- زاد إيران - المحرر
- 669 Views
أجرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحافظة، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الإثنين 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حوارا مع نعمت الله إيزدي، السفير الإيراني الأسبق في روسيا حول خلفيات الموقف الروسي من تصريحات السياسي البارز محمد جواد ظريف الأخيرة وأسباب محاولات موسكو إثارة الانقسام داخل الساحة السياسية الإيرانية، وفيما يلي نص الحوار:
هل أدلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتصريحاته الأخيرة عن قصد؟ رغم إدراكه أنها قد تزيد الانقسام الداخلي في إيران حول التفاوض، وما الهدف الذي تسعى إليه روسيا من وراء ذلك؟
على مدى القرون الثلاثة الماضية، سعت روسيا باستمرار إلى ترسيخ نفوذها في إيران وتوجيه الأحداث لخدمة مصالحها، بدءا من العهد القاجاري، مرورا بفترة الشاه، وصولا إلى اليوم، واتبعت موسكو دوما نهجا يقوم على إثارة الانقسامات، واستغلال التوترات بين إيران والغرب لتحقيق مكاسبها الخاصة.
لذلك، ينبغي على إيران أن تدرك نوايا الروس بوضوح، وأن تردّ على مواقفهم وتصريحاتهم كما تفعل مع الأوروبيين، حتى لا يُسمح لروسيا بالتدخل في الشؤون الإيرانية دون رد حازم.
والجدير بالذكر أن الاتفاق النووي يُعد وثيقة وطنية أقرّتها أعلى الجهات في إيران، وأصبحت قانونا داخليا، ولا يحق لأي طرف، داخليا أو خارجيا، التشكيك في شرعيتها، وانتقاد روسيا لهذا الاتفاق يُعد تدخلا مرفوضا يشبه الطعن في القوانين الوطنية لدولة أخرى، والحفاظ على هذه الوثيقة مسؤولية الدولة بأكملها، وكان من الضروري أن ترد طهران على الموقف الروسي بوضوح حتى لا يتكرر.
وعلى الرغم من أهمية استمرار العلاقات الإيجابية مع موسكو، فإن هذه العلاقات ينبغي أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل، وعدم السماح بأي تدخل في الشؤون الداخلية لإيران، فبينما تتفاوض روسيا مع الغرب بما يحقق مصالحها الوطنية، تطلب من طهران تجنّب النهج ذاته، وهو تناقض واضح يستلزم من إيران التعامل معه بوعي وحزم، مع التمسك باستقلال قرارها السياسي.
ظريف تحدث مرارا عن الدور المخرّب لروسيا خلال مفاوضات الاتفاق النووي، فما سبب احتمال قيام موسكو بالتخريب في عملية من شأنها أن تؤدي إلى رفع العقوبات وتخفيف الضغوط عن إيران؟
يرى الروس أن إيران لا تلجأ إليهم إلا عند تعرضها للضغط الخارجي، وأن تقاربها مع الغرب يعني استغناءها عن موسكو، وهو ما يعتبرونه خسارة استراتيجية، لذلك يسعون لعرقلة أي انفتاح إيراني على أوروبا أو أمريكا، وعلى طهران أن تُبدد هذا التصور الخاطئ، فروسيا جار مهم تملك إمكانيات يمكن التعاون معها ضمن علاقة متوازنة، لكنها ليست بديلا عن الغرب، ولا ينبغي لإيران أن تعتمد عليها وحدها.
وفي المقابل، يجب أن تدرك موسكو حدود دورها الواقعي في السياسة الإيرانية، وأن تكف عن محاولاتها الخفية لتعزيز نفوذها عبر استغلال التوتر بين إيران والغرب.
إيران في الوقت الراهن تعتمد على روسيا أكثر من أي وقت مضى.. برأيك، هل هذا الوضع مناسب لسياسة إيران الخارجية؟
بالتأكيد لا، كما أشرتُ قبل قليل، روسيا تميل إلى استمرار هذا النهج، وكلما شعرت بأن مكانتها أو حضورها أو نفوذها داخل إيران يتراجع، تبدأ بإثارة المتاعب وافتعال العراقيل، وتقوم بكل ما يمكنها لمنع ذلك.
وعلينا أن نضع مصالحنا الوطنية في المقام الأول، وأن نعمل في اتجاهين أساسيين، أولا، إيجاد التوازن في السياسة الخارجية، أي أن نعمل قدر الإمكان على تنويع علاقاتنا مع العالم، حتى نزيل ما يُسمّى بالاحتكار أو الهيمنة التي تترسخ في ذهن الروس، ثانيا، طمأنة روسيا إلى أن علاقاتنا مع الجوار باقية في مكانها، وسنستفيد منها ضمن إطار طبيعي ومتوازن.
