- زاد إيران - المحرر
- 280 Views
في زمن تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية وتزداد فيه الضغوط المعيشية على الناس، تصبح الموازنة العامة أكثر من مجرد أرقام مصفوفة في جداول مالية، حيث تتحول إلى انعكاس مباشر لمدى شعور الدولة بمسؤوليتها تجاه مواطنيها. وحين تتسع الهوة بين ما يحتاجه المجتمع وما تنفق عليه الموارد العامة، تبرز أسئلة مؤجلة حول العدالة والشفافية وأولويات الحكم. في هذه اللحظة، يشعر المواطن بأن الإصلاح الاقتصادي لم يعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة تمس تفاصيل حياته اليومية. ومن هنا تأتي رسالة إنذار اقتصادية لتدفع بهذا النقاش إلى واجهته الطبيعية، كيف تدار أموال البلد، ولصالح من تنفق؟
رسالة غير مسبوقة… ماذا جاء فيها؟
وجه أكثر من 185 اقتصاديا وأستاذ جامعة من مختلف المؤسسات العلمية في إيران، الأحد 7 ديسمبر/ كانون الأول 2025، رسالة مفتوحة إلى الرئيس، مسعود بزشكيان، دعوه فيها إلى اتخاذ خطوة جريئة طال انتظارها تتضمن إعادة هيكلة جانب النفقات في الموازنة العامة، وحذف ميزانيات المؤسسات التي لا تقدم خدمة عامة واضحة أو مردودا اجتماعيا حقيقيا، هذا فيما استندت الرسالة إلى قراءة نقدية عميقة لبداية فكرة الموازنة في التجربة الدستورية الإيرانية، حيث كان ينظر إليها كأداة لضمان العدالة وتكافؤ الفرص، لا وسيلة لتوزيع الامتيازات أو تثبيت التحالفات السياسية.

وجاء في نص الرسالة” قبل كل شيء، نذكر فخامتكم بأن المالية الحكومية قبل الثورة الدستورية، أحد أهم الحركات الثورية الإيرانية في القرن العشرين، كانت تعتمد على جمع الأموال من الناس بالقهر وتوزيع قسم كبير منها على بعض المتنفذين دون مقابل عمل، وكان كثير من الأشخاص يتقاضون أجور دون أن يقدموا عملا، وكان من أحلام رواد الحركة الدستورية تنظيم المالية العامة للدولة، وقد نص الدستور على ذلك صراحة، كما ورد هذا الهدف واضحا في مقدمة أول موازنة قدمت إلى البرلمان حينها، حيث جاء أن الميزانية لم تعد مجرد جمع وتوزيع للأموال، بل يجب أن تراعي العدالة والعقلانية في تحصيل الإيرادات دون إضرار، وإنفاقها للصالح العام.”
وتضيف” إن تجاهل هذا المبدأ هو تجاهل لتضحيات رواد الثورة الدستورية، وتجاوز لحق الشعب باعتباره صاحب الموارد العامة، ونحن الموقعين أدناه، من أساتذة وباحثين وناشطين في مجالات الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، نؤكد أن العدالة في تخصيص الموارد العامة شرط أساسي لعبور المرحلة الصعبة الراهنة. نحن نقبل بضرورة الإصلاحات الاقتصادية، لكن تنفيذها يجب أن يترافق مع ضبط الموازنة وخفض النفقات غير الفعالة، ويجب تصميم شبكة دعم وتعويضات تقلل من الضغط على ذوي الدخل المحدود دون العودة لسياسات مكلفة وغير فعالة.
إلى أين تذهب هذه الأموال؟
وحول الشفافية في الموازنة، يذكر الاقتصاديين” فخامة الرئيس، لقد تحدثتم مرارا عن ضرورة جعل الموازنة عملية وشفافة، وإلغاء البنود عديمة الجدوى، والآن حان وقت التنفيذ العملي، فكما يطلب من المواطنين تحمل تكاليف إضافية، فعلى الحكومة أيضا أن تتحلى بالشجاعة وتلغي البنود المكلفة قليلة الجدوى والتي لا تعود بفائدة اجتماعية، فالإصلاح العادل لأسعار البنزين والطاقة لن يتحقق إلا إذا ترافق مع إصلاح في جانب النفقات الحكومية. ويجب أن يرى الناس بوضوح ما النفقات التي جرى تخفيضها؟ ما البنود التي حذفت؟ وكيف تنفق الإيرادات الجديدة لصالح التعليم والصحة والنقل العام وغيرها من المنافع العامة؟”.
وعن مطالبهم من بزشكيان، يذكرون “نحن نؤكد مطلبنا المشترك، اجعلوا الموازنة عادلة وشفافة، كذلك نقترح حذف ميزانيات المؤسسات التي لا تؤدي أي دور في تقديم خدمات عامة، ودون أي مجاملة من ميزانية العام القادم، فالناس يعيشون ظروفا صعبة، ولا يوجد مبرر لصرف أموال عامة على مؤسسات لا ترتبط أنشطتها بالمصلحة الوطنية”.
وتتابع الرسالة” كذلك نقترح جعل الموازنة شفافة بالكامل، فيجب تحويل خزينة الدولة إلى غرفة زجاجية يَظهر فيها كل ما يدخل وكل ما يخرج، ونشر تقارير منتظمة عن البنود المحذوفة والمخفّضة وكيفية إنفاق الموارد المحصلة، وأيضا خفض موازنات المؤسسات الحكومية ذات الكلفة العالية والجدوى المحدودة، بحزم ووضوح”.
وخلال رسالتهم، حدد الاقتصاديون في رسالتهم أمثلة مباشرة للمؤسسات التي تبتلع سنويا جزءا كبيرا من المخصصات المالية رغم غياب أثر ملموس لها في حياة المواطنين، ومنها مؤسسة الإمام الخميني، والذي سجل أعلى نسبة نمو في ميزانيته بنسبة تبلغ أكثر من 44%، مقر بقیة الله الذي ارتفعت مخصصاته بأكثر من 45%، ومركز خدمات الحوزة العلمية الذي قفزت ميزانيته بنسبة هائلة بلغت 1300% خلال خمس سنوات، منظمة التبليغات الإسلامية التي تضاعفت مخصصاتها نحو 10 مرات بين الأعوام 2021 و2025، وأشارت الرسالة إلى أن هذه المؤسسات، على اختلاف مهامها الدينية أو العقائدية أو شبه السياسية، لا تقوم بدور خدماتي مباشر يبرّر حجم ما تستحوذ عليه من المال العام.


