زيارة مستشار الأمن القومي العراقي إلى طهران: العراق يعيد تثبيت شراكته الأمنية مع إيران وسط عواصف الإقليم

كتبت: يسرا شمندي 

في خضم تعزيز العلاقات الإقليمية، ركّزت طهران وبغداد على تعزيز الشراكة الاستراتيجية والأمن الحدودي، وناقش المسؤولون الملفات الاقتصادية والسياسية والدفاعية، مؤكّدين التزام العراق بالاتفاقيات الأمنية مع إيران، ووضعت طهران شروطها للتعاون النووي الدولي، بينما شدّدت على تطوير قدراتها الدفاعية وتعميق العلاقات مع شركائها الاستراتيجيين، كما هدفت المبادرات المشتركة إلى تعزيز التجارة والاستقرار الإقليمي، مع ربط تنفيذها بالإصلاحات الداخلية وتوازن القوى في المنطقة.

المباحثات الثنائية والالتزام الأمني
عقد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، الإثنين 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مؤتمرا صحفيا مشتركا في طهران خلال لقائه مع أمين مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني علي لاريجاني، تناول فيه أبرز نتائج المحادثات بين الجانبين، التي ركزت على تعزيز التعاون الثنائي، وضمان أمن الحدود، والتأكيد على التزام العراق الكامل بالاتفاق الأمني مع إيران.

وقال الأعرجي إن زيارته تأتي استكمالا لزيارة لاريجاني السابقة إلى بغداد، مؤكدا أن العلاقات بين البلدين متميزة ويجب معالجة أي خلافات عبر الحوار الدبلوماسي.

وأكد الأعرجي أن زيارته تهدف إلى تعزيز العلاقات الاستراتيجية والمتميزة بين البلدين عبر الحوار، وأوضح أن الجانبين بحثا قضايا الحدود والأمن، مشددا على التزام بغداد الكامل بالاتفاق الأمني مع طهران، ورفضها لأي تهديد يصدر من أراضي أو أجواء أحد البلدين ضد الآخر.

ونوَّه بأن العراق قدم شكوى لمجلس الأمن ضد النظام الإسرائيلي بعد الهجوم من أجوائه على إيران، مؤكدا أن بغداد لن تسمح باستخدام أجوائها لأي اعتداء، كما شدد على ضرورة الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة وإنهاء العدوان الإسرائيلي، وفي ما يتعلق بالعقوبات، أبرز أن العراق عانى منها كثيرا، لذا يرفض فرضها على أي دولة، داعيا إلى حل الخلافات بالطرق الدبلوماسية، ومؤكدا أن الملف النووي الإيراني يجب أن يُعالج بالحوار لا بالقوة.

وقال إن العراق ملتزم تماما بالاتفاق الأمني مع إيران، مؤكّدا أن العراق لن يسمح باستخدام أجوائه لمهاجمة إيران. 

وبيَّن عمق العلاقات بين إيران والعراق، التي تتجلى في الزيارة الأربعينية والتعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين، وأفاد بأن المباحثات تناولت أمن الحدود ومنع استخدام أراضي أي من الجانبين لتهديد الآخر، مشيرا إلى التزام بغداد الكامل بالاتفاق الأمني مع طهران، ومشاركة حكومة إقليم كردستان في هذا الالتزام. 

كما أقرّ بأن أمن العراق جزء من أمن إيران، داعيا إلى التعاون الإقليمي لتجنب التصعيد، وتطرق إلى الموقف الفلسطيني، مؤكدا دعم العراق لوقف إطلاق النار في غزة ورفضه للمجازر والعقوبات ضد الدول، ودعمه لحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وأعلن تخصيص 11 مليون دولار لتنفيذ الاتفاق الأمني وتطهير 77 نقطة حدودية، بإشراف لجنة مشتركة لضمان التنفيذ الكامل.

تعميق الشراكة الاستراتيجية وأمن الحدود

وجاء في الخبر أن القائد العام للحرس الثوري الإسلامي، اللواء سليمان باکبور، التقى بالأعرجي، وأكد أن الصواريخ الإيرانية أصابت أهدافها، وأن أي عدوان سيقابل برد أشد من الحرب التي استمرت 12 يوما. 

وصرّح الخبير السياسي رضا صدر الحسيني معلقا على الزيارة بأن زيارة الوفد العراقي إلى طهران تأتي في سياق تنفيذ الوثائق العليا التي تؤكد على ضرورة تعميق العلاقات مع دول الجوار، مشيرا إلى أن تعزيز التعاون بين إيران والعراق في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والبرلمانية يسهم في تحقيق الأمن القومي للبلدين ومعالجة القضايا الإقليمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية. 

