- زاد إيران - المحرر
- 95 Views
كتب: الترجمان
بينما تنشغل الرادارات بمراقبة الأجواء وترقب أصوات المدافع، هنالك حرب صامتة تدور رحاها داخل أزقة الأسواق الإيرانية وفي بيوت الطبقة العاملة؛ جبهتها “سلة الغذاء” وسلاحها “التضخم الجامح”. فبعد مرور أكثر من أربعين يوما على اندلاع الحرب، لم تعد شظايا الحرب تقتصر على المواقع العسكرية، بل اخترقت جيوب المواطنين لتغير مفاهيم الاستهلاك اليومي بشكل جذري.
منذ إلغاء سعر الصرف التفضيلي وصولا إلى استهداف سلاسل الإمداد وتضرر مصانع التعبئة، يجد المواطن الإيراني نفسه اليوم أمام “بورصة” لا تعرف الاستقرار؛ حيث قفزت أسعار اللحوم والزيوت والحبوب إلى مستويات قياسية، مما دفع المستهلكين للتخلي عن “نمط الوفرة” واللجوء إلى شراء الاحتياجات بالقطعة والغرامات تحت وطأة “سلوك الحرب الحذر”.
تغير السلوك الشرائي: من رفاهية الاختيار إلى “اقتصاد الضرورة”
يرصد بائعو المواد الغذائية في العاصمة طهران تحولا دراماتيكيا في “سلوك المستهلك“. فالسوق الذي كان يتميز بالتنوع والقدرة على الاختيار، بات اليوم يوصف بأنه “سوق قليل العمق”؛ وهي حالة اقتصادية تعكس إحجام المشترين عن المعاملات الكبيرة واكتفائهم بالحد الأدنى للبقاء.
يوضح أصحاب المتاجر أن المواطن الإيراني انتقل من شراء العبوات العائلية والمواد المغلفة إلى شراء المواد “الفرط” أو السائبة التي لا تحمل تكاليف إضافية للتعبئة والتغليف، وهو سلوك دفاعي لمواجهة تآكل القوة الشرائية.
هذا التحول لم يقتصر على الكميات، بل طال نوعية السلع؛ حيث سجلت مبيعات الوجبات الجاهزة والحلويات والموالح والخبز الفاخر تراجعا حادا. يذكر أصحاب السوبر ماركت في أحياء طهران أن الزبائن باتوا يركزون على السلع الأساسية الخام، مع تراجع ملحوظ في استهلاك الألبان والأرز.
والأكثر إثارة للقلق هو الانخفاض الكبير في مبيعات البروتين، حيث تشير التقديرات الميدانية إلى تراجع مبيعات اللحوم الحمراء بنسبة 30% بينما انخفضت مبيعات الأسماك والمأكولات البحرية إلى النصف تقريبا. هذا التراجع يعكس حقيقة أن اللحوم بدأت تتحول من مادة أساسية إلى “سلعة رفاهية” لا تقوى عليها ميزانية الأسرة المتوسطة.

بورصة الأسعار: أرقام تلتهم الرواتب وشهادات من الواقع
تعكس لغة الأرقام حجم المأساة المعيشية؛ فوفقا لشهادات المواطنين، قفز سعر عبوة اللحم المفروم (1 كجم) من 8 مليون ريال قبل الحرب إلى 11 مليون ريال حاليا. أما الدجاج المجمد، الذي كان يعد البديل الأرخص للفقراء، فقد ارتفع سعره من 5 مليون ريال إلى 8 مليون ريال.
وتتجلى الصدمة في سعر “الأرز الهاشمي الفاخر” الذي وصل إلى 5 مليون ريال للكيلو، مع ملاحظة تدني جودته نتيجة خلطه بأنواع مستوردة أقل سعرا لضمان بقائه في متناول اليد.
وفي جولة على أسعار الفواكه والمنظفات، نجد أن سعر كيلو البرتقال وصل إلى 2.5 مليون ريال، بينما بلغ سعر كيلو التفاح الأصفر 1.8 مليون ريال، ووصل سعر 500 جرام من الفراولة إلى 2 مليون ريال.
هذه القفزات لم ترحم حتى المواد البسيطة؛ إذ وصلت تكلفة ثلاث قطع من المنظفات المنزلية إلى 10 مليون ريال. وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء في هذا التدهور، حيث سجل التضخم النقطي للزيوت النباتية نسبة 219% وللحبوب والخبز 140% وللحوم والبروتينات 135% . إن وصول التضخم الشهري للمواد الغذائية إلى 8.4% يعد مؤشرا خطيرا وفق المعايير الاقتصادية التي تعتبر تجاوز نسبة 2% شهرياً الة خطر تستوجب التدخل الفوري.

