زيارات لاريجاني السرية إلى موسكو.. كيف تحول رجل الملف النووي إلى قناة الاتصال الأهم بين طهران والكرملين؟

لم تكن العلاقة بين إيران وروسيا خلال السنوات الأخيرة مجرد تقارب سياسي فرضته التحولات الإقليمية والدولية، بل تحولت تدريجيا إلى شراكة استراتيجية متعددة المستويات، لعبت فيها شخصيات إيرانية محددة أدوارا محورية في بناء الثقة مع موسكو وصياغة مسارات التنسيق بين البلدين. وفي مقدمة هذه الشخصيات برز علي لاريجاني، الذي تحول من مسؤول عن الملف النووي الإيراني إلى أحد أبرز مهندسي العلاقة الخاصة مع الكرملين، وصولا إلى قيامه بعدد من الزيارات السرية إلى روسيا، والتي بقي معظمها بعيدا عن الإعلام.

ومع الكشف التدريجي عن تفاصيل تلك الزيارات، عبر تصريحات السفير الإيراني في موسكو، بدأت تتضح صورة أوسع عن الدور الذي لعبه لاريجاني داخل المعادلة الروسية الإيرانية، وعن طبيعة العلاقة التي نسجها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي تجاوزت الطابع البروتوكولي التقليدي لتأخذ طابعا سياسيا واستراتيجيا بالغ الحساسية.

زيارات سرية ورسائل استراتيجية.. ماذا كشف جلالي عن علاقة لاريجاني بموسكو؟

شكلت تصريحات كاظم جلالي، السفير الإيراني في روسيا، الأربعاء 3 يونيو/ حزيران 2026، واحدة من أكثر الروايات تفصيلا بشأن طبيعة العلاقة التي ربطت علي لاريجاني بموسكو خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط لأنها كشفت للمرة الأولى عن وجود خمس رحلات سرية إلى روسيا، بل لأنها قدمت صورة واضحة عن حجم الدور الذي كان يؤديه الرجل داخل واحدة من أكثر القنوات حساسية في السياسة الخارجية الإيرانية.

Image

جلالي، الذي كان شاهدا مباشرا على تلك اللقاءات والتحركات، تحدث عن لاريجاني باعتباره شخصية حظيت بثقة استثنائية داخل الكرملين، وكشف أن معظم رحلاته إلى موسكو لم تكن معلنة إعلاميا، وقال إن لاريجاني قام خلال العام والنصف الأخيرين بسبع زيارات إلى روسيا، اثنتان منها فقط جرى الإعلان عنهما، بينما بقيت الرحلات الخمس الأخرى سرية بالكامل، سواء من الجانب الإيراني أو الروسي.

وبحسب السفير الإيراني، فإن اثنتين من هذه الرحلات سبقت تولي لاريجاني منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إذ سافر حينها بصفته ممثلا ومبعوثا خاصا للقيادة الإيرانية، فيما جاءت الرحلات الخمس الأخرى بعد توليه المنصب، ما يشير إلى أن الرجل أصبح خلال تلك المرحلة مسؤولا عن إدارة قناة اتصال مباشرة مع موسكو بشأن ملفات حساسة تتعلق بالأمن الإقليمي والملف النووي والعلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

ولعل أكثر ما لفت الانتباه في رواية جلالي كان حديثه عن طبيعة الاجتماعات التي جمعت لاريجاني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فقد أكد أن معظم تلك اللقاءات كانت تستمر ثلاث ساعات أو أكثر، وهو أمر وصفه بأنه غير معتاد حتى في اللقاءات الرسمية رفيعة المستوى. وأضاف أن هناك لقاءات كانت تعقد بصورة دورية، أحيانا مرة كل شهر، وأحيانا مرة كل شهرين، بما يعكس مستوى عال من التنسيق السياسي بين الطرفين.

وأشار جلالي إلى أن بوتين كان يولي اهتماما خاصا بالحوارات مع لاريجاني، حتى إنه لم يحدث، بحسب روايته، أن طلب مساعدو الرئيس الروسي إنهاء الاجتماعات أو اختصارها، رغم أن البروتوكول الروسي يعتمد عادة على إشارات من المساعدين لإنهاء اللقاءات الطويلة. وقال السفير الإيراني إن مساعد بوتين كان أحيانا يلمح إليه بضرورة إنهاء بعض الاجتماعات مع مسؤولين آخرين، لكنه لم يشهد ذلك مطلقا خلال لقاءات لاريجاني مع الرئيس الروسي.

Image

وفي هذا السياق، نقل جلالي عن بوتين قوله المتكرر للاريجاني “أنت محاور جيد جدا، وأنا أستمتع بالحديث معكم”، موضحا أن الرئيس الروسي كان يعتبره شخصية تمتلك قدرة عالية على النقاش والتحليل السياسي. كما كشف أن أحد مساعدي بوتين أبلغه في إحدى المرات بأن المفاوضات السابقة مع لاريجاني كانت ممتازة، في إشارة إلى تقدير المؤسسة الروسية لطريقة إدارته للحوارات السياسية.

