خبير سياسي بارز: إيران تسعى لعبور المنعطف الحربي عبر الدبلوماسية والاستعداد الدفاعي

أجرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحافظة، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الخميس 7 أغسطس/آب 2025، حوارا مع حميد رضا جلايي‌ بور، الناشط السياسي الإصلاحي، حول دلالات تعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي والتغييرات الأخيرة في تركيبة هذا الجهاز الأمني المهم، وتراجع مكانة المتشددين داخل بنية الحكم، وفي ما يلي نص الحوار:

ما رأيك في تعيين لاريجاني وتشكيل مجلس الدفاع بعد التغييرات الأخيرة في المجلس الأعلى للأمن القومي؟

من المبكر الحكم على القرارين في ظل غياب التوضيحات الرسمية، لكن تشكيل مجلس الدفاع يوحي بأن النظام يستعد لاحتمال تجدد المواجهة، ويسعى لإدارة الأوضاع الحربية بمرونة، حتى دون حرب، عبر تعزيز دفاعاته، في خطوة أقرب إلى مجلس وزاري دفاعي طارئ.

أما تعيين لاريجاني أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي، فيُعبّر عن رغبة النظام في إعادة ضبط سياساته وتفعيلها بجدية، في لحظة حرجة تواجه فيها إيران ضغوطا متزايدة من الغرب وإسرائيل لحملها على التنازل.

كما تواجه إيران ثلاثة خيارات في هذه المرحلة: الاستمرار في المواجهة على النهج المتشدد، أو الرضوخ الكامل للغرب، أو اختيار مسار ثالث يجمع بين رفض الحرب والاستسلام، ويعتمد على دبلوماسية فاعلة وتعزيز الداخل، ويبدو أن تعيين لاريجاني يعكس توجّها نحو هذا الخيار الثالث، رغم إخفاقه السابق في الانتخابات، ما يسلّط الضوء على أهمية موقعه الجديد.

إذن، هل أنتم تدافعون عن تولّي علي لاريجاني منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي؟

إذا لاحظتم، فنحن أمام شخصيتين للاريجاني، الأولى هي لاريجاني 1، الذي كان جزءا من الثورة منذ بدايتها وحتى اللحظة التي رمى عليه المتشددون في قم الأحذية، والثانية هي لاريجاني 2، الذي يتميّز بموقفه المعارض للسياسات المتشددة في السنوات الأخيرة، وقد أشير إلى أن رفض أهليته في انتخابات 2021 و2024 ربما كان بسبب هذا الموقف، وأنا في هذا الحوار أدافع عن تولّي لاريجاني 2 مسؤولية أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي.

ما معنى تشكيل مجلس الدفاع في الظروف الحالية، وإلى أيّ مدى يمكن أن يؤدّي إلى تداخل في المهام مع مؤسسات أخرى؟

لقد أجبتُ سابقا على أهمية تشكيل مجلس الدفاع بعد حرب الأيام الاثني عشر، وفيما يتعلّق بسؤالكم حول الازدواجية في العمل، فهناك جوابان:

الجواب الأول هو أن إمكانية الازدواجية واردة في أي تنظيم، حتى داخل مؤسسة صغيرة بين المدير ونائبه، لذا على المسؤولين التحلي باليقظة لتجنّبها، لكن فيما يخص تشكيل مجلس الدفاع وتعيين لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، يمكن التفاؤل بتقليص حالات الازدواجية.

أولا، لأن مجلس الدفاع يأتي قانونيا ضمن البنية التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي، فعلى سبيل المثال، مجلس الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية هو أيضا جزء من المجلس الأعلى للأمن القومي.

ثانيا، من المرجّح أن أحد الأسباب وراء اختيار لاريجاني هو إنهاء الازدواجية في عمل أبرز المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية والاستخباراتية في إيران.

ثالثا، لاريجاني يمتلك خبرة واسعة في إدارة الأزمات، فقد شغل مناصب وزارية، وأدار الإعلام الرسمي لعقد، وترأس البرلمان ثلاث مرات، وكان حاضرا دائما في اجتماعات مجلس الأمن القومي، ما يجعله شخصية مؤهلة وغير طارئة لهذا المنصب الحساس.

