اتصالات الظل ومسارات العلن… بين دبلوماسية إسلام آباد واحتمالات تشكل تحالفات جديدة في الشرق الأوسط

Image

في خضم واحدة من أكثر المراحل توترا في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، برزت سلسلة من التحركات الدبلوماسية المعقدة التي تشير إلى وجود محاولات جادة، وإن كانت غير معلنة بالكامل، لاحتواء التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، في ظل انخراط إسرائيلي مباشر أو غير مباشر في المواجهة. وبينما تتجه الأنظار عادة إلى العواصم الكبرى مثل واشنطن وطهران، فإن ما يجري خلف الكواليس في عواصم إقليمية مثل إسلام آباد والقاهرة وأنقرة والرياض قد يكون أكثر تأثيرا في رسم مسار الأزمة.

في هذا السياق، ظهرت تقارير إعلامية تتحدث عن اتصال مزعوم بين الحرس الثوري الإيراني وجهاز الاستخبارات المصري، بهدف تمهيد الطريق لمفاوضات في إسلام آباد. هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات عدة، هل نحن أمام قناة خلفية جديدة بين خصوم تقليديين؟ أم أن الأمر يدخل في إطار التحليلات الإعلامية التي تخلط بين الوقائع والمؤشرات؟ كما يثير الاجتماع الرباعي الذي سبق الحديث عن هذه الاتصالات تساؤلات حول طبيعة التنسيق الإقليمي، وما إذا كان يمثل نواة لتحالف جديد أو مجرد آلية مؤقتة لإدارة أزمة.

اجتماع إسلام آباد الرباعي… دبلوماسية الوقاية قبل الانفجار

حسب تقارير إعلامية فقد انعقد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجية باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر في توقيت بالغ الحساسية، تحديدا في 19 مارس/ آيار 2026، حيث كانت المنطقة قد دخلت بالفعل مرحلة تصعيد عسكري مفتوح بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مع مؤشرات على توسع دائرة المواجهة. هذا الاجتماع لم يكن حدثا بروتوكوليا عابرا، بل جاء كاستجابة عاجلة لمحاولة احتواء تداعيات الحرب ومنع انزلاقها إلى مواجهة إقليمية شاملة.

Image

وحسب الخبراء، فإن تركيبة الدول المشاركة في الاجتماع حملت في حد ذاتها دلالات سياسية واستراتيجية مهمة. فباكستان، التي لعبت دور المضيف، تتمتع بعلاقات متوازنة مع إيران من جهة، ومع الولايات المتحدة والعالم العربي من جهة أخرى، ما يجعلها مؤهلة للعب دور الوسيط متعدد القنوات. أما السعودية، فهي لاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي، وتملك تأثيرا مباشرا على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي، إضافة إلى ثقلها السياسي في العالمين العربي والإسلامي. تركيا، بدورها، تملك خبرة طويلة في الوساطة الإقليمية، وتتمتع بعلاقات معقدة، ولكن فعالة مع كل من إيران والغرب. أما مصر، فهي تمثل عنصر الاستقرار التقليدي في النظام العربي، وتحتفظ بقنوات أمنية واستخباراتية واسعة مع مختلف الأطراف.

ما خرج به الاجتماع، وفق المعطيات المتاحة، لم يكن إعلانا عن تحالف عسكري أو سياسي رسمي، بل تأكيدا جماعيا على ضرورة العودة إلى المسار الدبلوماسي، ومنع توسع العمليات العسكرية، وتهيئة بيئة مناسبة لإطلاق مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين طهران وواشنطن. وقد برزت باكستان بشكل خاص كمنصة محتملة لهذه المفاوضات، مع إعلان استعدادها لاستضافة حوار بين الطرفين.

لكن في موازاة هذا التحرك العلني، ظهرت روايات إعلامية تتحدث عن وجود قنوات خلفية، أبرزها الادعاء بوجود اتصال بين جهاز الاستخبارات المصري والحرس الثوري الإيراني. هذه الرواية، رغم جاذبيتها الإعلامية، اعتبرت من قبل محللين محل شك، فالعلاقات بين مصر وإيران، وإن لم تكن مقطوعة بالكامل، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى التنسيق المباشر عبر أجهزة حساسة مثل الاستخبارات أو الحرس الثوري، خصوصا في ظل التباينات السياسية العميقة بين البلدين.

