- محمود شعبان
- 400 Views
في أجواء سياسية مشحونة، فجرت تصريحات صدرت عن شخصية محلية جدلا واسعا في الداخل الإيراني، ودفعت مؤسسات رسمية إلى توضيح مواقفها تفاديا لتبعات محتملة، فبينما اعتبرت هذه التصريحات انعكاسا لتوجهات شعبية معينة، رأت أصوات سياسية وإعلامية أن مثل هذه المواقف قد تضر بالمصلحة الوطنية وتفتح الباب أمام توتر غير مبرر. وتفاوتت ردود الفعل بين من اعتبرها دعائية لا تحمل وزنا فعليا، ومن دعا إلى مساءلة قانونية تطال من يستخدم منابر رسمية أو عامة في إطلاق تصريحات قد تُستغل ضد البلاد، داخليا وخارجيا.
جائزة بمليارات الريالات لمن يأتي برأس ترامب
بدأت القصة حين تحدث أحدهم في حضور منصور إمامي، المدير العام لمنظمة الدعوة الإسلامية في محافظة أذربيجان الغربية، الإثنين 7 يوليو/تموز 2025 بتصريح مفاده” كل من يأتي برأس ترامب، سنمنحه مئة مليار تومان، ما يعادل 24 مليون دولار أمريكي”، وذلك خلال تجمع ديني نظم عقب تصريحات سابقة من ترامب، ألمح فيها إلى إمكانية اغتيال مرشد الثورة الإيرانية، على خامنئي.

هذا التصريح كان كفيلا بأن يتحول إلى مادة مشتعلة في الإعلام الإيراني والغربي على حد سواء، خاصة وأنه يأتي من شخصية حكومية في مؤسسة رسمية تتبع الدولة مباشرة، وبالرغم من أن هذا الكلام قيل في سياق تعبوي شعبي، إلا أن التعبير عن ذلك على هذا النحو وبتلك العبارات أثار تساؤلات قانونية وأمنية وسياسية.
جدير بالذكر، أن تصريحات مشابهة كانت قد خرجت من محمد جواد لاريجاني، المحلل السياسي ورئيس معهد أبحاث العلوم الأساسية، الثلاثاء 8 يوليو/تموز 2025، الذي قال: “بإمكاننا استهداف سرة ترامب بطائرة مسيّرة صغيرة، لكننا نحارب بشهامة ورجولة.”

مؤسسة الدعوة الإسلامية تنفي.. “لا علاقة لنا بالجائزة”
مع تصاعد الأصوات والتحذيرات، سارع مكتب العلاقات العامة في منظمة الدعوة الإسلامية إلى إصدار توضيح رسمي، أكد فيه أن المؤسسة “لا علاقة لها على الإطلاق بأي قرار بشأن تخصيص جائزة أو إطلاق تهديدات ضد أي شخصية سياسية”.
وقال المتحدث الرسمي باسم المؤسسة، على مرادخاني، في بيان: “مع كامل الاحترام لمشاعر أبناء شعبنا المناهضين للاستكبار، وبغض النظر عن الرغبات القلبية في سماع خبر وفاة قاتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس والذي اغتلته الولايات المتحدة في مطلع العام 2020 بأمر مباشر من رئيسها في ذلك الوقت دونالد ترامب، فإن منظمة الدعوة الإسلامية لا تملك أي خطة لرصد جائزة من هذا النوع، وما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي لا يمثل المؤسسة”.

وأضاف أن تصريح مدير الفرع الإقليمي في أذربيجان الغربية “يعكس آراء ومواقف بعض المجموعات الشعبية في تلك المحافظة، وليس موقفا رسميا صادرا عن المنظمة”، في محاولة لاحتواء الأزمة وإبعادها عن الإطار المؤسسي الرسمي، خاصة في ظل الحديث عن احتمالية أن تؤدي هذه التصريحات إلى تحميل الدولة الإيرانية مسؤولية قانونية دولية.
“هذه التصريحات لا تخدم المصالح الوطنية”
إلا أن النفي المؤسسي لم يكن كافيا لإغلاق ملف الجدل، فقد خرج حشمت الله فلاحت بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، وأحد أبرز المحللين في شؤون السياسة الخارجية، بتصريحات حادة ضد ما وصفه بالعبث بالمصالح الوطنية.
فقد أوضح فلاحت بيشه، خلال حديثه مع موقع خبر فوري الثلاثاء 8 يوليو/تموز 2025، إن تخصيص جائزة مقابل اغتيال ترامب لا يتماشى مع مصلحة إيران، بل قد يشكل ذريعة مباشرة لربط أي حادثة تحصل داخل أو خارج الولايات المتحدة بإيران، معتبرا أن ترامب شخصية سياسية محفوفة بالأعداء، ويواجه تهديدات من داخل أمريكا نفسها، وخاصة من المهاجرين الذين ينوي ترحيلهم، أو من الفئات الفقيرة التي حرمها من الرعاية الصحية والدعم الاقتصادي.

