ظريف يفتح ملفات برجام.. اتهم موسكو بتسريب المعلومات وهجوم أصولي عليه

كتب: الترجمان

عاد الجدل مجدداً في الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية حول “آلية الزناد” المرتبطة بالاتفاق النووي الإيراني، بعد تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، اتّهم فيها روسيا بأنها صاحبة فكرة إدراج هذه الآلية في نصّ الاتفاق، لكنّ الردّ الروسي لم يتأخر، إذ خرج وزير الخارجية سيرغي لافروف لينفي تلك الرواية، مؤكداً أن موسكو كانت أول من حذّر من خطورتها.

هذه السجالات الجديدة فتحت الباب أمام نقاش أوسع في الداخل الإيراني حول طبيعة العلاقة بين طهران وموسكو، وحول موقع روسيا في معادلة الاتفاق النووي منذ بدايته وحتى الآن، خاصة في ظلّ التقارب الكبير الذي يشهده البلدان خلال السنوات الأخيرة على خلفية العقوبات الغربية المفروضة عليهما معاً.

تصريحات ظريف: اتهام مباشر لموسكو

في مقابلة مطوّلة نُشرت مؤخراً، قال محمد جواد ظريف إن “آلية الزناد” التي تسمح لأي طرف في الاتفاق النووي بإعادة فرض العقوبات على إيران دون الحاجة إلى تصويت جديد في مجلس الأمن، كانت فكرة روسية الأصل، وتمّ تضمينها في نص الاتفاق بناء على اقتراح تقدّمت به موسكو أثناء المفاوضات.

وأوضح أن إدراج هذه الآلية كان من أكبر الأخطاء في بنية الاتفاق، لأنها أتاحت للولايات المتحدة استخدام البند لاحقاً لإعادة العقوبات ضد إيران بعد انسحابها من الاتفاق عام 2018، معتبراً أن هذا البند ألغى عملياً ميزة التوافق الجماعي في مجلس الأمن وسمح بتجاوز حق الفيتو.

وأضاف أن بلاده دفعت ثمن الثقة المفرطة ببعض الشركاء خلال التفاوض، في إشارة واضحة إلى روسيا والصين، مضيفاً أن إيران دخلت المفاوضات النووية وهي تفترض أن حلفاءها سيقفون إلى جانبها، لكن بعض البنود القانونية جرى تمريرها بطريقة معقّدة لم تكن في صالح طهران على المدى البعيد.

وأوضح ظريف أن الوثائق المنشورة في كتابه السرّ المختوم تثبت أن الولايات المتحدة والدول الخمس الأخرى كانت تعتبر مجلس الأمن أداتها الأساسية للضغط، وقال: “في الاجتماعات، كان لافروف يؤكد أنه لن يسمح لأحد بسلب حقّ الفيتو من روسيا، واليوم يدّعي أنني أنا من فعلت ذلك! التزمت الصمت طويلاً، لكن الوقت حان لتوضيح الحقيقة”.

ثم روى ظريف تفاصيل مشادة مباشرة مع لافروف، قائلاً: “قال لي لافروف: جواد، لن يمنحوك أكثر من خمس سنوات في ملف حظر الأسلحة، فهل تقبل أم لا؟ قلت: لا. قال: إذا لماذا تضيع وقتنا؟ هل لديك تفويض من طهران؟ فأجبته بحدة: هذا لا يعنيك. وفي تلك الليلة تمّ إنجاز الاتفاق النووي، رغم أنه كان قد تلقّى تعليمات بعدم السماح بإنهائه. وبعد عودته إلى موسكو، صرّح بأن روسيا كانت تعارض الحظر التسليحي لكنّ ظريف أجبرها على القبول! واليوم يكرّر البعض هذا الادعاء داخل إيران”. 

وأضاف ظريف أن الروس هم من سرّبوا خبر زيارة قاسم سليماني إلى موسكو، وكذلك خبر إرسال المسيّرات الإيرانية إلى روسيا خلال حرب أوكرانيا، في حين أنني أجريت مع قاسم سليماني محادثات في العراق وتركيا لم تتسرّب منها أي معلومة.

وأكد ظريف، بصفته رئيس الفريق الإيراني المفاوض في الاتفاق النووي، أنه لا يزال يؤمن بالعلاقات الاستراتيجية مع روسيا والصين، لكنه أوضح أن هاتين الدولتين لا تتحركان لمصلحة إيران.