Image

ويشير محليين أنه من المرجح أن ما حدث، إن كان هناك تواصل ، فإنه يدخل في إطار قنوات غير مباشرة، أو عبر وسطاء، أو حتى عبر رسائل أمنية محدودة تهدف إلى منع سوء التقدير وليس إلى بناء تفاهمات استراتيجية، كما أن تضخيم هذا النوع من الاتصالات قد يكون جزءا من حرب نفسية أو محاولة لإظهار وجود اختراقات دبلوماسية أكبر مما هو قائم فعليا.

بمعنى آخر، لا توجد أدلة قاطعة على وجود اتصال مباشر ومنظم بين الحرس الثوري والاستخبارات المصرية، بل إن السياق العام يشير إلى أن التحرك الأساسي كان عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، مدعوما بجهود وساطة متعددة الأطراف، وليس عبر اختراقات أمنية غير مألوفة.

تحالفات جديدة أم اصطفافات مرنة؟ قراءة موسّعة في إعادة تشكيل الإقليم وموقع إيران

بالتوازي مع هذه التحركات الدبلوماسية المتسارعة، يبرز سؤال محوري حول طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل في الشرق الأوسط، هل نحن أمام ولادة تحالفات جديدة واضحة ومتماسكة، أم أن ما نشهده هو مجرد إعادة ترتيب مرنة للأدوار ضمن توازنات تقليدية تتكيف مع المتغيرات؟ هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وما يرافقه من إعادة تموضع إقليمي ودولي.

تشير العديد من القراءات إلى أن المنطقة تتجه نحو نمط جديد من الاصطفافات يقوم، ظاهريا، على محورين رئيسيين. الأول هو ما يعرف بالتحالف الإبراهيمي، الذي يتمحور حول إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، مع امتدادات نحو شركاء مثل اليونان والهند، وربما أطراف أخرى تسعى إلى الانخراط في شبكات التعاون الأمني والتكنولوجي. هذا التحالف لا يقوم فقط على التنسيق السياسي، بل يرتكز على بنية متكاملة تشمل التفوق العسكري، والتكنولوجيا المتقدمة، والربط الاقتصادي، بالإضافة إلى مشاريع ممرات الطاقة والتجارة. ويهدف هذا المحور، في جوهره، إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي بطريقة تتجاوز القضايا التقليدية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لصالح أولويات الأمن والاقتصاد والتكامل الإقليمي.

Image

في المقابل، يتشكل ما يمكن وصفه بمحور إسلامي أو إقليمي مرن، تقوده المملكة العربية السعودية وتشارك فيه دول مثل تركيا، وباكستان، ومصر، وقطر. هذا المحور لا يتخذ شكل تحالف عسكري صلب، بل يظهر كإطار تنسيقي يسعى إلى تحقيق قدر من الاستقرار الإقليمي، ومنع الانزلاق نحو صراعات مفتوحة، مع محاولة موازنة النفوذ الإيراني دون الانخراط في مواجهة مباشرة معه، وهو بذلك يعكس مقاربة براغماتية تضع الاستقرار الاقتصادي والأمني في مقدمة الأولويات.

Image

غير أن هذا التصنيف الثنائي، رغم وضوحه النظري، لا يعكس بالكامل تعقيدات الواقع. فالشرق الأوسط اليوم لا يدار عبر تحالفات جامدة، بل من خلال شبكة متداخلة من العلاقات المتحركة. فتركيا، على سبيل المثال، تجمع بين علاقات مع إسرائيل في مجالات اقتصادية وأمنية، وبين انخراط في مسارات تفاوضية مع إيران. والسعودية، رغم تقاطع مصالحها مع بعض عناصر التحالف الإبراهيمي، لا تزال حذرة من الانضمام الكامل إليه، خاصة في ظل اعتبارات داخلية تتعلق بالرأي العام، وأخرى إقليمية مرتبطة بالتوازن مع إيران.