وأضاف: “ربما يقال إن هذه التصريحات رمزية أو دعائية، لكنها في ظل السياق الحالي، قد تستخدم ضد إيران، وتحمل الشعب تبعات قرارات لا علاقة له بها”، مؤكدا أن الرئيس الإيراني نفسه شعر بالقلق، واضطر إلى نفي الأمر في مقابلة مع الصحفي الأمريكي، تاكر كارلسون.
وأشار إلى أن هذه الخطابات قد توظف سياسيا من قبل إسرائيل واللوبيات المناوئة لإيران في الغرب، لا سيما في فترة حساسة كهذه تتطلب الهدوء وتوحيد الجبهة الداخلية، وقال: “لم يُسجل تاريخيا أن مواطنا إيرانيا اتهم باغتيال شخصية وُضعت مكافأة لرأسها، هذا النوع من التصعيد لا يُخدم به سوى أعداء إيران”.
ودعا في ختام تصريحاته، إلى تحويل الصراع إلى ساحات القانون الدولي، مشيرا إلى ضرورة محاكمة ترامب ونتنياهو على جرائم ضد الإنسانية بدلا من إطلاق ما اسماه تصريحات متشنجة تضر بموقع إيران أكثر مما تنفعها.
صحيفة هم میهن: أين السلطة القضائية من هذا الانفلات؟
هذا، ولم تقتصر الانتقادات على النخب السياسية، بل امتدت إلى الإعلام الإصلاحي الذي حمّل السلطة القضائية مسؤولية التقاعس عن التعامل مع من وصفهم بالمحرضين على العنف.
فخلال تقرير شديد اللهجة في عددها الأربعاء 9 يوليو/تموز 2025، خاطبت صحيفة هم میهن الإصلاحية رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، بقولها: “ألا تنوون التحرك؟! ما هذا الوضع الذي نعيشه؟ يوما يعلن عن جائزة لقتل ترامب، وفي اليوم التالي توجه طائرات مسيّرة إلى سرته. هل هذه سياسة الدولة؟ إن كانت كذلك، فلتعلن ذلك رسميا، وإن لم تكن، فأين هو المدعي العام لجر هؤلاء المحرضين إلى المحاكمة؟”.

وأضافت الصحيفة أن التمييز القضائي بات صارخا، فالبعض يستدعى بسبب تغريدة أو تعليق بسيط، بينما يترك آخرون يصرّحون بعبارات قد تجر البلاد إلى حافة الحرب دون أدنى محاسبة، واعتبرت أن السكوت القضائي عن مثل هذه التهديدات يعادل الاعتراف الرسمي بها.
وتابعت: “إذا كانت هذه التهديدات مجرد ثرثرة دعائية كما يقال، فلماذا تتصدر شاشات التلفزيون؟ ولماذا يضطر ممثل إيران في الأمم المتحدة إلى نفيها؟ ولماذا يتعرض الرئيس الإيراني للإحراج أمام الصحفيين الأجانب؟”.
كما أشارت “هم میهن” إلى أن مثل هذه الدعوات تخدم مباشرة أجندة إسرائيل في إشعال التوترات، معتبرة أن تجنب التصدي لها يفتح الباب أمام مغامرات جديدة تقوّض الأمن القومي الإيراني.
وفي ختام مقالها، ذكّرت الصحيفة أن المادة 669 من قانون العقوبات الإسلامي تُجرّم التهديد بالقتل، ولو كان صادرا عن فرد عادي. وتساءلت: “أليس من واجب القضاء أن يطبق القانون على الجميع؟ أم أن التهديدات إذا جاءت من بعض الأطراف تعتبر دعاية مشروعة؟”.

