صواريخ طهران وعزيمتها تكشفان هشاشة استراتيجية تل أبيب وتعززان النفوذ الإقليمي

نشرت صحيفة كيهان، لسان حال المرشد الإيراني علي خامنئي، مساء الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025، تقريرا أفادت فيه بأن مجلة فارن بوليسي الأمريكية أكدت فشل أهداف الحرب الإسرائيلية ضد إيران، وأن رهان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد باء بالفشل رغم إطلاقه واحدة من أكثر الحملات العسكرية جرأة في تاريخ النظام الإسرائيلي. وكانت هذه الحرب القصيرة والعنيفة في النهاية بعيدة جدا عن تحقيق أهدافها المعلنة.

ونقلت الصحيفة عن مجلة فارن بوليسي الأمريكية في تقرير بعنوان “الحرب الإسرائيلية ضد إيران كانت ذات نتائج عكسية”، تأكيدها أن الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل ضد إيران لمدة 12 يوما لم تحقق أهدافها رغم ادعاءاتها، كما ركز التقرير على النضال البطولي لجنود الوطن في مواجهة العدو الإسرائيلي.

وأضافت أن الحرب التي استمرت 12 يوما بين إسرائيل وإيران خلفت دمارا واسعا، بيد أن النتيجة الرئيسية تمثلت في إخفاق رهان نتنياهو. فرغم إطلاق واحدة من أكثر الحملات العسكرية جرأة في تاريخ إسرائيل، بقيت هذه الحرب القصيرة والشديدة بعيدة جدا عن تحقيق أهدافها المعلنة.

وشددت على أن القصة بدأت بهجوم إسرائيلي مخطط ومنظم بعناية. فقد أدت سنوات من العمل الاستخباراتي إلى موجة من العمليات السرية- من طائرات مسيرة جُهِزت داخل إيران، وخلايا نائمة نفذت تفجيرات، واغتيالات مستهدفة لشخصيات عسكرية وعلماء بارزين. واستمرت هذه الأفعال بهجمات جوية تقليدية على قواعد عسكرية ومنشآت نووية مثل نطنز وفردو.

وأبرزت أن أهداف إسرائيل كانت أبعد من البنية التحتية الاستراتيجية. فقد استُهدفت مناطق سكنية، وسجون، ومكاتب إعلامية، ومراكز شرطة، مما يشير إلى استراتيجية أوسع لزرع الفوضى وتأجيج الاضطرابات الداخلية.

وأوضحت أن الخسائر البشرية كانت مذهلة، حيث بلغ عدد الشهداء في إيران ما لا يقل عن 610 أشخاص، بينهم 49 امرأة، و13 طفلا، وخمسة من العاملين في القطاع الصحي. كما أصيب 4,746 شخصا بجروح، من بينهم 20 من العاملين في المجال الصحي. كما تعرضت البنية التحتية الطبية لأضرار كبيرة، حيث كانت المستشفيات وسيارات الإسعاف ومنشآت الطوارئ أهدافا للهجمات.

وأشارت إلى أن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية أدت إلى مقتل 28 شخصا على الأقل وإصابة أكثر من 3,200 آخرين في إسرائيل، بالإضافة إلى تشريد أكثر من 9000 من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بعشرات المنازل والمباني العامة.
وأوردت أنه مع انحسار الغبار، تبقى الخسائر الحقيقية داخل إيران غير واضحة تماما، ما يُبرز المعضلة الأساسية التي تواجهها إسرائيل وحلفاءها الأمريكيين: فالقوة العسكرية وحدها لا تكفل تحقيق النجاح الاستراتيجي.

وتابعت أنه رغم وعد نتنياهو بتدمير برامج إيران الصاروخية والنووية، وأمله الخفي في تغيير النظام، فإن إيران ردّت بسرعة، حيث أطلقت صواريخ باتجاه المدن والأهداف الاستراتيجية في إسرائيل. وبعد تدخل الولايات المتحدة بقصف المنشآت النووية الإيرانية، صعّدت طهران التوترات أكثر عبر استهداف قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، ما دفع واشنطن إلى التورط بشكل أعمق في الأزمة.

وأردفت أنه رغم كون الهجوم معلنا وتأثيره محدودا، فقد حمل رسالة واضحة، مفادها أن إيران قادرة على توسيع نطاق الصراع إلى ما وراء حدودها.

