هندسة الفوضى: كيف يُحوَّل “الحجاب” إلى سلاح لتفكيك إيران من الداخل؟

كتب: الترجمان

تمر إيران في المرحلة الراهنة بمنعطف تاريخي يتسم بسياسة “لا حرب ولا سلم”، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية المتمثلة في تداعيات المواجهة العسكرية غير المباشرة مع القوى الخارجية، مع ضغوط اجتماعية وسياسية داخلية تتصاعد وتيرتها بشكل لافت للنظر. وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت خلال الأيام القليلة الماضية موجة إعلامية مكثفة ومفاجئة تتمحور حول قضية “الحجاب”، وهي موجة يراها الكثير من المراقبين والمحللين غير عفوية بالمرة، بل تعكس محاولة ممنهجة لإعادة إحياء الشروخ الثقافية والاجتماعية التي استنزفت طاقة المجتمع في سنوات سابقة. 

إن هذا التركيز الإعلامي والسياسي المكثف على قضايا فرعية في توقيت حساس، يثير تساؤلات جوهرية حول الجهات المستفيدة من تشتيت الانتباه الوطني بعيدا عن القضايا المصيرية، وكيف يمكن لصور “انتقائية” من مناطق معينة أن تتحول إلى فتيل لإشعال فتنة داخلية تتجاوز في خطورتها التهديدات العسكرية المباشرة المحدقة بالبلاد.

التصعيد الممنهج وصناعة الاستقطاب المصطنع

إن العودة المفاجئة والواسعة لموضوع الحجاب في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، تزامنا مع نشر فيديوهات وصور من مناطق ذات طابع خاص مثل شمال طهران أو جزيرة كيش، تحمل في طياتها ملامح “هندسة إدراكية” واضحة المعالم. هذه الصور التي تظهر سلوكيات توصف بأنها “خارقة للمعايير” الاجتماعية، لا تعكس بالضرورة الواقع الميداني المتعدد الطبقات في إيران، بل هي نتاج عملية “تضخيم انتقائي” يهدف إلى استفزاز مشاعر الطبقات المتدينة والثورية في المجتمع الإيراني بشكل مباشر. 

فالمروجون لهذه الحملات يدركون تماما مكامن الحساسية العقائدية لدى هذه الفئات، ويستخدمون هذه المشاهد كأداة لتحريك ردود فعل عاطفية حادة وسريعة، مما يؤدي بالضرورة إلى خلق قطبية ثنائية نشطة تتغذى على الغضب المتبادل. هذا الاستقطاب ليس مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر الثقافية، بل هو مشروع استراتيجي لتحويل التباين الاجتماعي إلى أزمة أمنية كبرى يمكن أن تعصف بالانسجام الداخلي في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أقصى درجات التلاحم لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والتهديدات الخارجية المستمرة.

Image

الحجاب كواجهة لحرب معرفية شاملة واختراق الوعي

لا يمكن فصل ملف الحجاب عن سياق أوسع من “الحرب المعرفية” الشاملة التي تستهدف بنية الدولة والمجتمع من الداخل؛ فالمسألة هنا تتجاوز مجرد قطعة قماش أو زي تقليدي لتصبح أداة مركزية في مشروع “الاستغلال السياسي” طويل الأمد. ويرى مراقبون أن هناك خطا إعلاميا منسقا بعناية يسعى لتحويل “الخلاف الفقهي أو القانوني” إلى “تهديد أمني داخلي” وجودي، وذلك من خلال ربط مظاهر خلع الحجاب بمفاهيم أمنية حساسة مثل “النفوذ الأجنبي” أو “الخيانة” داخل أجهزة الدولة التنفيذية. 

هذا النوع من التأطير الإعلامي يهدف إلى تحويل حالة الاستياء الشعبي العامة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة إلى غضب أمني مشحون موجه ضد مؤسسات الدولة ومسؤوليها، مما يجعل أي مطلب معيشي بسيط أو احتجاج اقتصادي مشروع عرضة للتحول السريع إلى احتجاج سياسي راديكالي يطالب بالتغيير الجذري. إن استهداف “الانسجام الإدراكي” للمجتمع في هذه المرحلة يخدم أجندات تسعى بوضوح لإضعاف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، حيث يتم إشغال الرأي العام والمسؤولين بصراعات جانبية يومية تستنزف الطاقة الذهنية والروحية للأمة وتعطل مسارات التنمية والقرار.

