فاتورة الحرب على مائدة الإيرانيين: تضخم السلع يقفز بـ 19%.. والبرلمان يضغط لحسم الملفات المعلقة

كتب: الترجمان

شهدت الساحة الاقتصادية والسياسية في الآونة الأخيرة تحولات وتطورات متسارعة أثارت اهتمام الشارع والمحللين على حد سواء. فقد فرضت التقلبات السعرية الناجمة عن التوترات الإقليمية والدولية ضغوطا متزايدة من جهة، في حين أدت التحديات الهيكلية في منظومة توزيع الدعم التمويني وصرف حقوق المتقاعدين إلى تعميق المخاوف المعيشية من جهة أخرى. 

الوعود غير المنفذة للدعم التمويني وضرورة حماية الأمن الغذائي للمجتمع

لطالما اعتبرت حماية القدرة الشرائية للفئات ذوي الدخل المحدود وتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية في مقدمة الأولويات المعلنة من قبل صناع السياسات الاقتصادية. ورغم ذلك، تُظهر المؤشرات الميدانية وجود فجوات حقيقية وتأجيلات متكررة في تنفيذ هذه السياسات الحمائية. 

وفي هذا السياق، كان من المفترض زيادة المبالغ المخصصة للبطاقة التموينية الإلكترونية اعتبارا من شهر مايو/أيار 2026 تماشيا مع موجة ارتفاع الأسعار، لضمان استمرار فعاليتها في تخفيف وطأة التضخم عن كاهل الأسر، إلا أن بقاء قيمتها دون تغيير وسط القفزات السعرية المتتالية أثار تساؤلات جدية حول جدواها الراهنة.

وقد عبرت اللجنة الاجتماعية في البرلمان عن انتقادات حادة للتأخر الحكومي في تعديل هذه المبالغ، مشيرة إلى أنه على الرغم من الوعود المسبقة بزيادة القيمة الحمائية للحفاظ على القدرة الشرائية، إلا أن المتحدثة باسم الحكومة أعلنت عدم تطبيق هذه الزيادة.

يرى نواب البرلمان أن صمود المواطنين وتحملهم للأعباء الاقتصادية الصعبة يفرض على السلطة الحاكمة مسؤولية مضاعفة لصون المائدة اليومية وحماية الأمن الغذائي لئلا تقع الفئات الهشة في شرك سوء التغذية. علاوة على ذلك، فإن تعزيز الدعم المالي للبطاقة التموينية ليس مجرد إجراء رفاهي مؤقت، بل هو آلية تضمن توجيه السيولة النقدية مباشرة نحو السلع المنتجة محلياً، مما يساهم في دعم وحماية الإنتاج الوطني.

Image

تحركات برلمانية لتعديل الوضع الوظيفي لـ قدامى المحاربين والمصابين

دخل ملف التوظيف والاستقرار المهني لشرائح قدامى المحاربين والمصابين وأبنائهم مرحلة جديدة من المتابعة القانونية والتشريعية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن هناك أكثر من 700 ألف شخص تم رفع بياناتهم وتوثيق مؤهلاتهم في الأنظمة الإدارية بهدف تحويل وتعديل وضعهم الوظيفي، وتضم هذه القائمة نسبة كبيرة من عائلات المضحين. ومع انتهاء العمل بالقانون السابق الذي كان ينظم توظيف أبناء هذه الفئة خلال العامين الماضيين، ظهر فراغ قانوني أدى إلى تجميد قرارات التوظيف والتثبيت للعديد من العاملين المستحقين في دوائر الدولة.

ولتجاوز هذا التعثر، بدأت مشاورات مكثفة بين البرلمان والجهات التنفيذية المعنية، حيث عقدت اللجنة الاجتماعية لقاءات لبحث سبل تسريع الحلول. وينصب التركيز البرلماني حاليا على دفع الحكومة لإرسال “مشروع القانون الشامل لخدمة الفئات المذكورة” بصفة عاجلة إلى البرلمان. 

ويهدف هذا المشروع إلى صياغة إطار قانوني مستدام لتسوية الأوضاع الوظيفية لشريحة واسعة من المصابين، والأسرى المحررين، وعوائل الشهداء، بالإضافة إلى المحاربين القدامى. وقد أعلنت اللجان البرلمانية المختصة استعدادها الكامل لمناقشة المشروع وإقراره بصفة الاستعجال فور وصوله من الحكومة لإنهاء حالة عدم الاستقرار الإداري التي يعانون منها.

Image

رصد إحصائي لتأثير تضخم الحرب على السلع والقدرة الشرائية

شكلت مسألة قياس الأثر الناجم عن التوترات العسكرية الأخيرة على أسعار السلع الغذائية الأساسية محورا للنقاش الاقتصادي في البلاد. وكان وزير الزراعة قد أعلن سابقا، استنادا لتقارير وزارة الاقتصاد، أن أسعار السلع المدرجة ضمن الدعم التمويني شهدت ارتفاعاً بنسبة تقارب 17% بين فترتي ما قبل الحرب وما بعدها.

وتأتي البيانات الصادرة عن مركز الإحصاء لتؤكد دقة هذه التقديرات، مظهرة كيف انتقلت الضغوط التضخمية الناتجة عن عدم الاستقرار الأمني إلى قطاع الأغذية بشكل مباشر ومتسارع.