رابعا، سبق أن عمل لاريجاني مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في هيئة رئاسة البرلمان دون أي مشاكل تُذكر، وهو ما يمكن أن يُعدّ مؤشرا آخر على تقليص فرص الازدواجية في الأداء.

هل تعني عودة لاريجاني أن النظام يتجه نحو الإصلاحات؟

بالتأكيد، إيران بحاجة إلى عودة العقلانية، وإلى مراجعة وتعديل توجهاتها، ففي الأسئلة السابقة، أشرتُ إلى خصائص لاريجاني وقرارات النظام الأخيرة، وعلي لاريجاني، في ظل الظروف الراهنة وفي هذا المنعطف الحساس المرتبط بالحرب، يمتلك ميزة إضافية؛ إذ يحظى اليوم بدعم أهم قوة سياسية داخل المجتمع الإيراني.

ويمكننا الحديث حاليا عن أربعة تيارات وقوى سياسية:

أولا، الأصوليون الراديكاليون، ويشملون جبهة بايداري، والدولة العميقة المرتبطة بجليلي، وداعميهم في الإعلام والأجهزة الأمنية.

ثانيا، المعتدلون، وهم أوسع القوى السياسية في إيران، ويشملون:

1-الإصلاحيين المؤيدين للتوافق مثل الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، العالم الديني حسن خميني، وبزشكيان، والسياسي البارز إسحاق جهانغيري وأنصارهم.
2-الأصوليين المعتدلين مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ولاريجاني وأنصارهما.
3-المعتدلين الوسطيين مثل الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني وأنصاره.

ثالثا، المتجاوزون لإيران، مثل السياسي البارز مير حسين موسوي والناشط السياسي مصطفى تاج‌ زادة وأنصارهما، وبعض القوميين الدينيين، وجزء من الجمهوريين في الخارج.

رابعا، الساعون لإسقاط النظام، وهذه القوة لا تمتلك وزنا اجتماعيا داخل إيران، لكنها تحظى بدعم عسكري وإعلامي من العدو (أي إسرائيل)، وتشمل أنصار نجل الشاه، وبعض القوى المسلحة المعارضة للنظام مثل مجاهدي خلق، وكومله، وجيش العدل وغيرهم.

والنقطة المهمّة هي أن تعيين لاريجاني أمينا لمجلس الشورى الأعلى للدفاع يحظى بدعم القوى السياسية المعتدلة والتنموية المؤيدة للتوافق داخل إيران، وهذا يشير إلى أن الحكومة والنظام قاما باختيار صائب.

ما تقييمك لمصير سعيد جليلي؟

إن المسألة ليست في بقاء ممثل المرشد الأعلى سعيد جليلي أو خروجه من المجلس الأعلى للأمن القومي، بل في وجود إرادة حقيقية لدى النظام لتغيير النهج السياسي والأمني، فإذا توفرت هذه الإرادة، فلن يكون لبقاء جليلي تأثير سلبي، وإذا غابت، فلن يُحدث خروجه فرقا في مواجهة التحديات الحالية.

فضلا عن ذلك، فإن المشكلة في إيران لا تكمن في وجود المتشددين بحدّ ذاته، بل في استمرار تأثيرهم على القرارات المصيرية لأكثر من عقدين دون أي التزام بالضوابط الديمقراطية، ما خلّف أعباء ثقيلة، من خطاب محو إسرائيل إلى تغوّل الدولة العميقة، وهم اليوم، بسيطرتهم على الإعلام الرسمي، يشكّلون أخطر قوة تُضعف العلاقة بين المواطنين والنظام في هذه اللحظة الحرجة.


هل يعني تعيين لاريجاني في المجلس الأعلى للأمن القومي أنّ موقع المتشددين في الحكم قد أصبح محدودا؟

إن الوضع في إيران وُصف بأنه منعطف حربي، والمتشددون ليسوا السبب الوحيد، بل أحد العوامل التي أوصلت إيران إلى هذا الوضع، إلى جانب عدوانية إسرائيل المدعومة من الغرب، ومن العقلانية أن تبتعد السلطة عن النهج المتشدد، وفي هذا السياق فقط يمكن فهم تعيين لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وإلا لكان المنصب ذهب لشخص مثل رئيس تحرير صحيفة كيهان الأصولية حسين شريعتمداري.