وأكدت أنه لا توجد حتى الآن أي دلائل تثبت أن قدرة إيران على تجاوز العتبة النووية قد تضررت بشكل كبير، وأن الأهداف الرئيسية لنتنياهو، والمتمثلة في تقليص قدرة الردع الإيرانية ودفع الأجزاء الأكثر خطورة من برنامج إيران النووي إلى التراجع، لم تتحقق.

وبيّنت أن أحد أبرز الإخفاقات في الملف النووي قد وقع، إذ لا توجد أي دلائل مؤكدةً أن قدرة إيران على التهرب النووي قد تضررت بشكل جوهري. وبينما يصرّ مسؤولو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن هذه الهجمات أخّرت برنامج إيران النووي لعدة سنوات، تكشف التقييمات الاستخباراتية الأولية الأمريكية والأوروبية عن صورة مغايرة.

وأبرزت أن صور الأقمار الصناعية التي التُقطت قبل الهجمات كانت تشير إلى احتمال قيام شاحنات بنقل معدات حساسة من المواقع الرئيسية. كما أعلنت إيران في وقت سابق، عن بناء منشأة تخصيب جديدة، سرية ومحصنة، قد تكون لم تتضرر. والأهم من ذلك، أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إلى جانب أجهزة الطرد المركزي المتقدمة- وهما من العناصر الأساسية لإنتاج السلاح النووي- لا يزالان سليمين ولم يتعرضا لأي ضرر يُذكر.

وأبلغت أن العديد من المحللين حذّروا قبل اندلاع الحرب من أن التأكد من وقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية النووية الإيرانية دون إجراء تفتيش ميداني أو شنّ غزو عسكري شامل يُعد أمرا مستحيلا. وأن غياب هذين الخيارين يجعل برنامج إيران النووي يدخل مرحلة أكثر غموضا واستعصاء على التنبؤ.

وأفادت بأن هذا الغموض بدأ يتجلى فعليا، إذ أقرّ البرلمان الإيراني قانونا بعد يومين فقط من إعلان وقف إطلاق النار، يقضي بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وجاء تصريح أحد أعضاء البرلمان لافتا وصادما، إذ قال: “لماذا التزمتم الصمت عندما تعرّضت منشآتنا النووية للهجوم؟ لماذا سمحتم بذلك؟ والآن تريدون العودة للتفتيش، لمعرفة المواقع المتضررة من غيرها، ثم تستهدفونها مجددا؟”.

وبيَّنت أنه في مواجهة هذا الوضع، تبدو طهران مستعدة لتبني استراتيجية الغموض النووي، وهي نهج يشبه السياسة التي تتبعها إسرائيل، والقائمة على عدم الإفصاح الكامل عن قدراتها النووية ومنع وصول المفتشين. وقد تكون الإجراءات التي اتخذتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل قد ساهمت في تطبيع فكرة امتلاك إيران للسلاح النووي.

وذكرت أن هذا الحدث يُشكّل بداية فصل جديد وخطير؛ إذ إن استهداف المواقع النووية، في وقت ما تزال فيه المطالبات بالتفتيش وفرض العقوبات قائمة، يُظهر كيف قوّضت الولايات المتحدة وإسرائيل منطق الدبلوماسية الرامية إلى منع الانتشار النووي. وبمفارقة ساخرة، قد تكون خطواتهما قد أسهمت، أكثر من أي إجراء اتخذته طهران، في تطبيع فكرة امتلاك إيران للسلاح النووي.

وأضافت أنه، رغم غموض النتائج النهائية في الملف النووي، فإن القدرات الصاروخية الإيرانية عُرضت بوضوح لا يمكن إنكاره؛ إذ نجحت الصواريخ الباليستية الإيرانية في اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية، واستهدفت قواعد عسكرية، ومراكز استخباراتية، ومصافي نفط، ومراكز بحثية.

وتابعت أن الرقابة الإسرائيلية، التي قلّصت التغطية الإعلامية بشكل كبير، لم تُخفِ حجم الخسائر، إذ سُجّل أكثر من 41.000 طلب تعويض عن أضرار الحرب.

