- زاد إيران - المحرر
- 676 Views
شهدت مدينة سيدني الأسترالية صدمة أمنية عنيفة عقب حادثة إطلاق نار مروعة استهدفت تجمعا للجالية اليهودية على شاطئ بوندي أثناء الاحتفال بعيد الحانوكا، أسفرت عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، بينهم عناصر من الشرطة، فيما لم تلبث هذه الواقعة أن خرجت من إطارها المحلي لتتحول إلى قضية دولية متفجرة، في ظل ردود فعل سياسية وإعلامية متسارعة، وعلى رأسها الموقف الإسرائيلي الذي سارع إلى إدانة الهجوم وتوصيفه ضمن سياقات أوسع تتعلق بالأمن ومعاداة السامية.
في خضم هذا التصعيد، تعاملت الصحف الإيرانية مع الحادثة باعتبارها أبعد من كونها فعلا معزولا أو طارئا، مقدمة قراءات تحليلية ربطتها بحالة التوتر العالمي المتزايد، وبما وصفته ارتدادات مباشرة للسياسات الإسرائيلية والحرب المستمرة في المنطقة. ووفق هذه المعالجات، فإن العنف لم يعد محصورا في جغرافيا النزاعات التقليدية، بل بات يمتد إلى ساحات بعيدة، مولدا أزمات أمنية ودبلوماسية وصراعات حادة حول السردية والمسؤولية.
صحيفة جوان.. ارتداد العنف العالمي وفاشية نتنياهو
بهذا الشأن، ركزت صحيفة جوان، المقربة من الحرس الثوري، في عددها الصادر الإثنين 15 ديسمبر/ كانون الأول 2025 على أن حادثة سيدني هي نتيجة مباشرة وحتمية لما وصفته ” الإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام الإسرائيلي في غزة”، مؤكدة أن صدى هذا القتل الجماعي يتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، كما شددت الصحيفة على أن هذا العنف المتصاعد هو نتيجة مباشرة للسياسات العدوانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصر على استمرار الحرب، وأكدت أن اليهود المقيمين خارج الأراضي المحتلة هم من يدفعون الآن ثمن هذه السياسات الحربية التي حولت اليهود إلى درع لجرائمه.

وأشارت الصحيفة إلى أن موجة الغضب والنقمة العالمية، التي كانت في البداية مجرد احتجاجات، قد وصلت الآن إلى مستوى عملي وعنيف في مناطق أخرى من العالم، فيما سارع قادة تل أبيب إلى وصف الحادث بالإرهاب وتوجيه الاتهام نحو إيران، مدعين أن أفعال إسرائيل في الشرق الأوسط هي في الواقع دفاع ضد معاداة السامية، وذكرت الصحيفة أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قد أدان الحادث بوضوح، مؤكدا أن “الإرهاب وقتل البشر مرفوض ومدان أينما ارتكب”، مما أحبط محاولات الإسرائيليين، حسب جوان، لبناء ملفات تصعيدية أخرى ضد طهران.
تفكيك رمزية المظلومية
هذا فيما تبنت صحيفة آكاه منهجا تحليليا ركز على منازعة الروايات الإعلامية، خاصة تلك التي سعت إسرائيل لتقديمها للجمهور العالمي، مؤكدة أن الإجابة على ماهية الهجوم ليست بالسهولة التي تصورها الأطراف الإعلامية المختلفة، وتوقفت الصحيفة عند الصورة المتداولة لآرسن أوستروفسكي، رئيس مجلس الشؤون الإسرائيلية واليهودية الأسترالي، الذي ظهر بوجه مغطى بالدماء، حيث تم تداول صورته بسرعة كصورة أيقونية ورمزية لضحية معاداة السامية، وشددت الصحيفة على أن هذه الرمزية لها وجهان، وأن الوجه الآخر يكمن في الخلفية السياسية والسجل المهني للشخص الذي يتم تقديمه كضحية.

