خبير سياسي بارز:  الإصلاح الحقيقي يبدأ من الشارع.. والنظام بات مهددا بوهم النواة الصلبة

أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الاثنين 14 يوليو/تموز 2025، حوارا مع عباس عبدي، الناشط السياسي الإصلاحي، حول مستقبل الصراع بين إيران وإسرائيل في أعقاب الحرب التي استمرت 12 يوما، والموقف الداخلي من تداعياتها. 

ما المكاسب وما الخسائر التي خلّفتها الحرب التي استمرت 12 يوما؟

إن النصر أو الهزيمة قد تكونان فرصة أو تهديدا، ولا يعني النصر الدائم أو الهزيمة المطلقة. الحرب لم تنتهِ فعليا، فليس هناك سلام أو وقف رسمي لإطلاق النار، بل فقط توقف العمليات العسكرية المباشرة. والوضع الحالي مختلف عن قبل الحرب، إذ كسرت الاعتداءات تابوهات الحرب. وإذا كان وقف النار نتيجة توازن، فيجب التساؤل عن ثمنه وإمكانية استمراره. فللحرب تبعات إيجابية وسلبية تستحق التوضيح بإيجاز.

أسفرت الحرب عن استشهاد أكثر من ألف مواطن، من بينهم علماء وقادة عسكريون، إلى جانب أضرار جسيمة في البنية التحتية العسكرية والصناعية والسكنية. إلا أن الخطر الأعمق يتمثل في التعقيد المتزايد للإجراءات الأمنية والاستخباراتية، التي قد تُثقل كاهل إدارة الدولة، وسط غموض يكتنف أبعاد هذه الأزمة. 

ومن المرجح أن ينشغل النظام السياسي بحماية أمنه بشكل مفرط، مما قد يؤدي إلى انفصاله عن الواقع، كما حدث مع المقاتلين السريين في سبعينيات القرن العشرين، حين تحولت الهواجس الأمنية إلى ثقب أسود ألغى إدراكهم للحياة والمجتمع.

ورغم ذلك، تُعدّ إيران قد حققت إنجازا مهما في هذه الحرب، وهو التوصل إلى وقف إطلاق النار رغم العزلة الدولية وتوحد الخصوم ضدها. فالعالم اكتفى بالمراقبة، دون إبداء تعاطف أو تقديم دعم فعلي، رغم بعض مشاعر الفرح بقصف تل أبيب وحيفا.

ورغم أن المواجهة كانت متزامنة مع إسرائيل، وحلف الناتو (ولو بشكل غير رسمي)، والولايات المتحدة، فإن خروج إيران من الحرب بهذا الشكل، حتى إن لم يُعتبر نصرا، لا يُعد هزيمة في هذه المرحلة.

أسهمت الحرب في إبراز وتبلور الهوية الإيرانية الحقيقية لدى غالبية الشعب، وهو مسار بدأ منذ سنوات وتسارع مؤخرا، إذ منحت الحرب فرصة للتعبير عن الانتماء الوطني وكشفت التمييز بين المخلصين والخونة. ويُطرح هنا تساؤل حول ما إذا كانت الحكومة ستدرك هذا الفرق وتُراجع معاييرها في تصنيف المواطنين.

ويُروى أن من كتبوا رسائل إدانة العدوان الإسرائيلي والأميركي كانوا أكاديميين مبعدين عن النظام، بينما امتنع المنتفعون منه عن التوقيع، ما يُعد درسا مهما للمجتمع والسلطة.

وقد نشأ وعي شعبي واضح يميز بين مفهوم الوطن والحكومة، مما يمهّد لإحياء مسار واقعي وتقدمي قادر على توحيد الإيرانيين، في سلوك مدني فاجأ المراقبين.

ورغم أن الحرب كشفت ضعف السياسات الإعلامية والأمنية والاستخباراتية، فإنها تتيح فرصة لمراجعة شاملة، ويُقترح على الحكومة إصدار تقرير وطني شفاف يعرض مكاسب الحرب ونقاط ضعفها أمام الشعب، دون افتراض جهل العدو بها.


في الحرب الأخيرة، ظهر ضعف إيران الإعلامي بوضوح، ورأى الجميع خطورة غياب مرجعية إعلامية داخلية. ما رأيك في هذا الفراغ؟ وكيف يمكن معالجته لنمتلك قدرة على خوض معركة الروايات إلى جانب الجوانب العسكرية والاقتصادية؟

تعاني المؤسسات الإعلامية والاستخباراتية في إيران من عجز وظيفي نتيجة الطابع الأمني المفرط في تعريف مهامها، ما أضعف دور الإعلام وأضر بالأمن نفسه. وهذا النهج أدى إلى شلل في مجالات الفن والسينما والتصوير، وفرض قيود ذاتية خلال الحرب، حالت دون إبراز مظلومية الشعب الإيراني. 

