دعوة لاغتيال الرئيس الإيراني تثير عاصفة سياسية

مسعود بزشكيان

في تطور غير مسبوق على الساحة السياسية الإيرانية، أثار منشور نشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل عضو في مجلس بلدية مدينة رشت جدلا واسعا، بعدما تضمن دعوة صريحة إلى اغتيال رئيس الجمهورية الإيراني، مسعود بزشكيان. الحدث أعاد طرح تساؤلات عميقة حول تصاعد الخطاب المتشدد في الداخل الإيراني، وموقع التيار الأصولي من الحكومة الحالية، ومستوى التوتر بين أجنحة النظام في ظل ظروف أمنية داخلية وخارجية دقيقة.

المنشور الذي تسبب في هذه العاصفة السياسية نشر على حساب رضا عاشري، عضو مجلس مدينة رشت، والذي يعرف بقربه من التيار الأصولي، فقد كتب عاشري على حسابه على انستجرام الأربعاء 9 يوليو/تموز 2025: “إسرائيل، هل تسدين لنا خدمة؟ لقد قتلت أحد رؤسائنا وجعلته شهيدا، الرئيس إبراهيم رئيسي، هذا أكثر ثورية بكثير من سابقه، نطلب منك أن توصليه أيضا إلى مرتبة الشهادة، انظري إلى وجهه جيدا، يسعى للشهادة بكل قوته، يشع النور من وجه، تفوح منه رائحة الشهادة، أنه على الأرض أمام عينيك، يناور ليقول لك إنكم لا شيء، اقتليه وسنقبل بهزيمتنا في الحرب، هذا هو أقوى شخص لدينا. لماذا لا يغتال إصلاحي؟ وهو مريض أيضا، مجرد سؤال أطرحه”.

86

هذا وقد أثار كلام عاشري انتقادات واسعة من مسؤولين ومراقبين سياسيين وشخصيات مدنية، ليس فقط بسبب لهجته التحريضية، بل بسبب ما اعتبر تجاوزا واضحا للخطوط الحمراء الوطنية والدستورية، ودعوة مباشرة لدولة معادية لتنفيذ عمل إرهابي على الأراضي الإيراني، كذلك فإن قول عاشري باغتيال إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني السابق، والذي لقى حتفه عقب تحطم طائرته في مايو/أيار 2024، يتنافى والرواية الرسمية الإيرانية بمقتله بسبب تحطم طائرته نتيجة لسوء الأحوال الجوية.

A crashed plane in the woods

AI-generated content may be incorrect.

جدير بالذكر أن رضا عاشري كان قد انتخب كعضو في الدورة السادسة لمجلس بلدية رشت بعد حصوله على أكثر من 11 ألف صوت، ومنذ البداية كان له حضور نشط في مجال الإدارة الحضرية، وقد شغل في السابق منصب مساعد فني وتخطيط عمراني في بلدية المنطقة الخامسة بمدينة رشت، كما تولى مسؤوليات في مجلس المدينة كعضويته في لجان الإعمار، والشؤون القانونية، والتخطيط.

A person in a suit

AI-generated content may be incorrect.

ويعد عاشري من الوجوه المقربة من تيار جبهة الصمود، وكان من أعضاء فريق الحملة الانتخابية لسعيد جليلي، إذ تولّى في انتخابات عام 2024، مسؤولية الدعم اللوجستي لحملة جليلي في محافظة جيلان، وبقيت مواقفه بعد فوز بزشكيان ضمن الخط السياسي نفسه.

هذا ولم تكن تلك منشورات عاشري الأولى التي تثير الجدل، فكان له عدد من المنشورات منها منشور تهجم فيه بشكل تمثيلي ومهين على المحافظين ورؤساء القرى، وكتب فيه: “ارم قطعة خبز للكلب، سيهز ذيله لك، السلام أصبح أقل من الكلب”. وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة في جيلان، ووجهت ضده شكاوى في الجهاز القضائي.

هجوم مستمر على الرئيس الاصطلاحي

التداعيات الرسمية بدأت بإعلان رئيس المجلس الأعلى للمحافظات، موسی ‌الرضا حاجی ‌بجلو، عن إحالة ملف عاشري إلى هيئة حل النزاعات، مع الإشارة إلى احتمال عزله من منصبه، فضلا عن الملاحقة القانونية التي قد تصل إلى عقوبة بالسجن لمدة عامين بتهمة إهانة رؤساء السلطات والتحريض على العنف، تصريحات مماثلة جاءت من رئيس رابطة الإعلاميين في جيلان، إبراهيم أفشاري، الذي وصف المنشور بأنه استهانة بالأمن القومي ودعوة مقلقة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الحد الأقصى من التماسك السياسي.

