ذكرى تحرير خرمشهر… كيف أعادت طهران توظيف ملحمتها الأشهر سياسيا وعسكريا وإعلاميا؟

تحل ذكرى تحرير مدينة خرمشهر في مايو/أيار من كل عام باعتبارها واحدة من أكثر المناسبات رسوخا في الذاكرة السياسية والعسكرية الإيرانية، إذ لا تستحضر المدينة فقط بوصفها ساحة معركة انتهت بانتصار عسكري خلال الحرب العراقية الإيرانية، وإنما باعتبارها رمزا دائما لفكرة المقاومة التي تشكل إحدى الركائز الأساسية في الخطاب السياسي والإيديولوجي للجمهورية الإسلامية. ولذلك، فإن الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير مدينة خرمشهر لم تمر هذا العام كمناسبة تاريخية عادية، بل تحولت إلى مساحة واسعة لإعادة إنتاج سردية الحرب، وربطها بالأزمات والصراعات والتحديات الراهنة التي تواجهها إيران داخليا وخارجيا.

وخلال الاحتفال بتلك الذكرى، صدرت عشرات التصريحات والبيانات عن مسؤولين سياسيين وعسكريين ومؤسسات رسمية ودينية، فيما أفردت وسائل الإعلام الإيرانية مساحات واسعة لتغطية المناسبة من زوايا متعددة، عسكرية، وسياسية، وثقافية، وإعلامية. وقد بدا واضحا أن الخطاب الرسمي الإيراني يسعى إلى توظيف ملحمة خرمشهر، كما يسميها، باعتبارها نموذجا تاريخيا صالحا للاستدعاء في كل الملفات الحالية، سواء ما يتعلق بالمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو العقوبات الاقتصادية، أو الحرب المركبة كما تصفها طهران، أو حتى قضايا الاقتصاد والثقافة والتنمية.

وفي الوقت نفسه، أظهرت التغطيات الإعلامية الإيرانية كيف تحولت خرمشهر من مجرد مدينة تحررت بعد سيطرة عسكرية عراقية دامت 578 يوما إلى رمز سياسي وثقافي دائم، يتم استحضاره في كل مناسبة لتعزيز مفهوم الصمود الوطني وشرعية خطاب المقاومة.

خرمشهر في الخطاب الرسمي الإيراني… استدعاء الحرب لتفسير الحاضر

تميزت التصريحات الرسمية الإيرانية بمناسبة ذكرى تحرير خرمشهر بوجود قاسم مشترك واضح بينها، يتمثل في الربط بين تجربة الحرب العراقية الإيرانية وبين ما تعتبره طهران اليوم استمرارا للصراع مع الاستكبار العالمي بأشكال جديدة، ولم تعد خرمشهر في هذه التصريحات مجرد معركة عسكرية انتهت عام 1982، بل أصبحت إطارا رمزيا لفهم الحاضر والمستقبل.

الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، كان على رأس من علق على تلك الحادثة، فقد أعاد تعريف خرمشهر بصيغة جيوسياسية معاصرة، معتبرا أن “خرمشهر إيران اليوم هي الخليج الفارسي ومضيق هرمز” على حد تعبيره. ولم يكن هذا التصريح عابرا، بل حمل دلالات سياسية واضحة، خصوصا في ظل التوترات المرتبطة بالملاحة والطاقة والصراع الإقليمي. كما وصف بزشكيان الشعب الإيراني بأنه “ما يزال يشبه أهالي خرمشهر الذين لم يكونوا ذوي خبرة قتالية لكنهم وقفوا بشجاعة في وجه الجيش المعتدي”.

Image

رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، كان أيضا من أبرز المسؤولين الذين تناولوا المناسبة بخطاب ذي طابع تعبوي واضح. ففي رسالته، وصف تحرير خرمشهر بأنه “ملحمة أثبتت أن أي طاغية لا يستطيع الوقوف في وجه الجنود المؤمنين والعاشقين لإيران”، معتبرا أن “المجاهد الذي يجمع بين التخطيط والتوكل والشجاعة سترافقه يد العون الإلهي”. واستحضر قاليباف أسماء عدد من أبرز القادة العسكريين الإيرانيين الذين ارتبطوا بالحرب، مثل أحمد كاظمي، وعلي صياد شيرازي، وقاسم سليماني، في محاولة لإظهار امتداد ثقافة الجهاد والمقاومة من جيل الحرب العراقية الإيرانية إلى الجيل الحالي.

