القائد الأعلى وقدمت عرضا سخيا، تعاون كامل مقابل تعليق البرنامج النووي الإيراني. لكن النظام الإيراني واصل تهديداته لجيرانه ولمصالح أمريكا في مختلف أنحاء المنطقة، واليوم، فإن العديد من القادة العسكريين الإيرانيين، تقريبا جميعهم، لم يعودوا على قيد الحياة”.
وأضاف الرئيس الأمريكي: “قبل ثلاثة أشهر، في عملية مطرقة منتصف الليل، قامت سبع قاذفات أمريكية من طراز B2 بإلقاء 14 قنبلة زنة 3000 رطل على المنشآت النووية الإيرانية، وتم تدميرها بالكامل. لا توجد أي دولة أخرى تملك القدرة على تنفيذ مثل هذه العملية. لقد أنجزنا ما حاول الآخرون القيام به على مدى 22 عاما. وعندما دمرت قدرة إيران على التخصيب، أوقفت فورا حرب الـ 12 يوما بين إسرائيل وإيران، ووافق الطرفان على إنهاء الحرب”.