أما أزمة هيئة الإذاعة والتلفزيون فليست إدارية فقط، بل تعكس رؤية النظام السياسي الذي يتوقع من الإعلام خدمة السلطة وروايتها بشكل مبالغ فيه، متجاهلا تعقيد الواقع الإعلامي.

ومن الطبيعي أن يدعم الإعلام السياسات الرسمية، لكن ذلك مشروط بثلاثة عناصر أساسية وهي مشاركة الإعلام في إعداد السياسات ونقدها ومواكبتها، وتمثيله لآراء الغالبية الساحقة من الناس، وتمتعه باستقلالية نسبية ومهنية.

 أما إذا غابت هذه الشروط، فإن ما يُمارس ليس إعلاما بل مجرد بوق يستخدمه قلة لفرض رواية مشوهة عن الواقع. فالإعلام الحقيقي يعرض روايات متعددة قائمة على الحقيقة، ويمنح الناس فرصة الاختيار، بخلاف البوق الذي يفرض رؤية واحدة.

والنظام الإعلامي الحالي في إيران يعاني من رؤية تقليدية تُختزل فيها وظيفة الإعلام إلى مجرد بوق دعائي، يُغفل دور المتلقي الفعّال والعقلاني، ويعتمد على الضجيج بدل المنطق. وهذا الخلل لا يُعالج بحلول جزئية، بل يتطلب تغييرا جذريا في فلسفة الحكم ونظرة الدولة إلى الإعلام وحقوق الشعب. ومن أبرز إخفاقات الحرب الأخيرة كانت الهزيمة في ساحة الإعلام، التي كشفت عن مدى ضعف النظام الإعلامي الراهن.

أثيرت خلال الحرب وبعدها دعوات إلى الإصلاح، مع مطالبة بعض المحللين بأن تستجيب السلطة لمطالب الشعب، لكن ما شكل هذه الإصلاحات؟ هل ستتجه إيران نحو نموذج بن سلمان؟ أم نحو بونابرتية جديدة؟ أم مسار آخر مختلف؟

إن تصرف الشعب خلال الأزمة كان نابعا من قناعات فردية دون تنسيق مسبق، ما يعكس أصالة موقفه. وهذا السلوك أوصل رسالة واضحة للحكّام وهي أن النواة الصلبة الحقيقية للنظام ليست في المنتفعين من الريع والفساد، بل في الشعب الذي يتحمّل التكاليف. أما أولئك المستفيدون فمجرد متسلّقين لا يمثلون حتى الغلاف الخارجي للنظام.

وإذا كان هناك من يعتقد بوجود نواة صلبة حقيقية للنظام تمسك به، فعليهم أن يتخلوا عن هذا الوهم الآن. وبهذا المعنى، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ذلك، وآمل أن يلتزم بتبعات هذا الإدراك. فهذا الوهم أدّى إلى تخلي النظام عن الناس والتشبث بنواة وهمية عديمة القيمة.

إن الإصلاح الحقيقي يعني العودة إلى الشعب باعتباره النواة الفعلية للنظام، بكل فئاته دون تمييز. فشعار إيران يجب أن يشمل الجميع، وتتطلب هذه العودة إزالة التمييز بكافة أشكاله، وجعل المؤسسات والسياسات شفافة وخاضعة لإرادة الشعب. فالإعلام ينبغي أن يعكس صوت الأغلبية، ويُفترض أن يكون البرلمان ممثلا لكل المواطنين، لا حكرا على أقلية.

والأولوية الآن ليست في مناقشة تفاصيل الإصلاحات، بل الأهم أن تتشكل الإرادة وتبدأ المسيرة. فكل خطوة، مهما كانت بسيطة، ستنال دعم الناس إذا انطلقت بعقلانية وتعاون في هذا الطريق الطويل.

مع انتهاء الحرب، بدأ المتشددون بحملات ضغط مكثفة على الحكومة، من هاشتاغات ضد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الانسحاب من معاهدة النووي وتلميحات باغتيالات. هل يعود ذلك لخوفهم من فقدان تأثيرهم السياسي بعد الحرب؟ ما رأيك؟

في رأيي، المتشددون بحد ذاتهم ليسوا المشكلة الأساسية، فوجودهم أمر طبيعي في كل مكان. والخطر الحقيقي يكمن في الحماية التي تُمنح لهم. عندما يقع أحدهم في فضيحة بسبب تحليلاته الخاطئة، لكنه مع ذلك يُسمح له بالظهور باستمرار على الإعلام الرسمي الحصري، وينشر معلومات مضللة ويتسبب بأضرار لإيران، فهذا أمر خطير جدا.

