رئيس الوزراء الإيراني.. الذي لا وجود له!

كتب: الترجمان

الترجمة السياسية كالسير على حبل مشدود بين حقيقتين: حقيقة النص، وحقيقة الواقع، وخطأ صغير في ترجمة لقب أو مصطلح قد يُغيّر دلالة جملة كاملة، أو يُدخل بلدا في أزمة إعلامية دون قصد.

وأنا، بحكم عملي في ترجمة التقارير الفارسية بموقع “زاد إيران”، شهدت عشرات المواقف التي تؤكد أن الكلمة السياسية ليست مجرد مفردة… بل خارطة دولة.

أذكر أنني في أحد الأيام كنت أراجع تقريرا مطوّلا من وكالة إيرانية يتحدث عن جلسة الحكومة الأسبوعية في طهران. بدا كل شيء عاديا حتى وقعت عيني على العنوان العربي المنشور:
“رئيس الوزراء الإيراني يترأس اجتماع الحكومة لمناقشة الموازنة الجديدة”.

توقفت. رئيس الوزراء؟! 

أحسست أنني أمام شبح سياسي عاد من سباته الطويل، ففتحت النص الفارسي الأصلي بسرعة  لأتأكد من العبارة، فوجدت الجملة واضحة:
“رئیس دولت جمهوری اسلامی ایران”، أي “رئيس حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، وهي ببساطة رئيس الجمهورية نفسه، لا رئيس وزراء.

هنا بدأت الحكاية، فاستدعيت المترجم الذي أنجز المادة، وسألته بلطف:
– لماذا ترجمتها إلى “رئيس الوزراء الإيراني”؟
فقال بثقة:
– لأن “رئيس الحكومة” بالعربية لا تُستخدم كثيرا، والأقرب لذهن القارئ أن نقول “رئيس الوزراء”.

ابتسمت وقلت له:
– جميل، لكنك بهذه الترجمة لم تُقرّب المعنى من ذهن القارئ… بل أبعدت التاريخ عنه ثلاثين سنة على الأقل.

ثم جلست أشرح له القصة التي يبدو أن كثيرا من المترجمين يجهلونها:
في عام 1989، وبعد وفاة الإمام الخميني وتولي علي خامنئي منصب المرشد الأعلى لإيران، أُجري تعديل دستوري مهم ألغى منصب رئيس الوزراء تماما. منذ ذلك التاريخ، أصبحت السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية، يعاونه نائب الرئيس والوزراء. أي أن “رئيس الوزراء” لم يعد موجودا في النظام الإيراني نهائيا، بل صار جزءا من الذاكرة السياسية.

لكنّ المترجمين، كما يبدو، يحتفظ بعضهم في قواميسه بـ”بقايا العهد القديم”، فيُصرّ على أن لكل حكومة رئيس وزراء حتى لو لم يبقَ له مكتب ولا توقيع ولا طابع رسمي. والأدهى أن بعض المواقع العربية تنسخ الخطأ دون تدقيق، فتنتشر الأخبار بعناوين مثل: رئيس الوزراء الإيراني يلتقي بوتين، ورئيس الوزراء الإيراني يبحث أزمة الطاقة.

ولو قرأها إيرانيّ، لظن أن البلاد عادت إلى ثمانينيات القرن الماضي!

وليس هذا الخطأ الوحيد من نوعه، فهناك سلسلة من الألقاب والمصطلحات التي تحتاج فهما دقيقا للسياق الإيراني.
فـ”رئیس دولت” لا يعني “رئيس الوزراء”، و”دولت” لا تعني الدولة فحسب بل الحكومة التنفيذية، و”هیأت دولت” ليست “مجلس الدولة” بل “مجلس الوزراء”، و”وزیر کشور” لا تعني “وزير الدولة” بل “وزير الداخلية”.
كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تُمثّل روح النظام السياسي في إيران، ومن يخطئ فيها فقد يغيّر المعنى كليا دون أن يشعر.

الترجمة السياسية ليست تسلية لغوية، بل مسؤولية معرفية. المترجم هنا ليس مجرد ناقل أخبار، بل شاهد على شكل الحكم وتفاصيل الدستور، ومَن لا يقرأ خلفية النظام الذي يترجم عنه، فترجمته كمن يكتب خريطة بمداد الخيال.

الترجمة، في النهاية، ليست فقط علم نقل الكلمات، بل فن إنقاذ المعنى من سوء الفهم، والمترجم السياسي، أكثر من غيره، مطالب بأن يعرف التاريخ قبل أن يكتب الجملة، فكلمة واحدة قد تُحيي منصبًا من الماضي، أو تُسقط حكومة في الحاضر.

وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.