- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 58 Views
كتب: الترجمان
في قلب العاصمة طهران، كما في أزقة القرى النائية، يظل الحديث عن “سفرة الناس” هو الشاغل الأكبر والهاجس اليومي للمواطن الإيراني. ومع تزايد الضغوط التضخمية التي لم تترك قطاعا إلا وأصابته، برزت منظومة البطاقة التموينية الإلكترونية كخط دفاع أخير لحماية الأمن الغذائي للملايين.
اليوم، وفي ظل تحولات اقتصادية وسياسية متسارعة، تخوض الحكومة والبرلمان سباقا مع الزمن لتقديم صيغة جديدة لهذا الدعم السلعي، وسط وعود برفع المبالغ المخصصة إلى الضعف، وهي الخطوة التي يراها البعض “طوق نجاة” بينما يراها آخرون “تحديا جسيما” لموازنة الدولة المثقلة بالأعباء.
المشهد الراهن: لماذا الآن؟
لم يكن مقترح زيادة رقم البطاقة التموينية الإلكترونية وليد الصدفة، بل جاء استجابة لسلسلة من الهزات الاقتصادية التي ضربت الأسواق الإيرانية في الأشهر الأخيرة. فمنذ شهور، بدأت التقارير الرسمية تشير إلى “انكماش قسري” في الاستهلاك الغذائي للأسر، خاصة في الطبقات الاجتماعية الدنيا.
ووفقا لتصريحات علي بابائي كارنامي، رئيس اللجنة الاجتماعية في البرلمان، فإن الأحداث التي شهدتها المنطقة، وما وصفه بتداعيات “أجواء الحرب” والتوترات الإقليمية، ألقت بظلال ثقيلة على استقرار الأسعار، مما دفع وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي لتقديم مقترح عاجل لترميم القدرة الشرائية.
إن الفلسفة وراء هذا التحرك تكمن في إدراك صانع القرار أن “التضخم السلعي” في المواد الأساسية (مثل اللحوم، والأرز، والزيوت، والألبان) قد تجاوز بمراحل معدلات التضخم العام.
هذا التفاوت خلق فجوة غذائية تهدد مستويات السعرات الحرارية المطلوبة للفرد الإيراني، والتي حددها الخبراء بنحو 2386 سعرة حرارية يوميا. لذا، فإن التحرك نحو زيادة الدعم ليس مجرد إجراء رفاهي، بل هو ضرورة حتمية للحفاظ على الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية والمحلية.

مقترح “المضاعفة”: طموح الحكومة وميزان الميزانية
في أروقة البرلمان، يتردد صدى مقترح حكومي يدعو إلى رفع اعتبار البطاقة التموينية الإلكترونية بنسبة قد تصل إلى 100%. هذا الطموح، الذي يحظى بدعم مبدئي من الرئيس مسعود بزشكيان ورؤساء القوى السياسية، يهدف إلى نقل الدعم من مستواه الحالي (10 ملايين ريال للفرد في المتوسط) إلى مستويات جديدة كليا. ومع ذلك، فإن لغة الواقعية السياسية التي يتحدث بها النواب تشير إلى أن الزيادة الفعلية قد تخضع لفلترة “مقص الموازنة”.
يشير كارنامي إلى أن محدودية مصادر الدخل قد تجعل الزيادة تتراوح ما بين 5 ملايين إلى 7 ملايين ريال إضافية لكل فرد، بدلا من المضاعفة الكاملة. هذا التردد يعكس معضلة حقيقية: فالحكومة تريد كسب الثقة الشعبية وتخفيف حدة الفقر، لكنها تخشى في الوقت ذاته من أن تؤدي زيادة الإنفاق العام دون موارد حقيقية إلى زيادة السيولة، ومن ثم تأجيج نار التضخم مرة أخرى. إنه سباق بين “الرغبة في الدعم” و”المخاوف المتعلقة بالفجوة المالية” وهو ما يجعل النقاشات داخل اللجنة الاجتماعية ولجنة الموازنة تتسم بالحدة والتعقيد.

لغز التمويل: من أين تأتي الأموال في موازنة انقباضية؟
السؤال الذي يشغل بال الخبراء الاقتصاديين هو: كيف ستدفع الدولة فاتورة هذه الزيادة؟ تكمن الإجابة في هيكلية الموازنة الإيرانية التي تعتمد بشكل متزايد على “تحرير الأسعار” و”عوائد العملة الصعبة”. المشرعون يؤكدون أن المصدر الرئيسي لتمويل البطاقة التموينية الإلكترونية يجب أن يكون من “فوارق سعر الصرف” (تفاوت سعر العملة المدعومة وسعر السوق أو سعر منصة نيما).