وأوضح أن الزيارة تأتي في ظرف إقليمي حساس، وأن التقارب بين البلدين المؤثرين في غرب آسيا يمكن أن يفضي إلى مواقف موحدة تدعم الاستقرار في المنطقة، وأضاف أن ملف الحشد الشعبي يُعد شأنا داخليا عراقيا، محذرا من أن نزع سلاحه قد يزعزع الأمن، ومشيرا إلى أن وضعه قانوني ولا يجوز لأي طرف خارجي التدخل فيه.

 وأكّد أن المباحثات ستتناول تنفيذ الاتفاقيات الأمنية السابقة، خصوصا المتعلقة بمكافحة الجماعات الإرهابية والانفصالية في المناطق الكردية، مع بحث سبل تطوير التعاون الأمني مستقبلا.

وفي خضم التطورات الإقليمية المتسارعة، ركز اللقاء على تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث أكد لاريجاني أن استمراره مرتبط بالاستقرار الأمني، ووفقا لرئيس الغرفة التجارية المشتركة بين إيران والعراق يحيى آل إسحاق، تستهدف طهران رفع صادراتها إلى العراق عام 2025 إلى ما بين 12 و20 مليار دولار، بعد أن بلغت 3.75 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025.

المواقف الإقليمية والدولية لإيران

وأورد لاريجاني أن الولايات المتحدة وإسرائيل استغلّتا الأجواء العراقية خلال الحرب الأخيرة ضد إيران، معتبرا ذلك مثالا على سلوك واشنطن تجاه الدول المستقلة، وصرَّح بأن زياراته الإقليمية، ومنها إلى موسكو، تهدف إلى إيجاد حلول للأزمات وتعزيز العلاقات مع روسيا والصين، خصوصا في المجال الاقتصادي. 

وانتقد الدول الأوروبية لاستغلالها آلية الزناد خلال فترة رئاسة موسكو لمجلس الأمن، مؤكدا أن إيران ماضية في تعزيز قدراتها الدفاعية وحفاظها على التماسك الوطني.

وفيما يتعلق بمشاركة رئيس الوزراء العراقي في قمة شرم الشيخ، أوضح الأعرجي أن حضور العراق جاء دعما لجهود وقف إطلاق النار في غزة، مؤكدا رفض بغداد لسياسة العقوبات ودعوتها إلى الحوار والدبلوماسية لحل الخلافات، بما فيها الملف النووي الإيراني.

وأشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال لقائه مع الأعرجي، إلى العلاقات الممتازة بين طهران وبغداد في جميع المجالات، مؤكدا ضرورة استمرار المشاورات المنتظمة بين مسؤولي البلدين وتعزيز التعاون في المجالات الأمنية، ولا سيما أمن الحدود.

إيران تضع شروطها للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية

أما عن الملف النووي، فقد أكد لاريجاني أن طهران مستعدة للنظر في أي مقترح للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، شريطة أن يُقدَّم رسميا ليُدرس ضمن اللجنة المختصة في مجلس الأمن القومي، ولفت إلى أن عراقجي أوضح بعد اتفاق القاهرة أن تفعيل هذه الآلية سيُبطل الاتفاق، وهذا ما حدث بالفعل، مضيفا أن على الوكالة تقديم أي مقترح رسمي للتعاون ليُبحث داخل اللجنة المعنية في مجلس الأمن القومي.

قال لاريجاني إن تصريحات رافائيل غروسي حول القدرات النووية الإيرانية لم تعد مؤثرة، مشددا على أن مستقبل إيران يعتمد على التماسك الوطني وتعزيز القدرات الدفاعية، وأشار إلى أن علاقات إيران مع روسيا والصين ذات طابع استراتيجي، وتتركز أساسا على التعاون الاقتصادي والقضايا الإقليمية، لافتا إلى أن طهران وموسكو تتقاسمان مصالح مشتركة في المنطقة والعالم.

كما انتقد لاريجاني الأوروبيين لاستغلالهم تفعيل آلية الزناد قبل رئاسة روسيا لمجلس الأمن، مؤكدا أن انتهاء مفعول القرار 2231 يتيح للدول التعاون العسكري والاقتصادي مع إيران، وهو ما تؤيده موسكو وبكين وتعارضه الدول الأوروبية.

جدير بالذكر أن هذه المواقف تعكس إصرار طهران على الجمع بين الردع والدبلوماسية لحماية مصالحها الإقليمية، وبينما تتكثف التحركات الإيرانية، يبقى مستقبل الاستقرار رهين توازن القوى وشكل التفاهمات المقبلة.