كما أن استمرار صمت السلطات الرسمية وعدم اتخاذ أي إجراء تجاههم، بينما يتم استدعاء ومحاسبة أي صوت صغير من التيار الآخر، غير مقبول إطلاقا. وبالرغم من ذلك، أعتقد أن الحكومة قد تجاوزت تأثيرهم إلى حد كبير، لكن بقاياهم لا تزال نشطة، ولا زالوا ينتقمون من الشعب والحكومة بسبب نتائج الانتخابات الماضية.

إذا رفضت السلطة إصلاحات الأغلبية واستمرت في سياسات القمع والسيطرة، فماذا ستكون نتائج ذلك؟ وهل يمكن الاستمرار في النموذج السياسي السابق؟

إن القضية ليست معقدة؛ فقد ذكّرتُ في شتاء 2022–2023 بأن أمام إيران مهلة عامين فقط لإجراء إصلاحات. واليوم، يميل التوازن الخارجي بقوة ضد السياسات القائمة، بفعل التطورات الإقليمية وطبيعة الحرب الأخيرة. وهذا التوازن السلبي مرشّح للتفاقم ما لم تُجرَ تغييرات داخلية. أما داخليا، فقد بلغت الأزمات في الاقتصاد، والإعلام، والثقافة، والمجتمع، والسياسة مستويات حرجة تنذر بمزيد من التدهور.

كما أن الاعتماد على تدخل خارجي لإنقاذ الوضع كان وهما روّجت له قلة تزعم أنها النواة الصلبة للنظام، لكنه لا ينسجم مع السنن الإلهية، بل وصفته الروايات بالكذب. والسبيل الوحيد لإحداث توازن جديد في القوى هو العودة الصادقة إلى الشعب، وهو شرط لازم حتى لتصحيح السياسة الخارجية. ويمكن تنفيذ هذا التحول تدريجيا، لكنه يتطلب وعيا بالواقع وشجاعة للإصلاح والتغيير.


ما رأيك في حديث بزشكيان مع كارلسون ورسائل التهدئة التي أرسلها؟ وكيف تفسرون ردود فعل المتشددين والمجتمع المدني؟

في الواقع أهمية هذه الحوارات تكمُن في تراجع مصداقية الإعلام الرسمي الإيراني، وهو ما يدفع البعض للجوء إلى منصات إعلامية خارجية للتعبير عن آرائهم. ورغم أن المقابلة نالت تفاعلا إيجابيا على الإنترنت وأظهرت نتائج مشجعة، فإن انتقادات المتشددين لا تُؤخذ بجدية، فهم يرفضون كل شيء بشكل تلقائي، كما في حكاية ملا نصر الدين وابنه، حيث لا يسلم أحد من الانتقاد مهما فعل. 

ورغم أن المقابلة لا تخلو من جوانب قابلة للنقد، فإن الرفض لدى هؤلاء غالبا ما يسبق التفكير أو التقييم الموضوعي.

كيف يمكن الحفاظ على الانسجام الاجتماعي والوحدة الوطنية التي ظهرت خلال حرب الـ12 يوما بعد انتهاء الأزمة؟

إن تحقيق الانسجام الاجتماعي والوحدة الوطنية يجب أن يُنظر إليه كهدف استراتيجي يتجاوز اللحظات العابرة. فحين يُبدي الشعب سلوكا غير متوقع حتى من الداخل، فإن ذلك يستحق الانتباه. كما حدث في حرب 1980، حيث كان سلوك الأغلبية واضحا. ومن هذا المنطلق، يجب أن يُبنى توازن القوى لصالح إيران من خلال العودة إلى الشعب وتعزيز رأس المال والتماسك الاجتماعي، باعتبارها وسائل سهلة وفعالة وقليلة التكلفة.

هل تعتقد أن التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في عهد ترامب ستتجه نحو تصعيد عسكري وحرب قريبة، أم أن هناك احتمالا لتوقيع اتفاق وتسوية؟

أتوقع، من الناحية الاستراتيجية، أنه إذا تم فتح المجال لمشاركة الشعب في موازنة القوى، فإن ذلك سيصب بلا شك في مصلحة إيران، وسيساهم في إنهاء الحرب الحالية والتوجه نحو حالة من الاستقرار الطبيعي. أما إذا لم تُتخذ خطوات جادة لإقامة توازن قوى مع المعتدين، فلن يكون هناك ما يردعهم عن تكرار الاعتداء مرارا وتكرارا.

هل لديك أي موضوع آخر تودون مناقشته أو طرحه في الختام؟

إن استمرار وضع اللا حرب ولا سلام يضر بإيران ولا يمكن استمراره، لأنه يفرض ضغوطا كبيرة على الاقتصاد والمجتمع والنظام السياسي. وهناك حاجة لقرارات جادة، وعلى الجميع دعم النظام السياسي في اتخاذها والمشاركة في صياغتها وتنفيذها وضمان استمرارها.