ردّ لافروف: نبهنا مبكراً من الخطر

لم تمرّ هذه التصريحات مرور الكرام في موسكو، فقد ردّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحفي قائلاً: “ما يقوله السيد ظريف غير صحيح على الإطلاق.. نحن لم نقرر آلية الزناد، بل على العكس، نبّهنا شركاءنا الإيرانيين منذ البداية إلى خطورتها”.

وأشار لافروف إلى أن هذه الآلية تلتفّ على حقّ النقض (الفيتو) الذي تتمتع به الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وتسمح بإعادة فرض العقوبات من دون تصويت جديد، وهو أمر غير مسبوق في القانون الدولي.
وأكد الوزير الروسي أن بلاده كانت ولا تزال ترى أن إدراج مثل هذه البنود في الاتفاقات الدولية يهدد الاستقرار ويُضعف دور الأمم المتحدة.

تصريحات لافروف جاءت لتدعم ما سبق أن أشار إليه عدد من المسؤولين الإيرانيين السابقين أنفسهم، ومنهم علي أكبر صالحي، الرئيس الأسبق لمنظمة الطاقة الذرية وعضو الفريق المفاوض في عهد حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي قال إن روسيا كانت قد لاحظت منذ تصميم هذه الآلية في الاتفاق النووي، أنها تُلتفّ بذكاء على حقّ النقض (الفيتو) الذي تتمتع به الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بحيث لا تملك أي دولة، حتى موسكو وبكين، القدرة على تعطيلها. 

وأشار صالحي إلى أن روسيا في ذلك الوقت اعترضت على هذه الصيغة، لأنها رأت فيها مساساً بحقّ الفيتو السيادي لها.

Image

آلية الزناد: بند قانوني مثير للجدل

تُعدّ “آلية الزناد” أو ما يُعرف رسمياً بـ”آلية إعادة فرض العقوبات” أحد أكثر بنود الاتفاق النووي الإيراني إثارة للجدل. وبحسب نص الاتفاق، فإن أي طرف مشارك يمكنه، في حال اعتقاده بوجود انتهاك من قبل إيران، رفع شكوى إلى مجلس الأمن، لتُعاد تلقائياً العقوبات السابقة إذا لم يتم التوصل إلى حل خلال مهلة زمنية محددة، من دون الحاجة إلى تصويت جديد.

وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا البند عام 2020 لإعلان إعادة فرض العقوبات الأممية على طهران، رغم انسحابها من الاتفاق، ما أثار خلافات قانونية واسعة داخل الأمم المتحدة.

وبينما يعتبر مؤيدو الاتفاق أن وجود هذه الآلية كان شرطاً لا مفرّ منه لإقناع الغرب بالتوقيع، يرى منتقدوها أنها كانت بمثابة “لغُم قانوني” أُدرج في الاتفاق وأفقد إيران جزءاً كبيراً من مكاسبها.

جدل داخلي في طهران

أثارت تصريحات ظريف وردّ لافروف تفاعلات واسعة داخل إيران. فقد اعتبرت صحيفة كيهان، لسان حال المرشد الإيراني علي خامنئي، أن اتهام روسيا بالفبركة محاولة من ظريف للتنصّل من مسؤولية سياسية يتحمّلها فريقه التفاوضي.

وتساءلت الصحيفة عن عدة نقاط جوهرية، قائلة: هل كانت آلية الزناد موجودة فعلاً ضمن الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن رقم 2231؟ ولماذا أنكر الفريق التفاوضي وجود هذه الآلية المدمّرة على مدى سنوات طويلة؟ ومن الذي ضغط على تضمينها في الاتفاق، ومن استفاد منها في النهاية إذا لم تكن الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث هي المستفيد الأول؟ ولماذا لم تعترض طهران حينها على هذه الصياغة لتغلق الطريق أمام خيانة الغرب وتخليه عن التزاماته؟

كما طرحت تساؤلات حول الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، مشيرة إلى أن روسيا والصين كانت الطرفين الوحيدين اللذين عارضا تفعيل آلية الزناد واعتبرتاه إجراءً غير قانوني، في حين لم تقم باقي الأطراف بذلك. 

وأضافت: من المسؤول فعلياً عن خرق الاتفاق وانتهاك حقوق إيران وإعادة العقوبات بشكل مضاعف؟ هل كانت روسيا والصين، أم الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث التي وثق بها فريق التفاوض الإيراني بشكل مطلق واعتبر اتباع سياساتها بمثابة “الفتح المبين”؟

واختتمت بالقول: بعد أن أكدت إيران بحقها أن الخرق الكامل للاتفاق من قبل الغرب يجعل هذه الأطراف محرومة قانونياً من تفعيل آلية الزناد، ووقفت روسيا والصين إلى جانبها دعماً لهذا الموقف، يثار التساؤل عن سبب توجيه الانتقادات اليوم إلى موسكو وبكين بدلاً من واشنطن ولندن وباريس وبرلين.

وأشارت “كيهان” إلى أن هذه التناقضات تطرح علامة استفهام كبيرة حول سوء الفهم أو تجاهل الحقائق المتعمد، قائلة: بعد كل الخسائر التي تكبدتها إيران طوال عقد كامل بسبب الاتفاق، لماذا تُهاجَم اليوم الدول المتحالفة مع طهران والتي تشترك معها في المصالح الاستراتيجية، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز تحالفاتها لمواجهة تهديدات الغرب وعقوباته؟

أما صحيفة جوان، المقرّبة من الحرس الثوري، فذهبت إلى القول إن ظريف يحاول إعادة كتابة التاريخ السياسي للاتفاق النووي بطريقة تُبرّئ إدارته من الأخطاء الجوهرية التي ارتكبتها. 

في المقابل، رأت صحيفة اعتماد الإصلاحية أن موقف لافروف لا يخلو من محاولة تبرئة الذات، معتبرة أن روسيا استخدمت نفوذها أثناء المفاوضات للحفاظ على مصالحها الخاصة في الملف النووي، وأنها لم تكن حريصة على الدفاع عن مصالح إيران إلا بقدر ما يخدم توازناتها مع الغرب.

أما موقع تابناك فاعتبر أن الخلاف الراهن ليس إلا انعكاساً لصراع سياسي داخلي بين تيارين داخل إيران: تيار يسعى لتقوية العلاقات مع موسكو وبكين، وآخر يرى أن الاعتماد المفرط على الشرق قد يضر بالمصالح الوطنية.

ومن جانبه، كتب النائب الأصولي في البرلمان الإيراني حميد رسائي عبر حسابه على منصة إكس: “علي ربیعي يقول: “دعونا نربط وقود الصواريخ بموافقة الشعب”، وجواد ظريف يقول: “الصواريخ مهمة جدا لكن الشعب أهم”، ومسعود بزشکیان يقول: “لو كان لدينا صواريخ لكن لم نكن نملك الشعب، فلن نكون قوة”.

وأضاف رسائي موجّهاً رسالة للسادة المعنيين: لماذا تصنعون ثنائية بين الصواريخ والشعب؟ هل الصواريخ ضدّ الشعب؟ أم هي مدافع عنهم؟ وتابع مشيراً إلى أن هذه التصريحات تفوح منها رائحة “برجامات صاروخية”. فإذا كنتم فعلاً حريصين على الشعب، فلتعملوا على توفير احتياجاته الأساسية: لا تقطعوا الكهرباء ولا الغاز، وتتصرفوا بحزم مع المخالفين، وألزِموا البنوك بمنح التسهيلات اللازمة، وهكذا تضمنون حماية الناس وحياتهم اليومية.

Image

إعادة قراءة العلاقات الإيرانية- الروسية

تأتي تصريحات ظريف في وقت تتعزَّز فيه الشراكة الاستراتيجية بين طهران وموسكو في مجالات الطاقة والدفاع والاقتصاد، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا وتصاعد الضغوط الغربية. 

ويكشف الخلاف الأخير حول “آلية الزناد” عن تيار داخل النخبة الإيرانية يعيد تقييم التحالف مع روسيا، مشيراً إلى أن إيران قدّمت تنازلات كبيرة دون فوائد استراتيجية واضحة. وتحوّلت هذه الآلية من بند قانوني إلى مرآة لتوازنات القوة والتحالفات، وإلى أداة لإعادة فتح ملفات قديمة في العلاقة الإيرانية- الروسية.