Image

كما ركز قاليباف على فكرة أن تحرير المدينة لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل لحظة كشفت للعالم “قدرة الشعب الإيراني على تحويل المستحيل إلى ممكن”، وهو خطاب يتكرر عادة في الأدبيات الإيرانية المرتبطة بالحرب. اللافت أيضا أن قاليباف أعاد توظيف عبارة خرمشهرات أخرى أمامنا، في إشارة إلى التحديات الحالية التي تواجهها إيران، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الأمن.

أما النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف فقد قدم خطابا يربط بصورة مباشرة بين تجربة الحرب والملفات الاقتصادية والسياسية الحالية. ففي رسالته، اعتبر أن “ملحمة تحرير خرمشهر علمتنا أن الصمود والاعتماد على القدرات الداخلية هما السبيل لتجاوز الأزمات”، وأضاف أن إيران تستطيع “كسر العقوبات والانتصار على أعدائها “إذا حافظت على روح المقاومة نفسها” التي ظهرت في الحرب.

Image

هذا الربط بين الحرب والعقوبات كان حاضرا أيضا في تصريحات عدد آخر من المسؤولين، من بينهم نائب الرئيس لشئون الاتصالات والإعلام مهدي طبطبائي، الذي قال إن الإيرانيين تعلموا من “قائدهم الشهيد أن تكلفة الاستسلام أثقل بكثير من ثمن الصمود”. واعتبر أن خرمشهر اليوم تتمثل في الاستقلال الاقتصادي والجهاد العلمي والقدرة الردعية.

Image

ومن خلال هذه التصريحات، بدا واضحا أن القيادة السياسية الإيرانية تحاول إعادة إنتاج روح خرمشهر لتصبح نموذجا سياسيا عاما يمكن تطبيقه على ملفات الاقتصاد والعقوبات والسياسة الخارجية وحتى التنمية الداخلية.

وزير العلوم، حسن سيمائي، قدم بدوره معالجة مختلفة نسبيا للمناسبة، ركزت على البعد الاجتماعي والعلمي. ففي رسالته، قال إن خرمشهر لم تتحرر بالسلاح وحده، بل بفضل التضامن الوطني ورأس المال الاجتماعي، واعتبر أن خرمشهرات المستقبل ستكون في مجالات العلم والتكنولوجيا والمعرفة، في محاولة واضحة لنقل مفهوم المقاومة من المجال العسكري إلى المجال التنموي.

Image

أما المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي فقد أعاد التركيز على البعد الرمزي والوطني للمدينة، واصفا اسم خرمشهر بأنه “رمز للمقاومة والتضحية في سبيل الوطن”، كما أكد أن “الله أغلق طريق الهزيمة أمام إيران”، وهي عبارة تحمل طابعا تعبويا ودينيا واضحا، يعكس استمرار المزج بين الدين والسياسة في الخطاب الرسمي الإيراني المرتبط بالحرب.

وفي السياق نفسه، أصدر رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، آملي لاريجاني، رسالة ربط فيها بين تحرير خرمشهر وبين الحرب الأخيرة، معتبرا أن استمرار صمود الشعب الإيراني يتطلب من المسؤولين تقدير تضحيات الناس والعمل على حل مشكلاتهمـ ويعكس هذا النوع من الخطاب محاولة ربط الشرعية السياسية الداخلية بذاكرة الحرب والصمود الشعبي.

Image

كما أصدرت مؤسسات وهيئات رسمية عدة بيانات بالمناسبة، من بينها مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس، ومؤسسة الشهداء وشؤون المضحين، وتجمعات الشهداء والمضحين، إضافة إلى حرس الشهداء في أذربيجان الغربية. وجميع هذه البيانات تقريبا أعادت التأكيد على مفاهيم الحرب المركبة، والحرب المفروضة الثالثة، وضرورة استمرار ثقافة المقاومة في مواجهة الضغوط الخارجية.

Image

ومن خلال متابعة مجمل هذه التصريحات، يمكن ملاحظة أن الذكرى لم تستخدم فقط لاستحضار الماضي، بل جرى توظيفها بشكل مباشر لتفسير الحاضر وتبرير السياسات الحالية. فخطاب “المقاومة” الذي نشأ خلال الحرب العراقية الإيرانية أعيد إنتاجه اليوم بصيغ جديدة تتعلق بالعقوبات، والاقتصاد، والملف النووي، والصراع الإقليمي، وحتى القضايا الثقافية والاجتماعية.

كيف تناول الإعلام الإيراني ذكرى تحرير خرمشهر؟

هذا وإن كان الخطاب الرسمي الإيراني قد ركز على البعد السياسي والتعبوي للمناسبة، فإن وسائل الإعلام الإيرانية لعبت دورا أساسيا في إعادة بناء الذاكرة الجماعية المرتبطة بخرمشهر، عبر معالجات متعددة الزوايا شملت الجوانب العسكرية، والإنسانية، والثقافية، والإعلامية.

صحيفة إيران، في عددها الصادر اليوم الأحد 24 مايو/ آيار 2026، اختارت التركيز على البعد العسكري والاستراتيجي لتحرير المدينة، عبر حوار مطول مع القائد العسكري السابق فتح الله جعفري، وقد قدم الحوار قراءة تفصيلية لعملية بيت المقدس التي انتهت بتحرير خرمشهر، باعتبارها نقطة تحول في الحرب العراقية الإيرانية.

Image

الحوار استعاد تفاصيل الاجتماعات العسكرية الإيرانية بعد العمليات الأولى الفاشلة، وكيف جرى تطوير أساليب الحرب الإيرانية عبر الاعتماد على “القوات الشعبية” والتكتيكات غير التقليدية. كما ركز على دور شخصيات مثل حسن باقري وعلي صياد شيرازي ومحسن رضائي في تطوير مفهوم “الحرب الهجومية” بدل الاكتفاء بالدفاع.

وقدمت الصحيفة الحرب بوصفها لحظة تأسيس للاعتماد على الذات، مشيرة إلى أن إيران استطاعت خلال تلك المرحلة بناء قدراتها العسكرية محليا وعدم انتظار الدعم الخارجي. كما ربط التقرير بين تجربة الحرب وبين ما اعتبره صمود إيران الحالي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

أما صحيفة اعتماد فقد ذهبت نحو مقاربة مختلفة تميل إلى السرد التاريخي والتحليل الشخصي، عبر تقرير مطول بعنوان “أي قادة عسكريين كان لهم دور في تحرير خرمشهر؟”، التقرير لم يكتف بسرد أسماء القادة العسكريين، بل قدم قراءة لمساراتهم المختلفة بعد الحرب، وكيف تحول بعضهم إلى شخصيات سياسية أو رموز عسكرية.

Image

وتناول التقرير شخصيات مثل محسن رضائي، وحسن باقري، وأحمد متوسليان، وغلام علي رشيد، ويحيى رحيم صفوي، ومسعود منفرد نياكي، وغيرهم، مقدما لكل منهم سردية خاصة تجمع بين البطولة العسكرية والبعد الإنساني أو السياسي.

اللافت في تقرير اعتماد أنه ركز على الجانب البشري في الحرب، وليس فقط على المعارك والانتصارات، حيث استعرض مثلا قصة القائد مسعود منفرد نياكي الذي رفض مغادرة الجبهة لحضور جنازة ابنته، معتبرا الجنود أبناءه أيضا، كما تناول قصة اختفاء أحمد متوسليان في لبنان، باعتبارها أحد ألغاز التاريخ الإيراني المعاصر. ومن خلال هذا النوع من المعالجة، حاولت اعتماد بناء صورة أكثر إنسانية وتعقيدا للحرب، بعيدا عن الطابع التعبوي الصرف.

في المقابل، ركزت صحيفة جام جم على البعد الثقافي والإعلامي لتحرير خرمشهر، من خلال تقرير مطول بعنوان “ملحمة خرمشهر من منظور صناع الأفلام الوثائقية”، التقرير تناول دور المخرجين والمصورين في تشكيل الذاكرة البصرية للحرب، وعلى رأسهم السيد مرتضى آويني ومجموعة رواية الفتح. وقدمت الصحيفة رواية الفتح باعتبارها أكثر من مجرد سلسلة وثائقية، بل طريقة في النظر إلى الحرب والإنسان. وأكد التقرير أن أهمية آويني لم تكن فقط في تصوير الحرب، بل في “روايتها من داخلها وبلغتها الخاصة”.