ما الذي يجب القيام به لعبور منعطف الحرب الحالي، وما علاقة ذلك بلاريجاني؟

لتجاوز المنعطف الحربي بكرامة، تحتاج السلطة إلى ثلاث خطوات أساسية، ويمكن للاريجاني أن يسهم فيها من موقعه كأمين للمجلس الأعلى للأمن القومي.

أولا، الحفاظ على جهوزية دفاعية دائمة في مواجهة تهديدات إسرائيل العدوانية.
ثانيا، تبنّي دبلوماسية خلاقة تمتلك أجوبة واضحة على التحديات الكبرى، وهو ما يجب أن تضطلع به الحكومة ووزارة الخارجية.

ما الأسئلة التي يجب الإجابة عنها في المرحلة القادمة؟

سأذكر أربعا من هذه المسائل
المسألة الأولى: ماذا نفعل بشأن التخصيب؟ (ليس الحديث عن مبدأ امتلاك الصناعة النووية من عدمه)، هل ينبغي أن نصرّ على مستوى معين من التخصيب بأي ثمن حتى لو أدّى ذلك إلى حرب جديدة؟ أم نعمل على خيار التحالف؟ هل يمكن تعليق التخصيب لفترة زمنية؟ هل من الممكن إيقافه؟ أم أنه لم يكن ينبغي لنا الدخول فيه، والآن بعد أن دخلنا لا ينبغي التراجع؟

المسألة الثانية: ما هي السياسة التي يجب أن تعتمدها إيران تجاه وجود إسرائيل؟ هل هي سياسة محو إسرائيل؟ أم وقف العداء مع إسرائيل دون الاعتراف بشرعية كيانها؟ وكيف ينبغي التعامل مع مبادرة الدول العربية لحل الدولتين؟ هل نواكبها؟ أم نعارضها؟

المسألة الثالثة: ما هو مستوى دعم إيران لفصائل المقاومة في المنطقة؟ هل يكون الدعم عبر فيلق القدس؟ أم دعما معنويا وسياسيا من قبل إيران، بينما يكون الدعم المالي من خلال المجتمع المدني؟

المسألة الرابعة: ما الذي يجب فعله بخصوص مستوى العلاقة مع أمريكا؟ هل يجب ألا تكون هناك أي علاقة إطلاقا؟ أم يمكن القبول بالحوار؟ أم يجب الاستعداد للتفاوض والتوصل إلى اتفاق لحل القضايا الثنائية؟ أو حتى السعي نحو مفاوضات شاملة تهدف إلى إعادة فتح السفارات؟

ولتحقيق دبلوماسية فعّالة ترفع العقوبات وتُطوّر إيران، يجب تقديم إجابات واضحة على هذه القضايا الأربع.

هل المشكلة تقتصر فقط على هذه الأسئلة؟

في الواقع، المشكلة أعمق من ذلك، أنتم تعلمون أن مقابل التوقّع بالإجابة على القضايا الأربع، هناك رواية أخرى تقول إنّ الأسئلة الأربع المذكورة ما هي إلا جزء من أجندة الغرب وخداعه لإيران، لذا، لا خيار أمام إيران سوى المقاومة، ويجب أن تبحث في دبلوماسيتها عن بدائل غير غربية.

لكن المشكلة في هذا الطرح هي أن لا الصين ولا روسيا تقدّمان لإيران دعما فعليا في ما يخص قضية التخصيب أو موضوع إسرائيل، بل لم تساعدا إيران خلال السنوات العشر الماضية أيضا.

فماذا ينبغي أن نفعل في مثل هذا الوضع؟

إن الاستمرار في سياسة المقاومة الأحادية بأي ثمن لم يعد خيارا مستداما، إذ يُهدد النظام السياسي وسلامة إيران، فقد أدت هذه السياسة خلال العقدين الأخيرين إلى تراجع النمو الاقتصادي وحرمان إيران من التكنولوجيا الحديثة، وتعرّض شبكة المقاومة وقادة إيران لهجمات قاسية. 

وبينما كانت الأزمة تتركز سابقا على الوضع المعيشي والاختلالات البنيوية، أضيف اليوم هاجس اندلاع حرب جديدة، في ظل حالة نفسية جماعية تتعارض مع حاجة إيران الملحّة للتنمية.