قراءة تحليلية في مضمون الرسالة
تكشف الرسالة عن رؤية متكاملة تتجاوز النقد المباشر لتصل إلى جذور الأزمة المالية في البلد، فالمشكلة بحسب الاقتصاديين، ليست في نقص الإيرادات، بل في تشوه أولويات الإنفاق العام، فقد أصبحت الموازنة خلال السنوات الأخيرة، من وجهة نظرهم، تميل إلى خدمة أهداف سياسية وانتخابية وتوسيع نفوذ مؤسسات عقائدية، على حساب الخدمات العامة التي ينتظرها المواطن، كالتعليم، الصحة، النقل العام، الرعاية الاجتماعية، دعم الدواء، وتمويل مشروعات البنية التحتية.
هذه الممارسات جعلت من الموازنة أداة لا تعكس حاجات المجتمع، بل خيارات السلطة، وهو ما أدى إلى تراجع حصة المواطن تدريجيا من الميزانية، التي وصفوها بالكعكة التي تقسم دون نصيب للمواطن البسيط.

ويذهب خطاب النخبة الاقتصادية إلى أبعد من التشخيص، معتبرين أن غياب الشفافية وضعف الرقابة المالية شكّلا بيئة خصبة لاستمرار الهدر، وأن العجز المزمن والتضخم وارتفاع الدين العام ليست سوى نتائج طبيعية لهذا المسار، ويحذرون من أن استمرار تمويل مؤسسات غير منتجة سيقود إلى تفاقم التحديات الكبرى مثل الانكماش الاقتصادي وتراجع الاستثمار وارتفاع الأسعار وتآكل الطبقة الوسطى.
هذا وتضيف الرسالة أن الإصلاح الاقتصادي، إذا كان يهدف فعلا إلى العدالة، يجب أن يبدأ من داخل الحكومة نفسها، فلا يمكن للدولة أن تطلب من المواطن دفع ثمن الإصلاح بينما تمتنع هي عن خفض إنفاقها على مؤسسات لا تنعكس خدماتها على المجتمع، ولهذا شدد الموقعون على أنه لا بد من خطوة شجاعة تُظهر للمواطن أن الإصلاح ليس أحادي الاتجاه.
كما ذكر الموقعون أن الاقتصاديين من قبلهم قد حذروا على مدى أربعة عقود من تزايد اختلالات الموازنة واعتماد الحكومات المتعاقبة على سياسات قصيرة المدى، تقوم على إخفاء الأزمات تحت السجادة، على حد تعبيرهم، بدلا من مواجهتها، وهذا النهج هو ما أنتج اليوم واقعا اقتصاديا هشا يتطلب قرارات غير تقليدية.
تبرز الرسالة أيضا خطورة فقدان الثقة بين المواطن والدولة، معتبرة أن هذا الفقدان قد يكون أكثر تهديدا من الأزمات الاقتصادية نفسها، لأنه يقوض قدرة الحكومة على تنفيذ أي إصلاحات مستقبلية، ولذلك فإن الشفافية، بنسبة 100%، تعد أداة لاستعادة هذه الثقة وليس مجرد مطلب إداري، كما ترى أن إعادة ترتيب أولويات الموازنة هو المدخل الطبيعي لإصلاح العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها، إذ يشعر الأخرون أنه لا معنى لمطالبتهم بالتضحية دون أن يروا الدولة تبدأ بنفسها.
من الرسالة إلى الواقع.. كيف يقرأ الخبراء مستقبل الإصلاح المالي؟
وتمتد دائرة النقاش التي فتحتها رسالة الاقتصاديين والأكاديميين إلى الرئيس بزشكيان إلى آراء عدد من الخبراء البارزين الذين قدموا قراءات أعمق لجذور الأزمة المالية وأولويات الإصلاح، وفي مقدمتهم علي قنبري وعلي نقي مشايخي، اللذان يمثلان اتجاهين متقاربين في التحليل لكنهما يسلطان الضوء على زوايا مختلفة من المشهد، فبينما جاءت الرسالة الجماعية لتطالب بإعادة ترتيب بنود الموازنة وحذف الإنفاق غير المنتج، يقدم الخبيران تفسيرا تفصيليا لطبيعة الخلل الذي يسود المالية العامة، ويحددان ما يجب أن تكون عليه الخطوة التالية إذا أرادت الحكومة أن تترجم هذه الدعوات إلى سياسة واقعية وفعالة.