وفقا للقوانين المرتبطة بـ تحرير العملة، فإن الموارد الناتجة عن تعديل سعر الصرف يجب أن تذهب مباشرة إلى “الحلقة الأخيرة” في السلسلة، أي المستهلك النهائي. هناك اليوم أكثر من خمسة آلاف تريليون ريال مرصودة في قالب موازنة “الجمع والخرج” يمكن توجيهها لهذا الغرض.
ويشدد البرلمان على أن أي دخل إضافي تحققه الدولة، سواء من زيادة مبيعات النفط أو تحسن الميزان التجاري، يجب أن يخصص فوراً لـ “سفرة الناس” كأولوية قصوى تسبق أي مشاريع عمرانية أو إدارية أخرى.
علاوة على ذلك، يبرز مقترح فني يربط قيمة الدعم بسعر الدولار في المنصة التجارية. فبما أن سعر العملة شهد قفزة بنسبة 26% منذ أواخر العام الماضي، فإن القوة الشرائية للعملة الحالية قد تآكلت فعليا بنسبة الربع. لذا، فإن المطالبة برفع المبلغ إلى 12.6 مليون ريال تعتبر، من وجهة نظر تقنية، مجرد “تصحيح” للقيمة الشرائية وليس زيادة حقيقية، وهو منطق يضغط به النواب على الحكومة لضمان عدم تراجع مستويات المعيشة.

فلسفة السعر الثابت: الكالابرغ كدرع ضد التضخم
ما يميز ” البطاقة التموينية الإلكترونية ” عن الدعم النقدي التقليدي هو ارتباطه بسلة سلعية محددة. البرلمان يصر على أن تظل هذه المنظومة “سلعية” بالأساس، حيث يتم تحديد 10 أنواع من السلع الأساسية بأسعار مرجعية ثابتة. الهدف هو أن يذهب المواطن إلى المتجر ويشتري احتياجاته من الزيت والأرز والسكر بنفس السعر الذي كان سائدا في بداية العام، على أن تتحمل الدولة الفارق السعري الناتج عن التضخم.
هذه الاستراتيجية تهدف إلى عزل “سفرة المواطن” عن تقلبات الأسواق العالمية والمضاربات المحلية. ففي حال ارتفع سعر الأرز في السوق بنسبة 50%، يظل المواطن المشمول بالدعم محميا داخل “فقاعة سعرية” توفرها له البطاقة الإلكترونية. ولكن، تنفيذ هذا الأمر يتطلب شبكة لوجستية ضخمة وقدرة عالية على الرقابة لضمان عدم تسرب السلع المدعومة إلى السوق السوداء، وهو تحد تعترف الحكومة بصعوبته وتعمل على تطوير الأنظمة الإلكترونية لمواجهته.
التوقيت والشرائح المستهدفة: من سيحصل على الدعم ومتى؟
لا تزال هناك حالة من الضبابية حول الموعد الدقيق لبدء صرف المبالغ الجديدة. المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، أبدت حذرا شديدا في تصريحاتها، مؤكدة أن الموضوع “قيد الدراسة الفنية” ويجب أن يتواءم مع خطط التنمية الشاملة. هذا الحذر يعود إلى رغبة الحكومة في التأكد من استدامة منابع التمويل قبل إطلاق الوعود النهائية.
من جانب آخر، تشير التسريبات البرلمانية إلى أن أواخر شهر مايو/أيار 2026 قد يكون الموعد المرتقب لبدء التطبيق. وهناك مقترح من وزارة التعاون والعمل يدرس ثلاثة سيناريوهات مختلفة لتحديد “العشريات” المستحقة. الجدل يدور حول ما إذا كان يجب شمول كافة الفئات التي تتقاضى الدعم حاليا، أم حصر الزيادة الكبيرة في الثلاث أو الخمس عشريات الأولى (الأكثر فقرا).
ويميل الرأي السائد في اللجنة الاجتماعية إلى ضرورة حماية الطبقات الوسطى أيضاً، لأن التضخم لم يعد يهدد الفقراء فقط، بل بدأ يلتهم مدخرات وقوة شراء الطبقة الوسطى التي تمثل عماد الاستهلاك في البلاد.

الأبعاد السياسية: البطاقة التموينية كعقد اجتماعي جديد
في ظل رئاسة مسعود بزشكيان، يبدو أن هناك توجها لتعزيز “العدالة الاجتماعية” كركيزة للشرعية السياسية. البطاقة التموينية الإلكترونية في هذا السياق ليس مجرد أداة اقتصادية، بل هو “عقد اجتماعي” يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. التصريحات التي تربط زيادة الدعم بـ “فترة ما بعد الحرب” تشير إلى أن القيادة الإيرانية تدرك تماما حجم التضحيات التي قدمتها الأسر الإيرانية خلال فترات التوتر، وأن الوقت قد حان لرد الجميل عبر تحسين سبل العيش.