في ظل هذا الوضع، هل ينبغي لإيران أن تواصل سياساتها التي اتبعتها قبل عشر سنوات من دون أي تغيير؟
على العكس، هناك توقّع بأن يساهم لاريجاني من خلال تقديم إجابات أكثر كفاءة، ومن خلال دبلوماسية أكثر فاعلية، في مساعدة إيران على تجاوز المنعطف الحرج الحالي المرتبط بشبح الحرب.


لم تُشر إلى العمل الثالث المطلوب لتجاوز المنعطف الحرج المرتبط بالحرب؟
العمل الثالث المهم في هذا السياق هو تقليص الفجوة بين المجتمع والحكومة، فرغم الضغوط المعيشية، عبّر الناس خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوما عن مواقف وطنية ومؤيدة لإيران، ويجب التعامل مع هذا الموقف الشعبي برد يليق به ويضمن الكرامة، فالتعاون بين المجتمع والحكومة هو ركن أساسي في الدفاع الوطني، وفي مواجهة اعتداءات إسرائيل.

هل تعتقد أن الحكومة لم تقم بأي خطوة خلال الأربعين يوما الماضية لتقليص الفجوة بين المجتمع والحكومة؟

برأيي، الحكومة قد اتخذت بالفعل بعض الخطوات، ومن أبرزها تعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، والذين ينكرون هذه الخطوات هم التيارات الساعية لإسقاط النظام أو تغييره، فهم يروّجون لفكرة أنّه أولا لم يُنجز شيء، وثانيا أنّ أي خطوات تُتخذ ضمن إطار النظام الحالي لا جدوى منها.

ما الخطوات التي اتخذتها الحكومة خلال الأربعين يوما الماضية أو التي ينبغي لها اتخاذها؟

1-كانت الحكومة تسعى للتفاوض مع الولايات المتحدة، لا للحرب، وكانت في خضم الجولة السادسة من المحادثات حين هاجمتها إسرائيل، ومع ذلك، ينبغي مواصلة الدبلوماسية من موقع العزّة، لأن الحل النهائي لأي وضع حربي يمر عبر التفاوض.

2-الحكومة تواصل دعمها الجاد للفئات ذات الدخل المنخفض من خلال تخصيص الإعانات.
3-تبذل الحكومة جهودا مكثفة على مدار الساعة لمواجهة نقص الوقود والكهرباء والغاز والمياه، وهي مهمة شاقة، والناس محقّون في توقّعاتهم.
4-الحكومة لم تسعَ إلى فرض الحجاب بالقوة، ولا إلى إرسال رسائل تحذيرية إلى النساء.
5-الحكومة لا تسعى للسيطرة على النشطاء في الفضاء الافتراضي من خلال لائحة الحماية، وقد سحبت هذه اللائحة.
6-تسعى الدولة إلى تسهيل سفر وعودة الإيرانيين في الخارج إلى إيران من جميع النواحي.
7-السلطة القضائية تعمل على إصدار عفو عام كبير، وإذا تم تنفيذه، فسيتم تقليص عدد السجناء إلى الثلث.
8-ومن ضمن هذه الخطوات أيضا، تعيين لاريجاني أمينا جديدا للمجلس الأعلى للأمن القومي،
لكن مع ذلك، تبقى هذه الخطوات غير كافية.

ما المقصود بأن هذه الخطوات غير كافية؟

إن أبرز ما يجب تغييره هو إدارة وسياسات هيئة الإذاعة والتلفزيون، التي تُدار بعقلية منغلقة وتُضعف التواصل بين الحكومة والشعب، كما أن تدهور الإنترنت من حيث السرعة والنطاق وسهولة الوصول بات أزمة حقيقية، تتطلب إصلاحا جذريا في إدارة الفضاء الرقمي.

ورغم الإشادة بوزير الاتصالات بعد انتخابات 2024، لم تُحقق نتائج ملموسة، فالإنترنت أصبح حاجة أساسية لأغلب الإيرانيين، وتعطّله يؤثر على المجتمع أكثر من انقطاع الكهرباء، في وقت تتراجع فيه جودته رغم الحديث عن الاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي.

كلمات مفتاحية: