- زاد إيران - المحرر
- 116 Views
كتب: الترجمان
في ظل تصاعد وتيرة التهديدات الإعلامية الغربية والتحركات الميدانية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، يتردد صدى الطبول العسكرية في أروقة مراكز صناعة القرار في طهران بوقائع ومعادلات جديدة تفوق في أبعادها مجرد الخطابات الحماسية المعتادة. تأتي هذه التطورات بالتزامن مع ما بات يُعرف في الأدبيات العسكرية الإيرانية المعاصرة بـ “حرب رمضان” ، لتضع المنطقة برمتها على حافة تحول استراتيجي غير مسبوق.
إن القراءة المتعمقة للتصريحات الصادرة عن كبار القادة العسكريين، لاسيما الإشارات الصريحة لما يُطلق عليه “النسخة الثالثة من المواجهة”، تكشف عن وجود هيكلية دفاعية وهجومية متكاملة تهدف إلى تجاوز استراتيجية “الرد المتناسب” نحو استراتيجية “الحسم الكامل”. يركز هذا التقرير الشارح على تفكيك زاوية المعالجة الإيرانية للسيناريوهات المتوقعة في حال إقدام الولايات المتحدة وحلفائها على مغامرة عسكرية جديدة ضد الأراضي الإيرانية.
النسخة الثالثة من المواجهة: العقيدة الجديدة في المعدات والأهداف الحديثة
تُشكل “النسخة الثالثة من المواجهة” العمود الفقري للعقيدة الدفاعية الإيرانية الجديدة، وهي نتاج خالص للدروس المستفادة من المواجهات المباشرة الأخيرة مع القوى الغربية. تفيد التقارير المسربة من مصادر عسكرية مطلعة في طهران بأن هذه النسخة لا تمثل مجرد خطة طوارئ بديلة، بل هي تحول راديكالي في المفاهيم العملياتية للقوات المسلحة الإيرانية، سواء الحرس الثوري أو الجيش النظامي.
تتوزع هذه الاستراتيجية على ثلاثة أركان أساسية؛ أولها إدخال جيل جديد كليا من الأسلحة والمعدات العسكرية التي لم تُختبر في المعارك السابقة ولم يتم الكشف عن تفاصيلها الفنية بعد، والتي تشمل منظومات صاروخية فرط صوتية متطورة، وطائرات مسيرة ذات مديات بعيدة وقدرات تخفي عالية، بالإضافة إلى وسائط دفاع جوي وحرب إلكترونية قادرة على شل شبكات القيادة والسيطرة المعادية.
أما الركن الثاني فيعتمد على إعادة صياغة بنك الأهداف ليضم منشآت ومراكز حيوية ذات ثقل استراتيجي واقتصادي فائق الحساسية للطرف الآخر، في حين يركز الركن الثالث على تكتيكات هجينة وغير متناظرة تفاجئ أجهزة الاستخبارات الغربية وتجعل من التنبؤ بمسار الهجمات الإيرانية المضادة أمراً شبه مستحيل.

الجبهات العابرة للحدود: توسيع شعاع المعركة إلى مناطق بعيدة
تتجاوز المقاربة العسكرية الإيرانية الحالية النطاق الجغرافي التقليدي لمنطقة الخليج والمياه الإقليمية المحيطة بها، حيث تستند السيناريوهات الإيرانية بشكل مباشر إلى خيار “توسيع جبهات القتال “. يدرك المخططون العسكريون في طهران أن حصر المعركة في الرقعة الجغرافية المحلية يمنح المتفوق تكنولوجيا ميزة نسبية، ولذلك فإن الرد الإيراني المصمم لأي اعتداء أمريكي سيمتد ليتجاوز البحار والمحيطات القريبة.
يعني هذا السيناريو عمليا تفعيل كافة أوراق القوة وبنية المقاومة الحليفة المنتشرة في عمق الممرات المائية الحيوية والنقاط الجغرافية الحساسة، مما يضع القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في آسيا الوسطى، والمحيط الهندي، وشرق إفريقيا، فضلا عن خطوط الإمداد اللوجستي الدولية، في دائرة الاستهداف المباشر.
هذا التموضع العملياتي يهدف بالأساس إلى رفع التكلفة البشرية والمادية لمتخذ القرار في واشنطن، وجعل فكرة الدخول في مواجهة مع إيران مرادفة لإشعال حريق شامل يمتد من مضيق باب المندب والبحر الأحمر وصولا إلى مناطق نفوذ أبعد بكثير مما تتوقعه الدوائر العسكرية الغربية.