فيرى علي قنبري، أستاذ الاقتصاد في جامعة إعداد المعلمين، أن المشكلة الاقتصادية لم تعد محصورة في تضخم مرتفع أو تراجع القدرة الشرائية، بل باتت أزمة مركبة تشمل كل محركات الاقتصاد، فوفق قراءته، يتجه التضخم نحو مستويات تتجاوز 40%، بينما يتحرك معدل النمو نحو المنطقة السالبة، وهو ما يعكس عجزا هيكليا في الاقتصاد لم يعد قابلا للعلاج بالوسائل التقليدية، ويرجع قنبري هذا التدهور إلى استمرار العجز الكبير في الموازنة، وإلى التوسع غير المنضبط في السيولة الذي أثر بدوره في القطاع المصرفي، ليتحول إلى ما يشبه حالة عدوى اقتصادية تمس كل القطاعات، ويمضي في حديثه ليحذر من أن العجز المالي العام لم يعد ظاهرة رقمية، بل أزمة تؤثر في كل تفاصيل الحياة اليومية.

ويؤكد قنبري أن استمرار تخصيص الموارد لمؤسسات لا تقدم خدمات حقيقية للمجتمع يفاقم الوضع، مشيرا إلى أن ما بين خمسة إلى عشرة ملايين شخص فقط يعيشون اليوم دون ضغوط مالية حادة، بينما يعاني معظم المواطنين في توفير الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والسكن، معتبرا أن العمل الثقافي والدعائي لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، في حين يتعرض قطاع الصحة والتعليم والأدوية لضغط متواصل، وبناء على ذلك، يرى أن حذف ميزانيات المؤسسات غير الضرورية ليس خطوة تقنية، بل قرار لحماية ما تبقى من قدرة المواطنين على الصمود أمام موجات الغلاء.
في المقابل، يركز علي نقي مشايخي، الاقتصادي وأحد أبرز الموقعين على الرسالة، على الطابع المؤسسي لعجز الموازنة، ويعتبره تهديدا مباشرا لاستقرار النظام الإداري والمالي للدولة، فهو يحذر من أن عدم تحرك الحكومة لحذف النفقات غير الضرورية وتقليص العجز سيعرض النظام بأكمله للضرر، في إشارة إلى أن الأزمة لم تعد اقتصادية فحسب، بل سياسية بطبيعتها، ويرى مشايخي أن الخطر الحقيقي يكمن في معدل النمو المتصاعد للإنفاق على مؤسسات غير خاضعة لرقابة سليمة، إذ تتحول مع مرور الوقت إلى مراكز قوة مالية تزيد من هشاشة الموازنة وترهق الدولة بالتزامات لا تستطيع الاستمرار فيها.

ويشدد مشايخي على أن اتخاذ قرار بحذف هذه الميزانيات لا يعني بالضرورة تحقيق وفر مالي فوري، لكنه يمثل تغييرا في الاتجاه، وهو ما يعد بنظره العنصر الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة، فالهدف من هذا الحذف، كما يوضح، هو أن تبرهن الدولة على أن المال العام سيذهب إلى قطاعات ذات أثر ملموس، وأن الحكومة مستعدة لبدء الإصلاح بنفسها قبل مطالبة الناس بتحمل التكاليف، ويشير أيضا إلى أن الإصلاح المالي يجب أن يترافق مع حماية الفئات الهشة عبر آليات دعم فعّالة، وفي مقدمتها بطاقات دعم السلع الإلكترونية الذي يضمن وصول الدعم إلى السلع مباشرة، بدلا من ضياعه في حلقات الوساطة أو التسعير غير المنضبط.