إن تطبيع علاقاتنا مع الغرب أو الولايات المتحدة لا يعني مطلقا التخلي عن روسيا، فذلك لا يخدم مصالحنا إطلاقا، وعلينا أن نظهر أننا دولة تمتلك قدرات واسعة ومتنوعة، وتتمتع بعلاقات متوازنة مع أطراف متعددة قادرة على تلبية احتياجاتها، وإذا انتهجنا هذا الأسلوب في تعاملنا مع موسكو، دون السماح لها بفرض قراراتها علينا، فسنتمكن من معالجة كثير من الإشكالات القائمة في العلاقة معها.
بعض المحللين يعتقدون أن روسيا تستفيد من بقاء إيران تحت العقوبات.. برأيك، هل هذا التحليل صحيح؟
لا يمكن الجزم بأن روسيا سعت منذ البداية لتحقيق أهداف محددة في الاتفاق النووي، لكن المؤكد أنها تمتلك خبرة طويلة في الشأن الإيراني تمتد لقرون، ما يمنحها قدرة على استشراف التطورات مثل آلية الزناد، أما أوروبا، فتمسّكت بالاتفاق للحفاظ عليه حيّا لا خشية من العقوبات فحسب، وكان أمام إيران عقد كامل لبناء ثقة متبادلة معها.
ولكن تطورات السنوات الأخيرة، خصوصا الخلافات الأوروبية مع واشنطن ثم حرب أوكرانيا، جعلت أوروبا منشغلة بمواجهة روسيا ومنع تمددها، ما أثر بدوره على موقعها ودورها في الملف النووي.
وحتى لو كانت روسيا وأوروبا قد توقعتا ما يحدث اليوم، فإن الخطأ كان في أن إيران لم تفعل الشيء نفسه رغم معرفتها بظروف الاتفاق النووي، وكان عليها أن تتصرف بذكاء واستباقية، فحين تحدث لافروف عن الطائرات المسيّرة الإيرانية في حرب أوكرانيا، كان يجب أن يكون الرد الإيراني محسوبا ليعكس رؤية استراتيجية واضحة، فالتقصير كان مشتركا بين طهران وأوروبا، بينما تتحمل واشنطن المسؤولية الأساسية بانسحابها من الاتفاق.
ونتيجة لذلك، استغلت روسيا الوضع لتحقيق مكاسبها، كما فعلت سابقا في حروب المنطقة من إيران والعراق إلى سوريا، وهذه التجارب تظهر أن غياب النظرة الشاملة في السياسة الخارجية أدى إلى خسائر لإيران، وأن المطلوب اليوم هو رؤية أكثر اتزانا وعمقا في التعامل مع القوى الكبرى.
في ظل هذه التصريحات، ومع توجيه روسيا والصين رسالة دعم لإيران في مجلس الأمن.. هل سيكون لهذه الخطوة تأثير حقيقي على تفعيل آلية الزناد؟
برأيي، ما تفعله روسيا ليس دفاعا عن إيران، بل محاولة للهروب إلى الأمام، فهي شريكة في كل قرارات العقوبات السابقة، وصوّتت لصالح القرار 2231 الذي أرسى آلية الزناد، وبالتالي تتحمل مسؤولية تاريخية لا يمكن إنكارها، كما أن تقديمها في الوقت الراهن رسالة مشتركة مع الصين إلى مجلس الأمن رغم علمها باستحالة قبولها قانونيا، هو مجرد استعراض سياسي هدفه التنصل من الماضي.
وكان بوسع موسكو أن تستخدم الفيتو لمنع تلك القرارات، لكنها لم تفعل، لذلك، ما يصدر الآن من بيانات ليس سوى محاولة لإظهار دعم شكلي لإيران، بينما الواقع أن آلية العقوبات ستُفعّل في النهاية، والروس يتحملون قسطا واضحا من المسؤولية عن ذلك.
في ظل خلافات ظريف ولافروف وتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إسرائيل.. هل يمكن اعتبار زيارات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى روسيا وساطة من بوتين بين إيران وأمريكا وإسرائيل؟
إن تصريح بوتين بشأن إسرائيل وإيران يستدعي اهتماما جديا وحوارا مباشرا مع موسكو لتوضيح المواقف ومنع أي سوء فهم، لذا من الطبيعي إجراء اتصالات أو إرسال مبعوثين مثل لاريجاني لهذا الغرض، ولكن يجب أن ندرك أن روسيا، بحكم مصالحها المتشابكة، لا يمكن أن تكون وسيطا نزيها، لأن أي تحرك إقليمي يؤثر على مصالحها المباشرة.
على عكس سلطنة عمان التي تتوسط بدافع استقرار المنطقة دون أهداف ذاتية، وتسعى موسكو دائما إلى تحقيق مكاسب قومية خاصة، ما يتطلب من طهران التعامل معها بحذر ووعي بطبيعة دوافعها الحقيقية.
وإذا اضطرت إيران للاستعانة بروسيا، فيجب أن تفعل ذلك بوعي وحذر، مع تقييم مدى توافق المواقف الروسية مع مصالحها الحقيقية، فالتجربة التاريخية تظهر أن موسكو لا تقدم على أي خطوة إلا لخدمة مصالحها الخاصة، كما حدث خلال حرب إيران والعراق حين حافظ السوفييت على علاقات متوازنة مع الطرفين لتحقيق مكاسبهم الاقتصادية والعسكرية.
لذلك، لا ينبغي منح روسيا دور الوسيط في النزاعات التي تمس مصالحها المباشرة، وإن حدث ذلك لاضطرار، فيجب أن يكون التعامل معها بحساب دقيق وإدراك كامل لطبيعة سلوكها ومصالحها.
في نهاية المطاف، ما الاستراتيجية الفعّالة لسياسة إيران الخارجية تجاه روسيا، في ظل الوضع الراهن المعلّق الذي نعيشه، حيث لا نحن في حالة حرب ولا في حالة سلم؟
يجب أن نُظهر لروسيا من خلال الأفعال لا الأقوال أننا لا نحصر أنفسنا في إقامة علاقات متقدمة معهم فقط، بينما نبقى متأخرين مع الآخرين، فنحن نستخدم طاقات إيران في كل مجال تقتضي فيه مصالحنا ذلك، بما في ذلك مع روسيا، أي أننا لا نتجاهلهم، لكن في الوقت نفسه لا نراهم شركاء حصريين لنا.
وعلينا أن نُثبت عمليا للروس أننا لسنا محاصرين أو محدودين في خياراتنا، كيف نفعل ذلك؟ عبر تنويع علاقاتنا الخارجية وتطويرها بطرق مختلفة، ومنعها من أن تكون أحادية الاتجاه.
والنقطة الثانية هي أن نؤكد للروس أننا نقيم علاقات معهم ومع الآخرين في الوقت نفسه، ولن نسعى أبدا إلى الإضرار بعلاقاتهم مع أي طرف، ونحن بلد جار لهم، ونرغب في تطوير علاقاتنا معهم في حدود المصالح المتبادلة، وهذا يعتمد على مدى التزامهم بعهودهم وعلى جودة وقدرة عروضهم أن تكون تنافسية، لا أن نُضطر لقبول كل ما يقدمونه لأننا بلا بدائل.
وإذا أوصلنا هذا الفهم إليهم، سواء في حالة لا حرب ولا سلم الحالية أو في فترات الاستقرار، فقد لا يجدون بُدا من التعامل معنا على هذا الأساس، كما حدث مع دول عديدة أخرى.
فمثلا العلاقات بين اليابان وروسيا، رغم أنهما لم توقّعا حتى الآن معاهدة سلام بعد الحرب العالمية الثانية وما زالتا تختلفان حول جزر الكوريل، فإن علاقاتهما تطوّرت إلى درجة أنه قبل بضع سنوات — بحسب المعلومات التي لدي — كان هناك نحو 100 دبلوماسي روسي في السفارة الروسية في طوكيو، وأكثر من 50 منهم يتحدثون اليابانية بطلاقة.
فهل علاقات اليابان بالولايات المتحدة والغرب أكثر تطورا من علاقاتنا؟ نعم، ومع ذلك، روسيا تتعامل مع اليابان وتقبل بأنها دولة تربطها علاقات متقدمة بالغرب وإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تستفيد بشكل مشروع من قدرات اليابان بما يخدم مصالحها، وإذا اتخذنا مثل هذه الدول نموذجا، يمكننا أن نستفيد من علاقاتنا الخارجية بشكل أفضل، وأن نتجنب الوقوع في الثنائيات التي تحاول روسيا فرضها علينا.