كما كشفت اكاه عن تناقضات في مواقف أوستروفسكي، الذي يوصف بأنه محام دولي لحقوق الإنسان، حيث برر أوستروفسكي سابقا مقتل عمال الإغاثة في غزة على يد الجيش الإسرائيلي، معنونا مقالته “خطأ مأساوي؟ نعم، جريمة حرب؟ أبداً”، كما كتب مقالات سابقة تشرعن هجوم ترامب ونتنياهو على إيران، وخلصت الصحيفة إلى ألا يمكن غض الطرف عن هذه التناقضات، وأنه لا يمكن وضع شخص مثل أوستروفسكي في مركز الإطار الإعلامي كرمز لمظلومية الإسرائيليين في الوقت الذي “يبرر فيه بيده جرائم القتل والدمار في دول أخرى، وتتساءل الصحيفة في نهاية تقريرها، فتقول” هل من المنطقي أن نزرع الغضب والكراهية في مناطق مختلفة من العالم، ثم نندهش من بروز العنف في مكان آخر”.
كيهان وعملية الراية الكاذبة والهجرة العكسية
قدمت صحيفة كيهان، المنبر الأصولي الأشهر، التغطية الأكثر تفصيلا لفرضية روجت منذ الساعات الأولى، والتي مفادها أن حادثة سيدني هي عملية الراية الكاذبة التي قد تكون مدبرة من جهاز الموساد الإسرائيلي، فرأت الصحيفة أن الهدف هو التظاهر بالمظلومية لترميم الصورة الدولية لإسرائيل، التي تحولت إلى النظام الأكثر كراهية في العالم بسبب قتل ما يزيد عن 70 ألف شخص في غزة، واعتبرت أن مقارنة الهجوم بأحداث 7 أكتوبر/ تشرين 2023 فور وقوعه هو خطوة لا يمكن أن يكون هدفها سوى التظاهر بالمظلومية وتبرير جرائم غزة.

كما ربطت كيهان الحادثة بالجهود الإسرائيلية لمواجه الهجرة العكسية المتسارعة لليهود الفارين من الأراضي المحتلة، مؤكدة أن الهدف هو تحويل مقاصد هؤلاء الهاربين إلى أماكن غير آمنة لإقناعهم بأن لا مكان آمناً لهم سوى الأراضي المحتل، ودعمت الصحيفة هذا التحليل بسوابق تاريخية، مثل إشارة الباحث روجيه جارودي إلى استخدام الإسرائيليين للعنف وخلق جو من الرعب ضد اليهود الأوروبيين، بل وتفجير سفينة باتريا عام 1940 من قبل منظمة هاغانا لقتل المهاجرين اليهود وإجبار بريطانيا على السماح بالهجرة إلى فلسطين، وأشارت إلى أن بن كاسبيت، وهو صحفي إسرائيلي، أعلن تأييده لنمو معاداة السامية في العالم ليفر اليهود إلى إسرائيل، مما يؤكد هذا الهدف.
الأزمة الدبلوماسية واتهام كانبيرا بالدم
من جانبها قدمت صحيفة سازندكي تحليلا ركزت فيه على البعد الدبلوماسي الحاد والنادر للحادثة، مشيرة إلى أن رد الفعل الإسرائيلي أشعل أزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع أستراليا، ونقلت الصحيفة تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الذي هاجم الحكومة الأسترالية مباشرة، زاعما أن الهجوم كان نتاج التحريض والجو المعادي لليهود في شوارع أستراليا خلال العامين الماضيين، مطالبا كانبيرا بالخروج من الغفلة

الأكثر أهمية في تغطية سازندكي كان الكشف عن البيان الناري الصادر عن وزارة شؤون اليهود خارج الأراضي المحتلة، الذي وضع مسؤولية الدم مباشرة على الحكومة الأسترالية، معلنا أن دماء الضحايا على أيدي الحكومة الأسترالية، حيث اتهمت الوزارة أستراليا بانتهاج سياسة ضعف، وضبط نفس، ومساومة مع من أسمتهم أعداء الحضارة الغربية بعد السابع من أكتوبر، وفي الوقت الذي أدان فيه رئيس الوزراء نتنياهو الحادث ووصفه بالوحشي، أكدت الصحيفة أن إيران سارعت إلى إدانة العنف، مؤكدة أن الإرهاب وقتل البشر مرفوض ومدان في أي مكان يرتكب فيه.
لعبة خاسر خاسر والصراع مع كانبيرا
أما فرهيختكان الأصولية، فقد استضافت المحلل علي مزروعي للتعليق على المشهد، والذي صرح بأن حادثة سيدني تمثل كانت حركة فاشلة من كل الجوانب بالنسبة لإسرائيل، سواء كانت العملية تلقائية أو مدبرة، فإذا كان الهجوم ناتجا عن الغضب التلقائي، فهو يكشف عن ضعف أمني عميق وفشل إسرائيلي في احتواء الكراهية التي خلقتها، أما إذا كان صناعة مشهد وسيناريو مدبر من قبل عوامل إسرائيلية، فهو يمثل إفلاساً استراتيجيا، على حد وصفه، يجبر النظام على التضحية بعناصره” لاستعادة القوة الناعمة المفقودة.