ولفتت إلى أن الخسائر المادية والاقتصادية كانت كبيرة أيضا، حيث أغلق مطار بن غوريون في إسرائيل، وتراجعت الأنشطة الاقتصادية بشكل حاد، وازداد هروب رؤوس الأموال. وقد استُهلكت أنظمة الدفاع الصاروخي مثل آرو وتاد بشكل كبير، مع تقديرات تشير إلى أن إسرائيل استعملت على الأقل 500 مليون دولار من صواريخ الاعتراض تاد الأمريكية الصنع.

وصرح مستشار ترامب السابق، ستيف بنن، بأن وقف إطلاق النار كان ضروريا لإنقاذ إسرائيل، لأنها تلقت ضربات شديدة وكانت مخزوناتها الدفاعية على وشك النفاد. واعترف ترامب نفسه بأن إسرائيل تعرضت لهجوم شديد للغاية.

ونوَّهت إلى أن حملات إيران الصاروخية بدت دقيقة ومحسوبة بعناية؛ فبعد الهجوم الإسرائيلي بطائرات مسيّرة على مصفاة نفط في حقل الغاز بجنوب بارس، ردّت إيران باستهداف مصفاة في حيفا. كما أنه، وبعد الغارات الجوية الإسرائيلية على مراكز بحثية داخل إيران يُشتبه في تورطها بأنشطة نووية، ردّت طهران باستهداف معهد وايزمان للعلوم، ويُعتقد منذ فترة طويلة أنه مساهم في البرنامج النووي الإسرائيلي.

ودلّت على أن ما يتجاوز ساحة القتال هو ما خلّفته هذه الحرب من آثار اجتماعية وسياسية بارزة داخل إيران. فعكس التوقعات التي رجّحت انهيار النظام، أدّت الحرب إلى تعزيز قوي في الشعور القومي، لتتحول إلى لحظة وحدة وطنية جامعة.

ولفتت إلى أنه في الوقت الذي كان فيه بعض الإيرانيين يأملون تحقيق تقدم دبلوماسي ملموس مع الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان، الذي خاض الانتخابات بشعار الدبلوماسية، وتعرّضت إيران لسلسلة من عمليات القصف المتكررة.

وأوردت أن توقيت الحرب عزز من شعور الوحدة الوطنية في إيران، إذ جاءت في وقت كانت فيه إيران منخرطة في مفاوضات نووية مع إدارة ترامب. وكان بعض الإيرانيين يأملون أن يؤدي انتخاب الرئيس الإصلاحي بزشکیان، الذي تبنّى شعار الدبلوماسية والنهضة الاقتصادية، إلى تحقيق تقدم ملموس. لكنهم رأوا وطنهم يُقصف في الوقت الذي كانوا يأملون فيه بالحوار.

وسلَّطت الضوء على أن ردّ فعل المجتمع الإيراني كان واسعا، إذ تعبّأ طيف كبير من الناس- من الفنانين والرياضيين إلى العديد من شباب الجيل زد- لدعم وطنهم. وقد فتحت العائلات أبواب منازلها للاجئين، فيما عززت شهادات وفاة الأطفال، والأطباء، والمواطنين الأبرياء جرّاء الهجمات الإسرائيلية العشوائية الاعتقاد بأن هذه الحرب لم تكن بهدف تحرير الإيرانيين كما يزعم العدو، بل كانت ترمي إلى تفكيك إيران.

وأكدت أن هذه الحرب قد تُعزز في النهاية مكانة إيران على الصعيدين الإقليمي والدبلوماسي.

وأبرزت أن الاعتقاد السائد بين العديد من المسؤولين في واشنطن بأن المزيد من الضغوط الخارجية كفيلة بإسقاط نظام إيران قد أصبح فاقدا لكل مصداقية. وبدأ نتنياهو هذه الحرب بهدف القضاء على التحدي الاستراتيجي الذي تمثله إيران، لكنه بدلا من ذلك كشف عن نقاط ضعف إسرائيل، وعزز الولاء الوطني لدى الإيرانيين، وفشل في تقويض القدرات العسكرية والنووية لإيران.

وفي الختام أشارت المجلة أيضا إلى أنه بشكل متناقض، قد تسهم هذه الحرب في تعزيز مكانة إيران على المستويين الإقليمي والدبلوماسي. ورغم إصرار ترامب وممثله ستيف ويتكوف على ضرورة تخلي إيران عن كل عمليات تخصيب اليورانيوم، تتمسك طهران بحقها الثابت في ذلك، حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بشكل واضح، أن إيران لن تتخلى عن هذا الحق أبدا.