- زاد إيران - المحرر
- 367 Views
شهدت جزيرة كيش الإيرانية في الأيام الأخيرة جدلا واسعا تجاوز حدود الرياضة وامتد إلى عمق النقاشات الثقافية والسياسية والاجتماعية، حيث تحول سباق ماراثون كان يفترض أن يكون حدثا ترفيهيا رياضيا إلى محور سجال محتدم حول الحجاب والقيم العامة والهوية الثقافية في البلاد، فقد تصاعدت حدة النقاش بعدما انتشرت على نطاق واسع صور وفيديوهات تظهر مشاركة عدد من النساء بلباس غير متوافق مع القواعد الرسمية، الأمر الذي فجّر موجة ردود فعل متباينة، تراوحت بين النقد الحاد والتحذير من مخططات منظمة والتشكيك في أداء الجهات المشرفة على إدارة المناطق الحرة، فيما اتسعت دائرة الجدل لتشمل المؤسسات الدينية، الأجهزة القضائية، وسائل الإعلام، والسكان المحليين، لتتحول الواقعة إلى قضية رأي عام تتجاوز مجرد حدث رياضي.
تفاصيل الماراثون.. خلفية وتوقيت ومشاركة واسعة
أقيم الماراثون النسائي في جزيرة كيش يوم الجمعة 5 ديسمبر/ كانون الأول 2025، ضمن فعالية رياضية موسعة شارك فيها نحو خمسة آلاف امرأة من مختلف أنحاء إيران، وقد جاء الحدث استمرارا لسلسلة سباقات نظمتها الجزيرة خلال السنوات الماضية، بعضها مسجل دوليا ويتمتع بمسارات توصف بأنها من الأجمل على مستوى المنطقة.


اختيرت للماراثون مسارات بمسافات مختلفة، بينها 5 كيلومترات و15 كيلومترا و42 كيلومترا، واستقبلت الجزيرة آلاف الزائرين والسياح الذين توافدوا لمتابعة هذا الحدث الرياضي الذي أصبح جزءا من أنشطة الجذب السياحي في كيش، وعلى المستوى التنظيمي، جرى الترويج للمسابقة مسبقا عبر حملات إعلانية، وتضمنت الإعلانات التأكيد على الالتزام بالضوابط الشرعية الخاصة بلباس النساء وفق القوانين الإيرانية
ورغم التوقعات بمرور الحدث دون ضجيج، فسرعان ما انفجر الجدل بعد انتشار مقاطع مصورة تظهر مشاركة عدد من النساء بملابس رياضية اعتبرت غير متوافقة مع قانون الحجاب الإسلامي الذي تفرضه إيران على النساء، ورغم أن المقاطع لم تتضمن مشاهد تعد استثنائية بالمقارنة مع أحداث مشابهة في أعوام سابقة، فإن الضجة هذه المرة تضاعفت لأسباب سياسية وثقافية أهمها السجال الدائر منذ حوالي العام تقريبا وتجدد خلال الآونة الأخيرة بين حكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، والبرلمان بخصوص تطبيق قانون الحجاب، فيما دخلت المؤسسات الرسمية والإعلامية على خط الأزمة بقوة.

هذا وقد أشارت تقارير عدة إلى أن الجهة المنظمة للماراثون لم تضع آليات رقابية واضحة لضبط مسألة الحجاب عند خط البداية أو أثناء السباق، رغم الإعلان المسبق عن ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية، كما برزت ملاحظات أخرى بشأن ضعف الإخراج الإعلامي، إذ بدت النسخة الرسمية للفيديو الدعائي ضبابية وغير صالحة للنشر الواضح، ما عزز الاتهامات بوجود محاولات لإخفاء المشاهد المثيرة للجدل، تزامن ذلك مع خلافات بين الجهات المنظمة واتحاد ألعاب القوى حول تراخيص وإشراف الفعالية، ما ألقى بظلال إضافية على قدرة إدارة المنطقة الحرة في كيش على ضبط الأحداث العامة.
وزارة المالية تدخل على الخط
على خلفية تلك الأحداث، فقد أصدر وزير الاقتصاد الإيراني، علي مدني زادة، أمرا بفتح تحقيق عاجل في ملابسات السباق، حيث إن بنك “بلو بانك” سامان كان الراعي الرسمي للحدث، فيما كلف الوزير أمين المجلس الأعلى للمناطق الحرة ورئيس مركز التفتيش في الوزارة بإعداد تقرير شامل حول الواقعة، في وقت فتح فيه ملف قضائي بحق منظمي السباق واعتقل اثنان من المسؤولين عنه.

جديرا بالذكر أن الجدل الحالي قد أعاد إلى الأذهان أزمة العام الماضي حين انتشرت صور موظفات في البنك نفسه بلا حجاب، ما أثار انتقادات واسعة، ووفق تقارير محلية، فقد قدم البنك للمتسابقات قروضا تسدد خلال ستة أشهر بقيمة 200 مليون ريال، ما يعادل 161 ألف دولار، لتغطية تكاليف السفر والمشاركة، كما أعلن تخصيص 1000 مليار ريال، ما يعادل 806 ألف دولار، لدعم الماراثون.