موسی الرضا حاجی بگلو رئیس شورای استان‌ها شد - ایمنا
ابراهیم افشاری رئیس هیات مدیره خانه مطبوعات و رسانه های گیلان عضو هیات  مدیره خانه مطبوعات کشور شد

كذلك فقد صرح محمد حسين واثق، رئيس بلدية رشت، بعد ساعات من انتشار تلك التصريحات، في حديث له مع موقع إصلاحات نيوز، قائلا: “تصريحات السيد عاشري لم تدل داخل المجلس، بل نشرت على صفحته الشخصية، وهي تعبر عن مواقفه الشخصية، وعليه أن يتحمل مسؤولية هذه الأقوال”.

تصویر

وأخيرا، نشرت وكالة أنباء ميزان التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، الخميس 10 يوليو/تموز 2025، إعلان المدعي العام في مركز محافظة جيلان عن استدعاء عاشري، بسبب هذا المنشور، وأن النيابة العامة قد أقامت قضية ضده بتهمة تشویش الرأي العام، وأكدت أن التحقيقات الأولية جارية.

A person in a white suit

AI-generated content may be incorrect.

غير أن هذه الحادثة لم تكن منفصلة عن سياق أوسع من الهجوم المستمر الذي يتعرض له الرئيس بزشكيان منذ بداية عهده، وتحديدا من قبل أوساط التيار الأصولي، فمنذ اليوم الأول لتسلمه منصب الرئاسة، واجه بزشكيان حملة شرسة في الإعلام الأصولي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، اتهم خلالها بالتساهل والانحراف عن مبادئ الثورة، تصريحات بعض نواب البرلمان مثل أمير حسين ثابتي وحميد رسائي جاءت ضمن هذا الخطاب، إذ انتقدا أسلوب بزشكيان في السياسة الداخلية والخارجية، ما وصل منها إلى السباب.

واکنش عجیب حمید رسایی و امیرحسین ثابتی به جدایی ظریف از دولت پزشکیان: بدبخت  شدیم! هنوز چند مسئول دیگر با فرزندان دوتابعیتی در دولت حضور دارند | پایگاه  خبری جماران

الانتقادات لم تقتصر على السياسة الخارجية، بل شملت أيضا مواقف بزشكيان من القضايا الداخلية، ومنها امتناعه، بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، عن إصدار تعليمات تنفيذ قانون الحجاب والعفاف الذي أقره البرلمان. كما أبدى تمايزا واضحا عن الخطاب الشعبوي التقليدي، من خلال حديثه عن الحوار والسلام والدبلوماسية، وتجنبه استخدام العبارات التصعيدية ضد الولايات المتحدة، الأمر الذي فسره بعض خصومه على أنه تنازل أو لين سياسي.

من يريد اغتيال الرئيس الإيراني؟

تأتي الدعوة إلى اغتيال الرئيس الإيراني بعد أيام قليلة من تصريحات بزشكيان في مقابلة إعلامية مع المذيع الأمريكي تاكر كارلسون، قال فيها إن إسرائيل حاولت اغتياله لكنها فشلت، وهو ما نفته لاحقا بعض المصادر الإسرائيلية، واعتبرته تل أبيب غير مؤكد، ومع ذلك، فإن تكرار الإشارة إلى موضوع الاغتيال سواء من الخارج أو الداخل، يعكس حجم الاستقطاب الذي بات يحيط بشخص الرئيس داخل المشهد السياسي الإيراني.

هذا ولم تصدر ردود فعل مباشرة حتى الآن في الأوساط المقربة من بزشكيان، الأمر الذي أرجعه محللون إلى محاولة لامتصاص الصدمة أو تجنب التصعيد، لكن تساؤلات كثيرة بدأت تُطرح حول الجهات التي تقف فعليا خلف هذه الدعوة، وهل تعكس فقط رأيا فرديا لمسؤول محلي، أم أنها مجرد رأس جبل الجليد لتيار أوسع يراهن على زعزعة الحكومة من الداخل.

A person raising his hand up in a crowd

AI-generated content may be incorrect.

في هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن جزءا من التيار الأصولي لم يتقبل بعد نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي فاز بها بزشكيان على الشخصية الأصولية الأشهر سعيد جليلي، ويبدو مستعدا، ولو بشكل غير معلن، لاستخدام كل الوسائل لإضعاف سلطة الرئيس، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار الوطني. ووفقا لهذه الرؤية، فإن الدعوة لاغتيال بزشكيان ليست مجرد زلة لسان أو منشور متهور، بل تعبير عن حالة من التمرد السياسي والأيديولوجي، يلتقي فيها خصوم الرئيس في الداخل مع أعداء البلاد في الخارج على هدف مشترك وهو إقصاء مشروع الاعتدال والتفاوض، وإبقاء إيران رهينة لخطاب الصدام المستمر.