قائمة الأسعار: صرخة الأرقام في أسواق البروتين
تكشف القوائم السعرية المحدثة عن تباينات حادة تجعل من تأمين وجبة متكاملة أمرا شبه مستحيل للعديد من الأسر. ففي قطاع الطيور واللحوم البيضاء، نجد أن “فيليه الدجاج” وصل إلى 5.7 مليون ريال ، بينما بلغ سعر “ستيك الدجاج المتبل” 5 مليون ريال. أما الطيور الأخرى، فقد سجل “فيليه الديك الرومي” 6.9 مليون ريال للكيلو.
حتى البدائل التقليدية لم تسلم من الغلاء؛ إذ بلغ سعر كرتونة البيض (24 بيضة) 2.2 مليون ريال، ووصل سعر بيض السمان (24 بيضة) إلى 1.3 مليون ريال. وفيما يخص اللحوم الفاخرة، سجل “لحم النعام” رقما فلكيا بلغ 15 مليون ريال للكيلو.
هذه الأسعار، عند مقارنتها بالحد الأدنى للأجور البالغ 165 مليون ريال، تعني أن راتب العامل الشهري بالكامل قد لا يكفي لشراء 10 كيلوغرامات من اللحم المفروم، دون احتساب تكاليف الإيجار، والنقل، والتعليم، والرعاية الصحية، وهو ما يضع الأسرة الإيرانية في مواجهة مباشرة مع خطر سوء التغذية.

استهداف الإنتاج: الأسباب الكامنة وراء الانهيار السعري
لا يعود الغلاء فقط إلى جشع التجار أو تذبذب العملة، بل هناك أسباب هيكلية أحدثتها الحرب في عمق الماكينة الإنتاجية. يشير المسؤولون والبائعون إلى أن شظايا الحرب طالت مصانع حيوية؛ حيث تضررت خطوط إنتاج الألبان والحلويات الصناعية.
والأهم من ذلك تضرر مصانع البتروكيماويات التي تنتج الأسمدة الكيماوية ومواد التعبئة والتغليف (البلاستيك والمعدن). هذا التضرر أدى إلى نقص حاد في المواد الأولية اللازمة لتغليف الأغذية، مما رفع تكلفة المنتج النهائي بشكل مضاعف.
علاوة على ذلك، يواجه قطاع الإنتاج الحيواني أزمة مركبة؛ فالعديد من منتجي الدواجن توقفوا عن عمليات “التفريخ” خوفا من نقص الأعلاف أو استهداف مزارعهم.
ويؤكد وزير الزراعة، غلام رضا نوري قزلجة، أن استهداف بعض مستودعات السلع الأساسية من قبل العدو أثر على المعنويات، لكنه لم يكسر الإرادة الإنتاجية. ويضيف الوزير أن الحرب تسببت في زيادة تكاليف الشحن والتأمين الحربي على السفن، مما جعل كلفة استيراد “الذرة” والأعلاف ترتفع بشكل ملحوظ، حيث تم شراء 11 مليون طن من الذرة بأسعار مرتفعة لتأمين المخزون الاستراتيجي للأشهر القادمة.
الاستنفار الحكومي: ممرات بديلة وتخليص جمركي على مدار الساعة
أمام هذا التحدي المعيشي، لم تقف الحكومة مكتوفة الأيدي، بل شرعت في تنفيذ خطة “طوارئ اقتصادية” لضمان تدفق السلع. أحد أبرز ملامح هذه الخطة هو تفعيل “التخليص الجمركي على مدار 24 ساعة” للسلع الأساسية والأدوية، وهو إجراء استثنائي يهدف لإلغاء أي تأخير إداري وضمان وصول الشحنات من الموانئ إلى الأسواق في أسرع وقت.
ويوضح النائب في البرلمان الإيراني أحمد فاطمي أن هذا الإجراء منع تكدس البضائع في الموانئ وحافظ على استقرار نسبي في المعروض رغم الحرب.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، بدأت إيران بتنويع مبادئ استيرادها لتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية التي قد تكون عرضة للتهديد. تم تفعيل ممرات برية وسكك حديدية تربط البلاد بآسيا الوسطى وتركيا، حيث يتم حاليا استيراد 1200 طن من السلع الأساسية يوميا عبر ميناء “مرسين” التركي.
كما يمثل استخدام المناطق الحرة، مثل منطقة “ماكو” و”بندر الإمام الخميني” و”تشابهار”، ركيزة جديدة للأمن الغذائي تمنح الدولة مرونة في إدارة أزمة “مضيق هرمز”؛ حيث يمكن تأمين احتياجات البلاد بعيداً عن ضغوط الممرات المائية الحساسة.