من جانبه أدان إمام جمعة مدينة بارسيان، جواد إسماعيل نيا، ما وصفه بمظاهر العري وعدم الالتزام بالحجاب خلال الماراثون، معتبرا أن ما جرى يمثل إهانة لدماء الشهداء والقيم الإسلامية، وأكد في تصريحات لوكالة مهر أن المجتمع الإيراني يعيش ماراثون تشييع الشهداء وحماية الهوية الدينية، لا ماراثون العري والانفلات، وشدد إسماعيل نيا على أن الحجاب قانون وضرورة شرعية يجب احترامها، مطالبا السلطات باتخاذ إجراءات قانونية حازمة بحق المنظمين والمتجاوزين، كما دعا المسؤولين في هرمزكان إلى التحرك الفوري، مؤكدا أن الشعب لن يقبل أي مساس بالقيم الثقافية والدينية الراسخة.

موجة شديدة من الإعلام الأصولي على المارثون
تحت عنوان ماراثون الترويج للانفلات وقلة الحياء في ظل غفلة وتراخي المسؤولين، انتقدت صحيفة كيهان الأصولية في عددها الأحد 7 ديسمبر/ كانون الأول 2025، بشدة ماراثون كيش النسائي، وقالت إن هذا الحدث لم يكن واقعة عرضية، بل حلقة جديدة ضمن سلسلة تحركات الأيادي الخفية لإزالة الحياء من المجتمع الإيراني، بعد أيام فقط من حدث حفلة القهوة المختلط في الجزيرة نفسها.

وقالت كيهان أن انتشار هذه المظاهر يعكس تصورا خاطئا لدى بعض الجهات في المناطق الحرة، كأنها معفاة من احترام القانون والضوابط الشرعية، واصفة الصور المنتشرة بأنها مؤسفة وتنذر بتزايد جهود منظمة لنشر الانفلات الأخلاقي، ورغم الإعلانات المسبقة عن ضرورة الالتزام بالحجاب، تقول الصحيفة إن المنظمين لم يتخذوا أي إجراء لمنع الانتهاكات.
كما أشارت إلى أن توقيف اثنين من منظمي الحدث خطوة ضرورية لكنها غير كافية، لأن العقوبات الحالية لا تردع من اعتبرتهم يسعون عمدا إلى كسر الأعراف، واعتبرت أن تصريحات المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، حول دور الأعداء في دعم وقيادة موجة خلع الحجاب يجب أن تدفع المسؤولين إلى التعامل الجاد مع هذه الظواهر، لا الاكتفاء بإجراءات سطحية.
كما ربطت الصحيفة ما جرى في كيش بسلسلة مظاهر تراها جزءا من مخطط شامل، مثل بعض المحتويات في المنصات الترفيهية، وظهور مشاهير بلا حجاب، وانتشار صور نساء بلباس غير لائق في الإعلام، معتبرة أنها برنامج واحد يستهدف تغيير ثقافة المجتمع تدريجيا، وتساءلت الصحيفة عن سبب تقاعس المسؤولين رغم وضوح ارتباط هذه التحركات بالعدو، منتقدة من يقللون من حجم المشكلة ويعتبرونها مجرد شعر مكشوف، واعتبرت أن حماية المجتمع مما أسمته الغزو الثقافي مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل الأجهزة، من الأمن إلى الإعلام.
على نفس الخط، قدمت صحيفة آكاه قراءة شديدة النقد لحادثة ماراثون كيش، حيث رأت فيها أكثر من مجرد تجاوز في فعالية رياضية، فهي، في منظورها، مرآة لأزمة مركبة تشمل البنية الإدارية، والحوكمة في المناطق الحرة، والخيارات الاقتصادية والثقافية المتبعة هناك، فمنطلق الصحيفة الأساسي أن ماراثون كيش لم يكن حدثا عابرا، بل إشارة تحذيرية تكشف عن عمق الاختلال في إدارة منطقة تعد من أكثر مناطق إيران حساسية من حيث الموقع والاستراتيجية، فالسباق، الذي شهد مشاركة واسعة لنساء بلباس لا يراعي، حسب وصفها، قواعد الحجاب الشرعي، يقدم في النص بوصفه نتيجة مباشرة لسلسلة من القرارات غير المدروسة والتساهل المتكرر في تطبيق القوانين.