Image

كما استعرض التقرير عددا من الوثائقيات التي تناولت خرمشهر، مثل تحررت خرمشهر، وجسر الحرية، والتصوير تحت النار، مشيرا إلى أن الصورة لعبت دورا حاسما في تثبيت خرمشهر داخل الذاكرة الوطنية الإيرانية. وأبرزت جام جم فكرة أن المصورين والوثائقيين لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث، بل حراسا للذاكرة التاريخية، معتبرة أن الكاميرا كانت جزءا من الجهاد مثلها مثل السلاح.

أما موقع جهان نيوز فقد تبنى معالجة سياسية أيديولوجية واضحة، تمحورت حول عبارة “إن أمامنا خرمشهرات أخرى”، واعتبر الموقع أن تحرير خرمشهر يمثل نموذجا مستمرا للمواجهة مع قوى الاستكبار. وربط التقرير بين معركة خرمشهر وبين حرب رمضان والحرب المركبة، معتبرا أن المقاومة ليست مجرد رد فعل دفاعي، بل استراتيجية شاملة في الاقتصاد والثقافة والسياسة. كما أعاد الموقع نشر تصريحات سابقة للمرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، حول خرمشهرات المستقبل، مؤكدا أن التحديات الحالية لإيران في الاقتصاد والثقافة والسياسة تشبه معارك جديدة تتطلب الروح نفسها التي حررت خرمشهر.

Image

ومن خلال قراءة مجمل التغطيات الإعلامية، يمكن ملاحظة أن وسائل الإعلام الإيرانية تعاملت مع المناسبة باعتبارها فرصة لإعادة إنتاج ثلاث سرديات رئيسية، السردية الأولى هي البطولة العسكرية، وظهرت بوضوح في صحيفتي إيران واعتماد، عبر التركيز على القادة والمعارك والتكتيكات العسكرية. السردية الثانية هي الذاكرة الثقافية، وبرزت خصوصا في جام جم، عبر الاهتمام بالوثائقيات والصور والمصورين الذين وثقوا الحرب.

أما السردية الثالثة فهي الرمزية السياسية، التي حضرت بقوة في جهان نيوز، عبر تحويل خرمشهر إلى نموذج دائم للمقاومة السياسية والاقتصادية والثقافية.

خرمشهر… من مدينة محررة إلى رمز سياسي دائم

تكشف طبيعة التصريحات الرسمية والتغطيات الإعلامية الإيرانية أن خرمشهر لم تعد مجرد مدينة استعادت إيران السيطرة عليها في مايو/أيار 1982، بل أصبحت رمزا سياسيا وثقافيا دائما داخل الوعي الإيراني الرسمي.

فالمدينة تستدعى سنويا لإعادة التأكيد على مفاهيم الصمود والوحدة الوطنية والاعتماد على الذات، كما تستخدم لتبرير سياسات الحاضر وربطها بذاكرة الحرب. ولهذا لم يعد الحديث عن خرمشهر يقتصر على المعركة العسكرية، بل بات يشمل الاقتصاد والثقافة والسياسة وحتى التكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه، تظهر التغطيات الإعلامية كيف أصبحت الحرب العراقية الإيرانية، وخصوصا معركة تحرير خرمشهر، جزءا من الهوية الوطنية الرسمية للجمهورية الإسلامية. فالإعلام لا يكتفي بسرد التاريخ، بل يعيد صياغته بصورة مستمرة ليظل حاضرا في الوعي الجمعي.

وهكذا، تبدو ذكرى تحرير خرمشهر في إيران أكثر من مجرد مناسبة تاريخية؛ إنها مناسبة لإعادة إنتاج سردية الدولة نفسها، وتأكيد أن المقاومة ليست مرحلة انتهت، بل مشروع مستمر ترى طهران أنه يمتد من ساحات الحرب إلى الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والمجتمع.