تثبيت الورقة الاستراتيجية لمضيق هرمز؛ الواقع الجديد لما بعد الحرب
أثبتت الوقائع الميدانية الأخيرة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة ضغط سياسي تستخدمها طهران في تصريحاتها الدبلوماسية، بل تحول إلى أمر واقع مفروض على الساحة الدولية بقوة السلاح والتواجد الميداني الكثيف.
تشير القراءات التحليلية للمشهد البحري إلى أن إيران تمكنت من صياغة قواعد اشتباك جديدة في هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره جزء ضخم من إمدادات الطاقة العالمية، لدرجة أن كبريات شركات الشحن والنقل البحري الدولية باتت توقن تماما بأن تأمين حركة سفنها يتطلب تنسيقا ضمنيا أو علنيا مع السلطات البحرية الإيرانية.
في حال اندلاع جولة جديدة من الصراع، فإن السيناريو الإيراني لا يتوقف عند حدود إغلاق المضيق التقليدي، بل يشمل فرض منظومة مراقبة واستهداف صاروخي ومدفعي صارم يحول دون قدرة البحرية الأمريكية على توفير غطاء آمن لقطعها البحرية أو حاملات طائراتها، مما يفرغ خيار الحصار البحري الغربي ضد إيران من مضمونه ويقلب الطاولة ليكون حصارا مضادا للاقتصاد العالمي بأسره.

الرد الحاسم: الانتقال من الضربات المحدودة إلى استراتيجية إنهاء الحرب
يمثل مصطلح “الرد الحاسم ” أي المنهي للحرب الذي رفعه كبار القادة العسكريين، وفي مقدمتهم قائد فيلق محمد رسول الله التابع للحرس الثوري، تحولا جوهريا في العقلية الدفاعية الإيرانية. فبعد سنوات من الاعتماد على مفهوم “الصبر الاستراتيجي” أو الردود المحدودة والنقطية التي تهدف إلى احتواء الصراع ومنع تدحرجه، تبنت طهران سيناريو هجوميا مضادا يتلخص في توجيه ضربة أولى وثانية ساحقة ومكثفة تفقد العدو القدرة على مواصلة العمليات العسكرية.
يقوم هذا السيناريو على فكرة أن أي خطأ في الحسابات الأمريكية أو الإسرائيلية سيواجه باستهداف فوري ومكثف للمرتكزات الأساسية لقوة العدو في المنطقة، عبر موجات متتالية من الصواريخ والمسيرات تنطلق بشكل متزامن من منصات متعددة وثابتة ومتحركة، مما يؤدي إلى شل القدرات الهجومية والدفاعية للمتجاوز خلال الساعات الأولى من المعركة، ويفضي بالضرورة إلى فرض نهاية سريعة وشديدة القسوة للحرب بشروط تضعها طهران، حارمة الطرف الآخر من فرصة إدارة حرب استنزاف طویلة الأمد.