وعند النظر في التفاصيل الإحصائية لشهري أبريل/نيسان ومايو أيار، تظهر عمق الفجوة السعرية؛ إذ سجلت مجموعة “الحليب والجبن والبيض” تضخما شهريا بنسبة 5.1% في الشهر الأول، تلاها قفزة حادة بنسبة 14.8% في الشهر الثاني، ليصل التضخم التراكمي التقريبي للمجموعتين إلى 19.9%. 

وفي قطاع “اللحوم الحمراء والبيضاء”، ارتفعت الأسعار بنسبة 6.5% ثم 10% على التوالي، مسجلة زيادة إجمالية بنسبة 16.5%. أما مجموعة “الزيوت والدهون”، فقد شهدت الارتفاع الأعلى بنسبة تضخم بلغت 21% خلال الشهرين. وعند حساب المتوسط البسيط لارتفاع أسعار هذه المجموعات الثلاث التي تمثل عصب السلة التموينية، نجد أنه يبلغ حوالي 19.1%، وهو ما يثبت تماشي الأرقام الرسمية مع تقديرات الحكومة حول تأثر مائدة المواطن، في الوقت الذي سجلت فيه قطاعات غير غذائية مثل “شراء المركبات” تضخما شهريا قياسيا بلغ 27.9% خلال شهر مايو/أيار.

Image

مواعيد وآليات شحن المرحلة الحادية عشرة من البطاقة التموينية الإلكترونية

في محاولة للحد من الآثار التضخمية السالفة الذكر وتخفيف الضغوط الاقتصادية المباشرة عن الأسر، أعلنت وزارة العمل عن بدء تنفيذ المرحلة الحادية عشرة من برنامج الدعم التمويني الإلكتروني. ووفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن إدارة الشؤون الاقتصادية بالوزارة، فإن عملية شحن الحسابات المالية للمستحقين ستنطلق اعتبارا من يوم الجمعة 5 يونيو/حزيران، وتأتي هذه الخطوة كجزء من السياسة الحكومية المستمرة لضمان حد أدنى من استقرار القدرة الشرائية للمواطنين في مواجهة تقلبات الأسواق الحالية.

وأوضح نائب وزير العمل، يعقوب أندايش، أن عملية الشحن ستتم عبر نظام مرحلي يعتمد على الأرقام الأخيرة للرقم الوطني لرب الأسرة؛ حيث تشمل المرحلة الأولى التي تبدأ الجمعة 5 يونيو/حزيران أرباب الأسر التي تنتهي أرقامهم الوطنية بالمتغيرات 0 و1 و2، بالإضافة إلى الأسر المشمولة برعاية المؤسسات الاجتماعية والقوات المسلحة. 

وفي المرحلة الثانية التي تنطلق في 10 يونيو/حزيران ، سيتم تفعيل الدعم للأرقام المنتهية من 3 إلى 6، على أن تختتم العملية في 15 يونيو/حزيران لتشمل الأرقام المنتهية بـ 7 و8 و9. ولكي تتاح الفرصة الكافية للمواطنين لشراء احتياجاتهم دون تدافع، أكدت الوزارة أن صلاحية استخدام هذا الرصيد التمويني ستمتد حتى نهاية شهر يوليو/تموز 2026.

Image

رؤية التحديث الهيكلي ومعالجة أزمات السكن وتأمين القطاع الصحي

بعيدا عن الأزمات المعيشية اليومية والآنية، تفرض الرؤية الكلية المنبثقة عن التوجيهات القيادية ضرورة الانتقال نحو مرحلة جديدة من الإدارة تعتمد على مراجعة وتحديث آليات العمل الاستراتيجية للحكومة. إن مفهوم “التحديث اللائق للبلاد” يتطلب الاستفادة من الخبرات المتراكمة عبر العقود الأربعة الماضية لبناء مسار إداري جديد يتجاوز الخلافات الهامشية التي لا تعود بالنفع على المجتمع وتعيق مسيرة التنمية الشاملة. ويجب أن ينعكس هذا التحديث الهيكلي بشكل ملموس في قطاعين حيويين يمثلان الهاجس الأكبر للمواطنين؛ وهما قطاع الصحة وقطاع الإسكان.

ففي المجال الصحي والطبّي، وعلى الرغم من النجاحات العلمية الكبيرة التي وضعت البلاد في المرتبة الأولى إقليميا في المعرفة الطبية، إلا أن هناك فجوة وسوء إدارة واضحين في آليات تأمين التمويل اللازم لعلاج المرضى؛ وهو ما يفسر حدوث مشاحنات يومية بين مرافقي المرضى والكوادر الطبية في المستشفيات نتيجة نقص الإمكانيات وضغوط التكاليف المالية. 

ومن جهة أخرى، يمر سوق الإسكان بأزمة حادة جعلت من امتلاك أو استئجار مسكن ملائم أمرا يقترب من الرؤية البعيدة أو الحلم الصعب للشباب والأسر، في بلد يتمتع بمساحات شاسعة وأراض شاسعة قابلة للاستصلاح السكني. بناء على ذلك، تقع على عاتق السلطات مسؤولية تصحيح هذا المسار الخاطئ وتجفيف منابع المضاربة والوساطة في سوق العقارات لإعادة السكن إلى مساره الطبيعي كحق أساسي ومتاح للجميع.

كلمات مفتاحية: