سوق العقارات في إيران بين الأسعار المرتفعة والركود المستمر

نشرت صحيفة وطن امروز، الخميس 25 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن سوق الإسكان بإيران في عام 2025 وصل إلى مرحلة لم يعد بالإمكان تحليلها باستخدام مؤشرات العرض والطلب التقليدية فقط، فبينما انخفض حجم المعاملات بشكل غير مسبوق وتضاءلت قدرة الشراء لدى الأسر بشكل حاد، لا تزال الأسعار عند مستويات غير منطقية. 

وأضافت الصحيفة أن هذه الظاهرة تعكس مقاومة هيكلية، ليست من جانب المشترين، بل من قِبل مجموعات تحت دوافع مضاربية تحافظ على السوق في حالة شلل، وفي مثل هذا السياق، ابتعدت الروايات الرسمية عن واقع السوق الفعلي، ويواجه صانعو السياسات تحديا كبيرا في كيفية إعادة التوازن إلى سوق فقدت فيه المنطق الاقتصادي.

وتابعت أن سوق الإسكان في إيران شهد خلال عام 2024، ركودا غير مسبوق، حيث انخفض حجم المعاملات بشكل كبير في المدن الكبرى، خصوصا طهران، ومع ذلك لا تزال الأسعار مرتفعة، وهذا التناقض يطرح سؤالا مهما أمام المحللين والفاعلين الاقتصاديين، وهو: لماذا لم يؤدٍّ تراجع الطلب والركود في المعاملات إلى انخفاض ملموس في الأسعار؟

وأوضحت أن جواب هذا السؤال يكمن في سلوك مجموعات تعمل بدوافع مضاربية أو مهنية أو حتى مافيوية، تمنع انعكاس واقع السوق الفعلي على المستوى العام، فهذه المجموعات تخلق أجواء نفسية مصطنعة تحاول من خلالها إخفاء انخفاض الأسعار أو التقليل من أهميته، وهدفها واضح، وهو الحفاظ على قيمة ممتلكاتها العقارية ومنع هبوط الأسعار، حتى في ظل ركود كامل للسوق.

وأردفت أنه بحسب تصريحات الرئيس السابق لاتحاد مستشاري العقارات حسام عقبائي، فقد انخفضت أسعار العقارات في بعض مناطق طهران والمدن الكبرى خلال عام 2024 بنسبة تصل إلى 30%، وكان هذا الانخفاض، خاصة في النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالنصف الثاني من عام 2024، أكثر وضوحا، ويُلاحظ بشكل كامل في مستوى القاع السوقي. 

وأكَّدت أن بعض الأفراد والمجموعات يحاولون إخفاء هذا التراجع الإصلاحي من خلال السرديات المضللة وخلق أجواء من الفوضى.

يشمل هذا السلوك فئتين:

أوردت الصحيفة أن الفئة الأولى هي الأشخاص الذين يعتقدون أن إنكار انخفاض الأسعار سيحفّز الناس على الشراء وينعش المعاملات، لكن الإحصاءات تشير إلى عكس ذلك؛ فمنذ بداية 20 مارس/آذار 2025 حتى 22 سبتمبر/أيلول 2025، كان اتجاه معاملات الإسكان في جميع أنحاء إيران منخفضا ولم تظهر أي مؤشرات على عودة الطلب.

وأبرزت أن الفئة الثانية هم المضاربون المحترفون الذين ينظرون إلى العقار كأصل استثماري، ولا يبدون اهتماما بالبيع، بل يحتفظون بالوحدات الفارغة لزيادة قيمة ممتلكاتهم، ففي طهران، هناك مبان خالية منذ أكثر من 10 سنوات، لكنها لا تزال تُعاد تأهيلها لتبدو ذات قيمة أعلى، وهؤلاء يرون العقار أكثر الأصول أمانا، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو إمكانية الحصول على التمويل والقروض.

وبيَّنت أنه في هذا السياق، ورغم انخفاض الطلب وتوقف المعاملات، ما زالت الأسعار مرتفعة بفعل تصرفات هذه الفئات، فهم يقيمون وحداتهم بأسعار مترية تصل إلى 150–300 مليون ريال إيراني أي نحو (3570 إلى 7130 دولارا أمريكيا)، استنادا إلى أسعار الصرف أو الذهب، دون أي نية للبيع، وهذا السلوك لا يمنع السوق من التعديل الطبيعي فحسب، بل يخلق أيضا حالة من فقدان الثقة العامة ويعطل قرارات الشراء والاستثمار.

وأفادت بأنه في المدن الشمالية، رغم زيادة عدد المراجعات، لم يصل حجم المعاملات إلى مستويات عام 2023، والادعاءات بشأن تحوّل الاستثمارات مبالغ فيها، والركود منتشر، لكن الوسطاء النفسيون في السوق يمنعون هذا الركود من أن ينعكس على الأسعار.

وأظهرت في النهاية، أنه إذا أراد صانعو السياسات إعادة توازن سوق الإسكان، يجب عليهم مواجهة السلوكيات المضاربية، وكشف واقع السوق الفعلي، واستخدام أدوات التنظيم لمنع الاحتكار العقاري وصناعة الأسعار، وإلا سيظل السوق تحت سيطرة الوسطاء، سوق لا يستجيب للطلب ولا للمنطق الاقتصادي.