وتوقف جلالي أيضا عند الرحلة الأخيرة التي قام بها لاريجاني إلى موسكو في يناير/ كانون الثاني 2026، والتي تحولت إلى قضية إعلامية واسعة بعدما رصد آلاف الأشخاص مسار الطائرة عبر تطبيقات تتبع الطيران، وقال إن عدد المتابعين لرحلة الطائرة ارتفع من ثلاثة أو أربعة آلاف شخص أثناء الإقلاع إلى نحو 34 ألفا عند هبوطها في موسكو، وهو ما اعتبره رقما استثنائيا يعكس حجم الاهتمام بتلك الزيارة.

وأوضح أن انتشار الشائعات حينها دفعه إلى اقتراح الإعلان عن الزيارة، بعدما بدأت بعض الجهات المعارضة تتحدث عن هروب القيادة الإيرانية إلى روسيا أو نقل الأموال إلى موسكو، وقال إنه أبلغ لاريجاني بأن إبقاء الرحلة سرية قد يفتح الباب أمام تأويلات سياسية خطيرة، ليوافق الأخير في النهاية على نشر خبر مقتضب عن اللقاء مع بوتين.

كما كشف السفير الإيراني جانبا إنسانيا في شخصية لاريجاني، حين تحدث عن أسلوبه خلال الاجتماعات مع الرئيس الروسي، فقد قال إن لاريجاني كان يعتذر لبوتين بسبب طول مدة اللقاءات ويقول له “نعتذر لأننا أخذنا من وقتكم”، لكن بوتين كان يرد عليه دائما بأنه يستمتع بالحوار معه ولا يرى في ذلك أي إزعاج.

Image

وفي سياق حديثه عن حجم التقدير الروسي للاريجاني، روى جلالي تفاصيل الساعات الأولى بعد إعلان مقتله، موضحا أنه اتصل بمساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف لإبلاغه بالمعلومات الأولية حول مقتله، ليعود الأخير بعد أقل من نصف ساعة ويبلغه بأن رسالة تعزية من بوتين أصبحت جاهزة. وقال جلالي إنه طلب حينها تأجيل نشر الرسالة حتى تؤكد وسائل الإعلام الإيرانية الخبر رسميا.

كما أشار إلى أن بوتين، وخلال مقابلة أجراها في التاسع من مايو/ آيار 2026 بشأن الملف النووي الإيراني، بادر من تلقاء نفسه إلى ذكر اسم لاريجاني، رغم أن موضوع الحوار لم يكن متعلقا به مباشرة. وأضاف أن الرئيس الروسي وصفه حينها بأنه مفاوض ممتاز ومستمع جيد ويمتلك ردود فعل دقيقة ومناسبة، في ما اعتبره جلالي دليلا إضافيا على المكانة الخاصة التي تمتع بها الرجل داخل دوائر القرار الروسية.

وتكشف مجمل تصريحات كاظم جلالي أن لاريجاني لم يكن مجرد مسؤول إيراني يزور موسكو بصورة دورية، بل كان يمثل قناة سياسية وأمنية خاصة بين طهران والكرملين، وشخصية لعبت دورا أساسيا في بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين خلال مرحلة شديدة الحساسية من التحولات الإقليمية والدولية.

لاريجاني والملف الروسي.. من الدبلوماسية البرلمانية إلى الشراكة الاستراتيجية

لم يبدأ حضور علي لاريجاني في الملف الروسي مع زياراته الأخيرة إلى موسكو، بل يعود إلى سنوات طويلة، حين كان رئيسا للبرلمان الإيراني، وقبل ذلك مسؤولا عن الملف النووي الإيراني بصفته أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي.

خلال تلك المرحلة، لعب لاريجاني دورا محوريا في إعادة تعريف العلاقة الإيرانية الروسية، خصوصا في ظل تصاعد التوتر بين طهران والغرب، فقد كان من أوائل المسؤولين الإيرانيين الذين نظروا إلى موسكو بوصفها شريكا استراتيجيا طويل الأمد، وليس مجرد حليف ظرفي تفرضه الأزمات.

هذا التوجه ظهر بوضوح في تصريحاته المتكررة خلال زياراته إلى روسيا، ومنها قوله إن الدور الذي لعبته موسكو خلال السنوات الأخيرة كان إيجابيا، وإن العلاقات بين البلدين يجب أن تتجاوز الإطار البرلماني نحو مجالات تعاون أوسع وأكثر تأثيرا.