في قلب هذه المعادلة المعقدة، تقف إيران كلاعب لا يمكن تجاهله، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديا متزايدا في تحديد موقعها ضمن هذه التحولات، فمن جهة، تسعى طهران إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية مستقلة، تعتمد على مزيج من القدرات العسكرية وشبكات النفوذ غير المباشر، إلى جانب أدوات الردع التي طورتها على مدى سنوات. ومن جهة أخرى، تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تتجه نحو بناء ترتيبات أمنية واقتصادية قد تُقصيها أو تحد من قدرتها على التأثير.

Image

التحالف الإبراهيمي، في هذا السياق، يمثل بالنسبة لإيران تحديا استراتيجيا مباشرا، ليس فقط بسبب طبيعته الأمنية، بل لأنه يعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة بعيدا عن المسارات التي كانت طهران تسعى للعب دور محوري فيها. أما المحور الإسلامي المرن، فرغم أنه لا يستهدف إيران بشكل صريح، إلا أنه يسعى إلى احتواء سلوكها وإدماجها، إن أمكن، ضمن قواعد توازن إقليمي جديدة، أو على الأقل الحد من قدرتها على التأثير في مسارات الأزمات.

في ضوء ذلك، يصرح محليين آن ما يتشكل في الشرق الأوسط ليس تحالفات صلبة بقدر ما هو نظام سيولة استراتيجية، تتبدل فيه التحالفات وفق طبيعة الأزمات ومصالح الأطراف. وهذا ما يفسر بروز مبادرات مثل اجتماع إسلام آباد، الذي جمع أطرافا من اتجاهات مختلفة حول هدف مشترك، دون أن يعني ذلك وجود تحالف دائم بينها.

Image

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الدور الدولي، خاصة الولايات المتحدة والصين. فواشنطن لا تزال لاعبًا أساسيًا، رغم تراجع حضورها المباشر في بعض الملفات، بينما تسعى بكين إلى تعزيز موقعها عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد.

في النهاية، يتوقف موقع إيران في هذه المعادلة على قدرتها على التكيف مع هذا الواقع المتغير، هل ستنجح في اختراق هذه الشبكات المرنة وفرض نفسها كطرف لا غنى عنه، أم ستجد نفسها محاصرة ضمن ترتيبات إقليمية تعيد تعريف دورها وحدود تأثيرها؟ هذا السؤال سيبقى مفتوحا، وهو في صلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.

 بين قنوات الاتصال واحتمالات النظام الجديد

يبدو أن الحديث عن اتصال مباشر بين الحرس الثوري الإيراني وجهاز الاستخبارات المصري يفتقر إلى الأدلة الصلبة، ويدخل على الأرجح في إطار التفسيرات الإعلامية لمحاولات وساطة أكثر تعقيدا وتعددا في القنوات. فالدبلوماسية التي تقود إلى مفاوضات مثل تلك المحتملة في إسلام آباد تعتمد عادة على مسارات متعددة، رسمية وغير رسمية، لكنها لا تقوم بالضرورة على اختراقات دراماتيكية بين أجهزة متخاصمة.

Image

في المقابل، فإن الأهمية الحقيقية تكمن فيما يكشفه هذا الجدل من تحول أعمق في بنية النظام الإقليمي، فالشرق الأوسط لم يعد يدار فقط عبر علاقات ثنائية أو تحالفات تقليدية، بل عبر شبكة معقدة من التفاعلات التي تشمل دولا إقليمية ودولية، وتجمع بين التنافس والتعاون في آن واحد.

اجتماع إسلام آباد، في هذا الإطار، قد لا يكون نقطة تحول حاسمة بحد ذاته، لكنه يمثل مؤشرا على اتجاه جديد في إدارة الأزمات، يقوم على المبادرات الإقليمية متعددة الأطراف، وعلى محاولة استعادة الدبلوماسية كأداة رئيسية في مواجهة التصعيد العسكري.

ويبقى السؤال الأهم هل ستنجح هذه الجهود في تحويل مسار الأزمة نحو التهدئة، أم أن منطق الصراع سيفرض نفسه في النهاية؟ الإجابة على هذا السؤال لا تعتمد فقط على قدرة الوسطاء، بل على إرادة الأطراف المتنازعة، وعلى شكل النظام الإقليمي الذي يتبلور تدريجيا في ظل هذه التحولات.