الصحيفة تشدد أيضا على أن الخطورة لا تكمن في مشاهد السباق فقط، بل في السياق الذي جرى فيه، منطقة حرة يفترض أن تكون واجهة التنمية السياحية، لكنها تتحول تدريجيا، برأيها، إلى ساحة انفلات ثقافي وابتذال تستغل فيها الفعاليات الرياضية كمنصة لعرض أنماط سلوكية غريبة عن هوية المجتمع، وتحمل الصحيفة المسؤولية الأولى للإدارة المحلية في كيش، التي تتهمها بالتقاعس عن تنفيذ التعليمات الخاصة بالحجاب رغم التصريحات الرسمية المسبقة التي شددت على ضرورة الالتزام بالضوابط.
لكنها لا تقف عند حدود النقد الأخلاقي، بل تمتد لتحليل الجذور الاقتصادية والسياسية للأزمة، فهي تعتبر أن المناطق الحرة في إيران فشلت في تحقيق أهدافها الأصلية المتعلقة بجذب الاستثمار والإنتاج والتصدير، وتحولت إلى ممر لاستيراد السلع الاستهلاكية ومركز لتهريب نسبة كبيرة من البضائع، هذه الهشاشة الاقتصادية دفعت الإدارات المحلية، وفق تحليل الصحيفة، إلى البحث عن مصادر دخل سهلة عبر التوسع في السياحة الاستهلاكية والترفيه المتساهل، ما يتطلب تقديم فضاء ثقافي منفتح بلا ضوابط لاستقطاب نوع معين من الزوار، وهكذا تصبح العربدة الثقافية، حسب وصفها، نتيجة مباشرة لسوء الإدارة الاقتصادية.
عنصر آخر محوري في رؤية اكاه هو نقد ازدواجية الحكم في المناطق الحرة، فالاستقلال القانوني الذي تتمتع به هذه المناطق، والمستند إلى المادة 65، يستخدم، من وجهة نظرها، كذريعة للتهرب من تطبيق قوانين العفة والحجاب، ولتخفيف قبضة الرقابة الشرعية والوطنية، ومن هنا تشدد على ضرورة تدخل الحكومة والبرلمان لإنهاء هذه الازدواجية وسد النقطة الثقافية العمياء التي نشأت بسببها.
وفي عرضها للحلول، تدعو اكاه إلى نهج مزدوج، فمن جهة، تشدد على ضرورة مواجهة قضائية وإدارية حاسمة تشمل محاسبة المسؤولين المقصرين، وعزل المديرين الذين تساهلوا أو تغافلوا، وعدم الاكتفاء بإجراءات شكلية أو ملفات تنتهي دون أثر رادع، ومن جهة أخرى، تنادي بإصلاحات هيكلية أعمق، تشمل إعادة تعريف وظيفة المناطق الحرة وإخراجها من دائرة الاقتصاد الريعي والاستهلاكي، وإعادة ربطها بمسار الإنتاج والتصدير، بما يوفر أساسا اقتصاديا أكثر صلابة يحمي القرارات الثقافية من الضغوط الربحية السطحية.
على أن صحيفة خراسان الأصولية رأت أن الجدل الدائر حول ماراثون كيش طغى بالكامل على الجوانب الإيجابية لهذا الحدث الرياضي، والذي وصفته بأنه من أبرز الفعاليات المنظمة في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية، واعتبرت الصحيفة أن التركيز الإعلامي انصب على مشاهد قليلة لعدد محدود من المشاركات اللواتي ظهرن بلباس غير لائق، فيما غابت عن المشهد الصورة الكاملة لحدث شارك فيه نحو 12 ألف متسابق، وأقيم وفق معايير عالمية وعلى مسار فريد الجمال.

وبحسب الصحيفة، فإن الجدل لم يكن ناتجا عن تضخيم إعلامي فقط، بل عن فرصة أهدرها المنظمون أنفسهم، إذ فشلوا في ضبط قواعد المشاركة، ما سمح بظهور تلك اللقطات التي استحوذت على اهتمام الرأي العام، وأشارت خراسان إلى أن الماراثون، كفعالية مسجلة عالميا، حقق مكاسب كبيرة لجزيرة كيش، من بينها تنشيط السياحة، إبراز جاذبيتها الطبيعية، وتشجيع الرياضة المجتمعية بين العائلات.
وتضيف أن استمرارية هذا الحدث يمكن أن تقلل من سفر الرياضيين الإيرانيين إلى فعاليات خارجية مثل ماراثون دبي، وبالتالي الحد من خروج العملة الصعبة، إلا أن الرواية المهيمنة، كما تقول خراسان، أصبحت تتمحور حول مشاهد محدودة، كان يمكن تفاديها لو التزم المتسابقون، والمنظمون، بمعايير أدق.
ورغم إقرار الصحيفة بأن المجتمع الإيراني وصل إلى توازن نسبي في مسألة اللباس خلال الفترة الأخيرة، فإنها تحذر من أن أحداثا غير مدروسة كتلك التي وقعت في ماراثون هذا العام قد تهز هذا التوازن وتفتح الباب أمام توترات ليست في صالح التوافق الوطني، وتخلص خراسان إلى أن ماراثون كيش يمثل فرصة وطنية مهمة، ولكن الحفاظ عليها يتطلب مسؤولية أكبر من المنظمين، كي لا يتحول حدث رياضي ناجح إلى ساحة جدل ثقافي واجتماعي.