Image

فخ “الثنائيات” وتغييب الأولويات الوطنية الكبرى

في الوقت الذي تخوض فيه البلاد مواجهة غير مباشرة ومعقدة مع أطراف دولية وإقليمية، تبرز خطورة تغييب القضايا الأساسية والوجودية لصالح القضايا الهامشية التي يمكن التعامل معها في ظروف أكثر استقرارا. لقد انتقدت العديد من الصحف المحلية الإيرانية، ومن أبرزها صحيفة “خراسان”، التوجه المتزايد نحو إغلاق ملف “الحرب” وتحدياتها الوجودية والتركيز الكامل بدلا من ذلك على قضايا فرعية مثل الحجاب أو الصراعات السياسية الضيقة بين الأجنحة المختلفة. 

واعتبرت هذه الصحف أن إدارة “الروح المعنوية” و”التركيز الوطني” لا تقل أهمية بحال من الأحوال عن إدارة الميدان العسكري والجبهات القتالية. إن المجتمع الذي ينفق جُل طاقته في نزاعات داخلية وتراشق بالتهم حول قضايا اجتماعية يمكن حلها بالتدبير والحوار والمداراة، يصبح تدريجيا عرضة للتآكل والانهيار من الداخل، حتى لو كان يمتلك أقوى الترسانات العسكرية في المنطقة. 

إن محاولة تبسيط الأزمات المعقدة، مثل ربط ارتفاع أسعار السلع الأساسية بعبارات شعبوية تفتقر للعمق الاقتصادي، أو المطالبة بإجراءات قضائية انتقامية قاسية ضد مسؤولين سابقين بسبب اختلاف في الرؤى السياسية، تساهم جميعها في تعميق فجوة الثقة بين الشعب والنظام، وتخلق مناخاً عاماً من القلق الاجتماعي المبالغ فيه الذي يخدم في النهاية خصوم الدولة.

Image

خطاب التهديد مقابل منطق الإقناع والاحتواء الاجتماعي

برزت في الآونة الأخيرة تصريحات حادة وصادمة من بعض المنابر الرسمية والدينية، مثل تصريحات إمام جمعة مدينة رشت، رسول فلاحتي، التي هدد فيها صراحة بـ “التنكيل” بغير المحجبات، وهو خطاب يرى فيه الخبراء الاجتماعيون والمحللون السياسيون وقودا إضافيا للاشتعال والتمزق الاجتماعي وليس حلا جذريا للمشكلة. 

مواجهة ظاهرة “خلع الحجاب” في مجتمع معقد كالمجتمع الإيراني تتطلب تفرقة واضحة ودقيقة بين فئة “الغافلين” من الشباب الذين قد يتأثرون بالموجات الثقافية والترويجية الوافدة عبر الفضاء الرقمي، وبين “المشاريع السياسية” المنظمة والمدعومة خارجيا التي تهدف صراحة إلى الترويج للسفور أو كسر الهيبة السياسية والرمزية للدولة الإسلامية. فبينما يتطلب النوع الثاني تعاملا قانونيا وأمنيا حازما وسريا بعيدا عن الصخب الإعلامي المضر، يحتاج النوع الأول إلى لغة “الاستمالة والجمال” ومنطق الإقناع والمداراة وليس لغة القهر والتهديد والإقصاء. 

إن كسب قلوب وعقول الفتيات والشباب في إيران وتحويلهم إلى طاقات محبة للوطن ومنتمية للمنظومة القيمية لا يأتي أبدا عبر التهديد بالدمار، بل من خلال خطاب إعلامي وديني يتسم بالصبر والعمق والقدرة على محاورة العصر، مع التأكيد المستمر على أن التشدد العاطفي والانفعالي قد يكون في كثير من الأحيان جزءاً من تنفيذ خطة العدو دون وعي أو إدراك من صاحبه.