النواب، من جانبهم، يمارسون دورا رقابيا حثيثا. فـ حامد يزديان، عضو هيئة رئاسة لجنة الزراعة، يؤكد أن البرلمان لن يكتفي بمجرد إقرار الزيادة، بل سيراقب “جودة السلع” الموزعة وضمان وصولها في مواعيدها. هناك رغبة برلمانية في أن تتم مراجعة رقم البطاقة التموينية مرتين في العام على الأقل، لضمان ملاحقته لنسب التضخم الحقيقية، وهو ما يضع الحكومة تحت ضغط المراجعة المستمرة والديناميكية لسياساتها المالية.
التحديات اللوجستية: من الميزانية إلى الرفوف
حتى لو توفرت السيولة، يبقى التحدي الأكبر هو “التنفيذ“. تفعيل البطاقة يتطلب تنسيقا فائقا بين وزارة الزراعة (لتأمين السلع)، ووزارة العمل (لإدارة البيانات)، والبنك المركزي (لتأمين العملة للاستيراد)، وآلاف المتاجر في أنحاء البلاد. المشكلة التي ظهرت في بدايات طرح المشروع كانت “عدم جاهزية البنية التحتية الإلكترونية” في بعض المناطق النائية، وهو ما تحاول الحكومة تلافيه حاليا عبر تحديث أنظمة نقاط البيع (POS) وربطها بقاعدة بيانات الدعم الموحدة.
كما أن هناك مخاوف من أن تؤدي زيادة مبالغ البطاقة التموينية إلى “تضخم عرضي” في أسعار السلع غير المشمولة بالدعم، حيث قد يعمد التجار إلى رفع الأسعار لامتصاص الفائض النقدي لدى الأسر. ولذلك، يشدد الخبراء على ضرورة وجود “رقابة استخباراتية” على سلاسل التوريد، لضمان أن الزيادة في الدعم تذهب فعلياً إلى بطون المواطنين لا إلى جيوب الوسطاء والمحتكرين.
الآثار الاقتصادية طويلة المدى: دعم الاستهلاك أم تحفيز الإنتاج؟
ينقسم الاقتصاديون في إيران حول الجدوى طويلة المدى لهذا التوسع في الدعم السلعي. الفريق الأول يرى أن البطاقة التموينية “مسكن آلام” ضروري لمنع حدوث أزمة إنسانية أو اضطرابات اجتماعية، بينما يرى الفريق الثاني أن الحل الحقيقي يكمن في “تنمية الإنتاج” وليس فقط “دعم الاستهلاك”.
رئيس اللجنة الاجتماعية بالبرلمان حاول التوفيق بين الرأيين، مشيرا إلى أن زيادة القدرة الشرائية عبر البطاقة التموينية ستحفز الطلب، مما سيؤدي بالضرورة إلى تحريك عجلة المصانع الغذائية الوطنية. الفكرة هي خلق “دورة اقتصادية مغلقة”؛ حيث تدعم الحكومة المواطن ليشتري منتجا محليا، فتعود الأموال للمنتج والمزارع الإيراني، مما يساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي. هذا السيناريو المتفائل يتوقف على قدرة الدولة على كبح جماح التضخم العام، فبدون استقرار ماكرو-اقتصادي، ستظل أي زيادة في الدعم مجرد ملاحقة يائسة لأسعار تسبقها دائماً بخطوات.
في انتظار “الخبر اليقين”
بين وعود “المضاعفة” وتحديات “الميزانية”، تظل عيون الملايين معلقة بشاشات التلفاز ومنصات الأخبار. هل ستنجح حكومة بزشكيان في تمرير الزيادة التاريخية؟ وهل سيمتلك البرلمان الشجاعة لتخصيص الموارد اللازمة رغم العجز؟
إن قضية البطاقة التموينية اليوم هي المرآة التي تعكس أولويات النظام السياسي في إيران. هي ليست مجرد أرقام تُصرف في بطاقات ذكية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الوفاء بعهدها لمواطنيها في أصعب الظروف. الأيام القليلة القادمة ستكشف عما إذا كانت “سفرة الإيرانيين” ستشهد انفراجة حقيقية، أم أن الضغوط الاقتصادية ستفرض صيغة “الحد الأدنى” من الحلول.
وفي كلتا الحالتين، تظل البطاقة التموينية الإلكترونية هي العنوان الأبرز في كتاب الاقتصاد السياسي الإيراني المعاصر، والأداة التي تراهن عليها الدولة لعبور نفق التضخم المظلم نحو أفق من الاستقرار المعيشي المنشود.