ثنائية الدبلوماسية والميدان: المعركة السياسية ركيزة الاقتدار العسكري
لا ينفصل الحراك العسكري الإيراني بأي حال من الأحوال عن الديناميكية السياسية والدبلوماسية التي تقودها المؤسسات التشريعية والتنفيذية في البلاد. يرى نخب السياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، وخاصة داخل لجنة الأمن القومي، أن الحرب والدبلوماسية وجهان لعملة واحدة، وأن أي مسار تفاوضي مستقبلي لإنهاء حالة العداء يجب أن ينطلق من تثبيت الوقائع التي يفرضها الميدان العسكري.
تعكس التحركات الأخيرة والوساطات الإقليمية المستمرة التي تقودها قوى جارة مثل سلطنة عمان وباكستان رغبة إيرانية في إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، لكن دون تقديم تنازلات شبر واحد في القضايا السيادية الكبرى مثل البرنامج النووي السلمي، ترسانة الصواريخ البالستية، أو الدعم الاستراتيجي لحلفاء الإقليم.
إن الرؤية الجمعية داخل إيران، بالرغم من وجود تباينات في وجهات النظر حول جدوى التفاوض مع الإدارات الأمريكية المتقلبة، تلتقي عند نقطة مركزية مفادها أن صلابة الجبهة الداخلية والالتفاف الشعبي حول خيار الدفاع عن الوطن يشكلان الضمانة الأساسية والوحيدة التي تمنح الدبلوماسي الإيراني القدرة على الحديث من موقع القوة وفرض الشروط الردعية على الساحة الدولية.
تماسك الجبهة الداخلية: الالتفاف الشعبي كركيزة للأمن القومي
تُظهر القراءة المتأنية للتحولات الاجتماعية داخل إيران عقب النزاعات المسلحة الأخيرة نموا ملحوظا في “الحس الوطني” وتنامي شعور الالتصاق بالهوية والتراب الإيراني، وهو ما تعتبره القيادة العسكرية والسياسية أثمن الأوراق في مواجهة التهديدات الخارجية.
فعلى الرغم من وجود انتقادات واسعة واحتجاجات داخلية سابقة حول السياسات الاقتصادية والمعيشية، إلا أن دخول البلاد في مواجهات مباشرة مع قوى خارجية أحدث تحولاً عميقاً في الوجدان الجمعي للمواطنين، حيث توحدت الرؤى حول أولوية حفظ الأمن القومي وسلامة الأراضي الإيرانية وربط استمرار الدولة ببقاء النظام الحاكم في مواجهة العدوان الخارجي.
هذا التماسك الداخلي يمثل حجر زاوية في تفشيل سيناريوهات “الحرب النفسية” وإسقاط النظام من الداخل التي دأبت الدوائر الاستخباراتية الغربية على الترويج لها وتضمينها في خططها العسكرية، مما يجعل من أي مغامرة عسكرية مرشحة للاصطدام بجدار صلب من المقاومة الشعبية الشاملة التي ترفض أي إملاءات أجنبية.

آفاق الصراع: بين ترك التخاصم الهش وبناء معادلة الردع المستدام
في نهاية المطاف، تتأرجح السيناريوهات المستقبليّة للعلاقات الإيرانية الأمريكية بين ثلاثة مسارات رئيسية تتنوع بين استمرار التخاصم العنيف، أو الاتجاه نحو “ترك العداء” وضبط النزاع، أو الانتقال المستبعد حاليا نحو تطبيع العلاقات. تبدو فرضية “ترك العداء المستدام” هي الخيار الأكثر واقعية في المدى المنظور، حيث يسعى كلا الطرفين إلى تجنب الصدام الشامل الذي قد يؤدي إلى عواقب تدميرية غير محسوبة للاقتصاد العالمي وموازين القوى الدولية.
ومع ذلك، فإن طهران تؤكد عبر مناوراتها واستعداداتها العسكرية الأخيرة أنها لن تقبل بترك تخاصم هش يتيح للولايات المتحدة إعادة ترتيب أوراقها وتجديد تهديداتها بشكل دوري، بل تسعى إلى فرض معادلة ردع شاملة تجعل من تكلفة الإقدام على الحرب أكبر بكثير من أي عائد سياسي أو عسكري يمكن أن تحلم به واشنطن أو تل أبيب، معتمدة في ذلك على مزيج متقن من التفوق التكنولوجي العسكري، والعمق الجغرافي الاستراتيجي، والتماسك المجتمعي.