اتجاه الركود في سوق الإسكان
أبلغت الصحيفة أن بيانات المعاملات للنصف الأول من عام 2025، استمرارا لاتجاه الركود في سوق الإسكان، تشير إلى تراجع ملحوظ في الطلب على شراء العقارات مقارنة بنفس الفترة من عام 2024، ووفقا للتقديرات الميدانية والتحليلات المهنية، انخفض حجم المعاملات في طهران وبقية المدن الكبرى بنسبة تتراوح بين 40 و50%؛ وهو انخفاض يظهر بوضوح ليس فقط في عدد عقود البيع، بل أيضا في عدد المراجعين إلى مكاتب وسطاء العقارات.

ولفتت إلى أن كبار الملاك والمضاربين المحترفين يمتنعون عن عرض وحداتهم، مع إنكار واقع السوق الفعلي، ويعرقلون التوازن في السوق من خلال خلق أسعار مصطنعة، ونتيجة للمقاومة الهيكلية أمام انخفاض الأسعار، لا يزال هناك فجوة كبيرة بين قدرة الشراء لدى الناس ومستوى الأسعار المعروضة، وهذه الحالة تؤدي في النهاية إلى انخفاض الاستثمار المنتج، وزيادة العقارات غير المستغلة، وتوسيع الفجوة بين العرض والطلب الفعلي.

عام من الارتفاع المستمر؛ سوق الإسكان على وشك التشبع السعرى وانخفاض الطلب

أفادت الصحيفة بأن سوق الإسكان في إيران شهد خلال السنوات الخمس الماضية واحدة من أكثر فترات تقلبه حدة، فمنذ عام 2020 وحتى عام 2025، ارتفعت أسعار الوحدات السكنية في طهران وبقية المدن الكبرى بشكل مضاعف، ولم يكن هذا الارتفاع في كثير من الحالات متناسبا مع التضخم العام أو زيادة تكاليف البناء، بل تشكّل تحت تأثير التوقعات التضخمية والمضاربات والسلوكيات الربحية.

وأشارت إلى أن متوسط سعر المتر المربع للوحدات السكنية في طهران كان حوالي 15 مليون ريال أي نحو (356.5 دولار أمريكي) عام 2020 – 2021، وارتفع إلى 25 مليون ريال أي نحو (594.1 دولار ) في عام 2021 – 2022، وتجاوز 35 مليون ريال أي نحو ( 831.8 دولار) في عام 2022 إلى 2023.

وأكَّدت انه مع قفزات سعر الصرف وارتفاع تكاليف البناء عام 2023 – 2024، اقتربت الأسعار من 60 مليون ريال أي (1426 دولارا)، ثم بلغت نحو 85 مليون ريال أي (2020.2 دولار) في 2024 – 2025، وفي النصف الأول من عام 2025 شهدت بعض مناطق طهران أسعارا تجاوزت 100 مليون ريال أي نحو (2376 دولارا) للمتر المربع، أي زيادة بأكثر من 6 أضعاف خلال أقل من خمس سنوات.

ورأت أن هذا الارتفاع قد حدث بينما تراجعت قدرة الأسر الشرائية بشكل حاد نتيجة التضخم وانخفاض الدخل الحقيقي وتراجع قيمة العملة الوطنية، ما يجعل سوق الإسكان الآن عند مستوى يمكن وصفه بالسقف السعري، وهو مستوى لم يعد مدعوما بالطلب الحقيقي.

وأوصت بضرورة القول أن الانخفاض الحاد في الطلب خلال النصف الأول من عام 2025 ليس ناتجا فقط عن الركود الاقتصادي وتراجع السيولة، بل يرتبط بشكل مباشر بالتشبع السعري نفسه، فالمشترون المحتملون، عند مواجهة أسعار غير منطقية وفجوة كبيرة مع قدرتهم المالية، يفضلون الانسحاب من السوق أو تأجيل الشراء، وهذا السلوك، إلى جانب تراجع حجم المعاملات، أبقى السوق في حالة شلل بدل أن يدخل مرحلة تعديل الأسعار.

ولفتت إلى أن الوسطاء والملاك الرئيسيون يمنعون السوق من السير في مساره الطبيعي بدوافع مضاربية، من خلال الاحتفاظ بالوحدات الفارغة، وخلق أسعار مصطنعة، وإنكار واقع السوق الفعلي، مما يحافظ على ارتفاع الأسعار، ونتيجة لذلك، دخل سوق الإسكان مرحلة من الركود التضخمي، حيث تقلصت المعاملات بينما بقيت الأسعار مرتفعة.

وأبرزت أنه في هذه الظروف، إذا لم يتمكن صانعو السياسات من مواجهة السلوكيات المضاربية واستخدام أدوات تنظيمية فعّالة، فلن يصل السوق إلى التوازن، بل سيصبح بيئة لتفاقم الفجوة الطبقية، وزيادة العقارات غير المستغلة، وانخفاض الاستثمارات المنتجة، ويجب أن يشكل بلوغ السقف السعري نقطة لإعادة النظر في سياسات الإسكان، وليس فرصة لتثبيت أسعار غير واقعية.

وفي الختام أكَّدت الصحيفة أن سوق الإسكان الإيراني الآن على أعتاب مراجعة جدية، فقد أدى ارتفاع الأسعار المستمر خلال خمس سنوات الماضية، دون دعم من الطلب الحقيقي، إلى بلوغ السوق سقفا سعريا يمنع دخول مشترين جدد ويدفع بالاستثمار المنتج إلى الهامش، وإذا أراد صانعو السياسات تجاوز هذا الوضع، عليهم توضيح واقع السوق الفعلي، ومكافحة احتكار العقارات، والحد من خلق الأسعار المصطنعة لتمهيد طريق الإصلاح.