Image

لكن التحول الأهم جاء لاحقا، حين أصبحت موسكو بالنسبة إلى طهران إحدى الركائز الأساسية في مواجهة الضغوط الغربية، سواء في الملف النووي أو في ملفات المنطقة، من سوريا إلى العقوبات الدولية. وهنا تحديدا برز دور لاريجاني باعتباره شخصية تجمع بين الخبرة الأمنية، والعلاقات السياسية، والقدرة على التفاوض الهادئ.

التقارير الإيرانية التي تحدثت عن زيارة لاريجاني الأخيرة إلى موسكو ربطت بشكل واضح بين تلك الزيارة وبين التطورات المرتبطة بالملف النووي الإيراني، خصوصا في ظل الحديث الأوروبي عن احتمال تفعيل آلية “الزناد” وإعادة العقوبات الدولية.

ووفقا لهذه التقارير، فإن لاريجاني حمل رسالة مباشرة من القيادة الإيرانية إلى الرئيس الروسي، تتعلق بترتيبات المرحلة المقبلة، وبكيفية مواجهة الضغوط الغربية، فضلا عن التنسيق حول التوازنات الإقليمية في غرب آسيا.

Image

وتشير القراءة السياسية لهذا التحرك إلى أن طهران باتت تعتمد على لاريجاني بوصفه رجل المهمات الحساسة، القادر على التواصل مع موسكو بلغة سياسية وأمنية يفهمها الكرملين جيدا. فالرجل يمتلك خبرة طويلة في التفاوض مع الغرب، ويعرف طبيعة الحسابات الروسية، كما أنه يحظى بثقة مؤسسات القرار الإيرانية.

كما أن تزامن زيارة لاريجاني مع لقاءات روسية سورية، وتحركات دبلوماسية مرتبطة بالملف الإقليمي، يعزز الانطباع بأن الرجل أصبح جزءا من شبكة التنسيق الكبرى التي تديرها موسكو وطهران في ملفات المنطقة. ومن هنا، لم تعد العلاقة الروسية الإيرانية مجرد تعاون سياسي عابر، بل تحولت إلى شراكة استراتيجية متشابكة، كان لاريجاني أحد أبرز مهندسيها خلال العقدين الأخيرين.

لماذا حظي لاريجاني بثقة موسكو؟

تكشف المواقف الروسية المتتالية بعد استهداف علي لاريجاني حجم المكانة التي كان يتمتع بها داخل دوائر القرار في موسكو، فالتعازي الرسمية التي صدرت عن الرئيس فلاديمير بوتين، ورئيس مجلس الدوما، وعدد من الشخصيات السياسية الروسية، لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت إشارات واضحة إلى الدور الذي لعبه الرجل في تطوير العلاقات بين البلدين.

رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، قال صراحة إن لاريجاني كان له “دور كبير في تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وإيران”، وهي عبارة تعكس أن موسكو كانت تنظر إليه كشريك حقيقي في صياغة العلاقة الثنائية.

Image

أما المسؤول الروسي السابق سيرجي بابورين، فقد ذهب أبعد من ذلك حين قال إن بوتين كان يثق بالعديد من تقييمات لاريجاني، وإن آراءه كانت تحظى باهتمام واسع داخل المؤسسات الروسية، ليس فقط لدى الرئيس الروسي، بل لدى كثير من كبار المسؤولين. هذه الشهادات الروسية تعكس صورة مختلفة للاريجاني، ليس فقط كسياسي إيراني، بل كرجل دولة استطاع بناء علاقة خاصة مع موسكو قائمة على الثقة المتبادلة والفهم العميق للتوازنات الدولية.

Image

ويبدو أن أحد أسباب هذه الثقة يعود، حسب تصريحات السفير الإيراني،  إلى شخصية لاريجاني نفسها؛ فهو لم يكن من السياسيين الذين يعتمدون الخطاب الحاد أو الشعارات الأيديولوجية، بل عرف بأسلوبه الهادئ وقدرته على إدارة الحوارات المعقدة، وهي صفات تحظى بتقدير كبير في المدرسة السياسية الروسية.

كما أن خلفيته الأمنية والسياسية الطويلة، من رئاسته لهيئة الإذاعة والتلفزيون إلى توليه أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي ورئاسة البرلمان، منحته قدرة على فهم الملفات الدولية بطريقة مركبة، وهو ما جعله شريكا موثوقا بالنسبة إلى موسكو.

وفي الوقت الذي كانت فيه العلاقات الإيرانية الغربية تمر بأزمات متلاحقة، بدا لاريجاني بالنسبة إلى الروس شخصية قادرة على الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، وعلى تقديم مقاربات سياسية بعيدة عن الانفعال. لهذا، لم يكن مستغربا أن تتحول زياراته إلى موسكو إلى جزء من الدبلوماسية السرية بين البلدين، ولا أن يصفه بعض المسؤولين الروس بعد مقتله بأنه كان قادرا على الدفاع عن مصالح إيران في الساحة الدولية.