تصريحات المسؤولين: طمأنة الشارع وضبط الإيقاع
في سلسلة من اللقاءات الرسمية، حاول القادة الإيرانيون بث رسائل الطمأنة. شدد الرئيس مسعود بزشكيان خلال زيارته لوزارة الزراعة على أن توزيع الغذاء والمنتجات الزراعية يجب أن يكون عادلا، ويجب أن تصل الإعانات، خاصة للخبز والطحين، مباشرة إلى يد المستهلك في نهاية السلسلة. وأثنى على دور النقابات والقطاع الخاص الذين “وقفوا بجانب الدولة في أيام الحرب لضمان عدم خدش معيشة الناس.
من جانبه، أكد وزير الزراعة نوري قزلجة أن بنية الأمن الغذائي في البلاد متينة للغاية، ورغم استهداف بعض المستودعات، إلا أن المخزون الاستراتيجي كاف
، وأشار الوزير إلى نجاح الدولة في شراء كميات ضخمة من الأعلاف (12 سفينة ذرة) رغم ظروف الحرب، وتفعيل مسارات ترانزيت جديدة من قارة أمريكا وروسيا والصين لتقصير المسافات وتقليل التكاليف.
وفي ذات السياق، صرح برويز جعفري، مدير عام دعم الثروة الحيوانية، بأن هناك وفرة في المنتجات البروتينية تفوق الاحتياج، مما أدى مؤخرا لتعادل نسبي في الأسعار وانخفاض سعر اللحوم الحمراء بمقدار مليون ريال والدجاج بمقدار 200 ألف ريال في مراكز التوزيع الكبرى.
الرقابة البرلمانية: تقسيم البلاد إلى مناطق أمن غذائي
لم يغب البرلمان الإيراني عن المشهد، حيث أعلن محمد جواد عسكري، رئيس لجنة الزراعة، عن خطة رقابية مشددة تعتمد على تقسيم الجغرافيا الإيرانية إلى 5 مناطق (مركز، وشمال، وجنوب، وشرق، وغرب). تهدف هذه الخطة إلى إرسال فرق برلمانية للميدان لرصد حركة الإنتاج في المزارع والمصانع والتأكد من عدم وجود احتكار أو تلاعب بالأسعار.
ويؤكد عسكري أن الهدف من هذه الجولات الميدانية هو تجميع المعلومات ورفعها لوزير الجهاد الزراعي في جلسات تخصصية لضمان استقرار الأسواق. هذا الحراك البرلماني يهدف لسد الثغرات الرقابية التي قد يستغلها بعض “سماسرة الحروب” لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، خاصة في ظل انشغال الأجهزة الأمنية بالمهام العسكرية.

المعيشة كخط دفاع أول
إن التقارير الميدانية والبيانات الإحصائية تؤكد أن إيران تعيش “مخاضا اقتصاديا” عسيرا؛ فالحرب لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت اختبارا لقدرة الدولة على تأمين رغيف الخبز لأكثر من 90 مليون مواطن. ورغم إجراءات الطوارئ، وفتح ممرات الاستيراد عبر تركيا، وتفعيل التخليص الجمركي الفوري، تبقى الفجوة بين “الأجر” و”السعر” هي التحدي الأكبر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي.
إن نجاح الإدارة الإيرانية في تجاوز هذه الأزمة لا يتوقف فقط على الصمود العسكري، بل على مدى قدرتها على تحويل “إعانات الغذاء” إلى درع يحمي الطبقات الهشة من تداعيات التضخم الذي تجاوز 100%في بعض السلع.
وفي ظل الهدنة المؤقتة أو استمرار النزاع، تبقى “السفرة الإيرانية” هي الجبهة التي يراقبها الجميع؛ فمنها يستمد الشارع قدرته على الصمود، وعليها تتكسر شظايا الحرب الاقتصادية التي تشنها القوى الدولية والإقليمية. إنها معركة “الأمن الغذائي” التي لا تقل أهمية عن معركة “الأمن القومي”، فبقاء المجتمعات وقوتها يبدأ دائما من الاكتفاء بالحد الأدنى من الكرامة المعيشية.