كما سلط مزروعي الضوء على التقابل السياسي الحاد الذي سبق الحادثة بين تل أبيب وكانبيرا، مشيرا إلى أن أستراليا طالبت بتشكيل دولة فلسطينية تحت ضغط الاحتجاجات، وهو ما أثار غضب نتنياهو الذي وصف رئيس وزرائها بوباء على أستراليا، كما اعتبر أن هذا التوتر الدبلوماسي، الذي وصل إلى إلغاء إسرائيل لتأشيرات الدبلوماسيين الأستراليين في الضفة الغربية يعزز سيناريو صناعة المشهد الإسرائيلي، وخلص إلى أن الهجوم يثبت أن دومينو انعدام الأمن قد وصل إلى عامليه، وأن العنف الذي زرعته إسرائيل بدأ يرتد عليها.
تفنيد الرواية الإسرائيلية والنتائج الاستراتيجية
تتفق التغطيات الإيرانية على أن رد الفعل الإسرائيلي القوي على حادثة سيدني، الذي شمل إدانة فورية ووصف الحادث بالإرهاب، ما هو إلا محاولة يائسة لتغيير السرد العالمي، وإعادة توجيه الأنظار عن جرائم الإبادة في غزة، فقد ادعى رئيس الوزراء نتنياهو أن الحادث نتيجة لسكوت القادة عن مواجهة معاداة السامية، وأن إسرائيل هي الوحيدة التي تقاوم هذا السرطان، على حد وصفه، التصعيد الذي يهدف إلى توفير ذريعة لقتل المزيد من المسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا بحجة الدفاع عن الصهيونية على حد وصف وتغطية الصحف في طهران.
كما يبين العرض العام للصحف أن الهدف الاستراتيجي لهذه التحركات، سواء كان الهجوم تلقائيا أو مدبرا، هو إعادة استراتيجية التظاهر بالمظلومية التي كانت الدعامة الأساسية لإقامة النظام الإسرائيلي وجرائمه في حق الفلسطينيين، إلا أن الصحف الإيرانية ترى أن هذه المحاولات باتت غير مجدية، حيث أن الكراهية العالمية للنظام بلغت أوجها تجاه أفعال إسرائيل خلال الأعوام الماضية، وتشير التقارير إلى أن مجموعات من الإخفاقات الدبلوماسية والإدانة العالمية الواسعة لحرب غزة أدت إلى شعور الإسرائيليين بالعزلة، كما أن الهجوم يأتي في وقت يشهد فيه الدعم العالمي لفلسطين أرقاما غير مسبوقة، كما يتضح من تجاوز وسم كل العيون على رفح 67 مليون مشاركة على إنستغرام.

وتؤكد التحليلات أن هذا الضعف الأمني على الساحة الدولية هو نتيجة طبيعية لحربها التي جعلت كل العالم يكره اليهود وإسرائيل، وإن محاولات نتنياهو لتبرير الجرائم بوصفها قتالا ضد معاداة السامية العالمية، هي محاولة واضحة لتبييض صفحة نظام بات متهما بالإبادة الجماعية على نطاق واسع، فهذه الحادثة، من وجهة نظر الصحف الإيرانية، تكشف عن الضعف العميق في نفوذ إسرائيل وأمنها، وأن العنف الذي زرعته في غزة بدأ يرتد عليها وعلى حلفائها في نهاية المطاف، ويمكن فهم التفاعل الإسرائيلي مع حادثة سيدني كمحاولة يائسة لتغيير وجهة رياح الرأي العام، فبدلا من معالجة مصدر العزلة، وهي الجرائم غزة، تحاول إسرائيل افتعال عاصفة إعلامية جديدة تشتت الانتباه، لكنها تجد أن فزاعة العنف الذي أطلقتها قد عادت لتضرب أمنها ونفوذها الدولي بشدة أكبر.