Image

الحرب الاقتصادية وتكتيكات “توجيه الغضب” الشعبي

لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن الضغوط الاقتصادية الهائلة التي يتعرض لها المواطن الإيراني؛ فالبلاد تعيش فعليا في ظل “اقتصاد حرب” نتيجة الحصار والمواجهة. في هذا المناخ، يصبح من السهل جدا توظيف معيشة الناس لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة. تبرز هنا خطورة “تبسيط الأزمات”، حيث يتم تصوير الغلاء والاضطراب في أسعار السلع الأساسية على أنه نتاج محض لسوء الإدارة الداخلية، مع تغييب كامل للمؤثرات الخارجية الكبرى مثل الحصار البحري واختلال سلاسل الإمداد العالمية. 

هذا النوع من “التفسير أحادي السبب” يهدف إلى دفع الشارع نحو حالة من الانفجار العاطفي ضد الحكومة، وهو تكتيك كلاسيكي في الحروب النفسية يسمى “توجيه الغضب نحو الهدف المختار”. وبدلا من أن تكون الأزمة الاقتصادية سببا في التكاتف الوطني، يتم تحويلها عبر الخطاب الإعلامي المأزوم إلى وسيلة لتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، مما يضعف الجبهة الداخلية أمام الضغوط الخارجية.

دور الإعلام والمسؤولية الوطنية في حفظ التماسك

في ظل هذه الظروف، تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد نقل الخبر أو إبداء الرأي. إن المأمورية الحقيقية للإعلام اليوم هي “التفسير، والإقناع، ومواجهة خطاب الكراهية”. يجب على الإعلاميين والمفكرين الحذر من السقوط في فخ أن يكونوا جزءا من “مشروع العدو” دون قصد، وذلك من خلال الانجرار وراء القضايا المثيرة التي تثير الانقسام وتقتل الحوار الوطني.

إن المطلوب هو “الشفافية الصادقة” مع الناس، وتوضيح الحقائق والضغوط والمحدوديات التي تواجهها الدولة، وبناء جسور من الثقة تجعل المواطن شريكاً في تحمل أعباء المرحلة وليس مجرد متلق لضربات الأزمات وردود الفعل الغاضبة. إن التدبير والتعقل في معالجة القضايا الاجتماعية، وخاصة قضية الحجاب، يجب أن ينطلق من رؤية تعتبر جميع المواطنين أبناء لهذا الوطن، وأن العلاج الحقيقي يكمن في “الاحتواء لا الإقصاء”، وفي “البناء الثقافي الطويل الأمد لا في الحلول الأمنية السطحية والآنية”.

نحو استراتيجية وطنية للتعامل مع “الأزمات المفتعلة”

في النهاية، يظهر جليا أن التحدي الأكبر والوجودي الذي يواجه الدولة والمجتمع في إيران هو كيفية الحفاظ على “الحكمة والتدبير” في مواجهة موجات “الانفعال والاستقطاب”. إن العودة المكثفة والمشبوهة لموضوع الحجاب في هذا التوقيت، وتضخيم الحالات الفردية من مناطق معزولة لتصويرها كظاهرة عامة، يجب أن تُقرأ في سياقها الصحيح كجزء من عملية “زعزعة استقرار إدراكي” تستهدف تدمير الانسجام الوطني. 

الحل لا يكمن في الصمت المطلق ولا في التشدد الأعمى الذي يطرد فئات واسعة من الشباب خارج مظلة الانتماء، بل يكمن في اتباع استراتيجية وطنية ذكية وشجاعة تعزل “المشاريع التخريبية” عن “التحولات الاجتماعية الطبيعية”، وترتب الأولويات الوطنية بحيث تظل القضايا الوجودية للدولة والأمن القومي والمعيشة في الصدارة، ولا يطغى عليها “الهامش” المفتعل. 

إن وعي الشعب الإيراني، الذي أثبت في محطات تاريخية عديدة قدرته على الفرز، يجب أن يُسند بذكاء وحكمة من قبل صانعي القرار وأصحاب الرسائل الإعلامية، لضمان عدم تحول هذه “الفروع” المفتعلة إلى أزمة وجودية تعصف باستقرار ومستقبل البلاد في واحدة من أدق مراحل تاريخها المعاصر.

كلمات مفتاحية: