على أي أساس تم تشكيل “مجلس الدفاع الوطني” وما مهامه؟ وما رد فعل الولايات المتحدة وروسيا؟

كتب: ربيع السعدني 

في خطوة تاريخية تعكس الرؤية الاستراتيجية لمواجهة التحديات الأمنية والعسكرية في إيران، أعلنت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي عن إنشاء “مجلس الدفاع الوطني”، وهو هيئة عليا تهدف إلى قيادة وتنسيق الجهود الأمنية والدفاعية للبلاد في مواجهة أي تهديدات محتملة.

هذا القرار، الذي جاء بقرار من رئيس الجمهورية وتأييد المرشد الأعلى علي خامنئي، يعكس إدراكا عميقا لأهمية الاستعداد الشامل لحماية السيادة الوطنية وتعزيز قدرات القوات المسلحة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يأتي هذا الإعلان في أعقاب تجارب تاريخية وتحديات معاصرة، ليرسم خارطة طريق جديدة للأمن القومي، حيث يتكامل العمل العسكري والسياسي تحت مظلة قيادة موحدة.

تأسيس المجلس وأهدافه الاستراتيجية

وفقا للبيان الصادر عن الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي، يهدف مجلس الدفاع الوطني إلى وضع خطط دفاعية متكاملة ورفع كفاءة القوات المسلحة، مع التركيز على التنسيق العسكري والاستراتيجي بين مختلف المؤسسات الوطنية.

يترأس المجلس رئيس الجمهورية، ويضم في عضويته رؤساء السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، والقضائية)، إلى جانب قادة القوات المسلحة وممثلين عن وزارت محددة ذات صلة بالأمن والدفاع، هذا التكوين يعزز من قدرة المجلس على اتخاذ قرارات سريعة وفعّالة في أوقات الأزمات.

يأتي تشكيل هذا المجلس في إطار الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور، حيث يُعتبر هيئة فرعية تابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي. وتخضع قراراته لموافقة القائد الأعلى، مما يضمن التوازن بين السلطات ويعزز من شرعية القرارات المتخذة.

لماذا الآن؟ 

تشكيل المجلس في هذا التوقيت ليس اعتباطيا، بل يأتي استجابة للتحديات الأمنية المتزايدة، خاصة بعد حرب الـ 12 يوما بين إيران وإسرائيل، والتي كشفت عن الحاجة الماسة إلى هيئة موحدة لقيادة العمليات العسكرية والدفاعية. 

هذه الخطوة تعكس رؤية استباقية لمواجهة أي تهديدات مستقبلية، سواء كانت خارجية أو داخلية، مع ضمان التنسيق بين مختلف الأجهزة لتحقيق أعلى درجات الكفاءة.

العمود الفقري للأمن الداخلي

تأسيس ومهام مجلس الأمن القومي: تأسس مجلس الأمن القومي (شاك) في 30 أغسطس/آب 1983، وأُعيد تنظيمه بعد مراجعة الدستور في عام 1989 ليصبح هيئة فرعية تابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي. يتولى هذا المجلس مهاما حيوية تشمل:

ضمان الأمن الداخلي: من خلال وضع استراتيجيات شاملة للحفاظ على الاستقرار داخل البلاد.

حماية الشخصيات: تحديد إطار حماية الشخصيات البارزة، باستثناء الشخصيات من الطراز الأول التي تُدار حمايتها مباشرة من المجلس الأعلى.

تنسيق الأجهزة الأمنية: ضمان التعاون بين القوات الأمنية والشرطية لتعزيز الأمن على المستويين الوطني والإقليمي.

إدارة الأسلحة والذخائر: وضع ضوابط لمنح تراخيص حمل وتخزين الأسلحة والمواد المتفجرة غير العسكرية، إلى جانب جمع الأسلحة غير المرخصة.

مواجهة التحديات الأمنية: دراسة التطورات الأمنية الرئيسية واتخاذ قرارات منسقة للوقاية من الأزمات ومعالجتها.

آلية العمل

يعقد المجلس اجتماعاته بشكل دوري كل أسبوعين، برئاسة وزير الداخلية، مع إمكانية عقد اجتماعات طارئة بناء على اقتراح الوزير أو ثلث أعضاء المجلس. 

وفي حال ارتباط الموضوع المطروح بجهة تنفيذية معينة، يُلزم حضور أعلى مسؤول في تلك الجهة.

تكوين المجلس

يضم المجلس نخبة من كبار المسؤولين، بما في ذلك:

وزير الداخلية (رئيس المجلس).

ممثل عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

قادة الجيش، الحرس الثوري، والشرطة.

وزير الاستخبارات.

ممثلون عن السلطة القضائية أو التشريعية عند الضرورة.

يُشار إلى أن المجلس يعمل كجهة استشارية، حيث تُتخذ القرارات النهائية من قبل وزير الداخلية، مما يعزز من سرعة اتخاذ القرار في القضايا الأمنية.

مجلس الدفاع الوطني: من التاريخ إلى الحاضر

الجذور التاريخية: يعود تاريخ مجلس الدفاع الوطني إلى ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حيث تولى المجلس الأعلى للدفاع والأمن القومي مسؤولية قيادة الجيش وإدارة الأمن الوطني.

خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، أوكلت إليه مهمة قيادة العمليات الحربية، بتكليف مباشر من الخميني، وفي خطابه التاريخي، أكد الإمام على ضرورة خضوع جميع القوات المسلحة لأوامر المجلس، مع تحديد مهام دقيقة شملت:

• إدارة المناطق الحربية.

• الإشراف على الإعلام والدعاية المتعلقة بالحرب.

• تنسيق السياسة الخارجية المرتبطة بالدفاع.

• منع أي تدخلات غير مصرح بها في شؤون الحرب.

التطورات الحديثة: بعد مراجعة الدستور عام 1989، تم حل المجلس الأعلى للدفاع، وانتقلت صلاحياته إلى القائد الأعلى وفق المادة 110 من الدستور. واليوم، يُعاد تشكيل مجلس الدفاع الوطني تحت مظلة المجلس الأعلى للأمن القومي، ليصبح هيئة متخصصة في القضايا العسكرية والدفاعية.

أهمية إعادة التشكيل: إعادة تشكيل المجلس في الوقت الحالي تأتي كرد فعل استراتيجي على التحديات الأخيرة، وبالأخص الحرب التحميلية التي استمرت 12 يوما، هذه التجربة أظهرت الحاجة إلى هيئة مركزية لقيادة العمليات العسكرية، ليس فقط للتنسيق، بل لتوجيه القوات المسلحة وإدارة الأزمات بكفاءة عالية.

مميزات التكوين الجديد:

القيادة الموحدة: برئاسة رئيس الجمهورية، يضمن المجلس اتخاذ قرارات سريعة ومنسقة.

تجنب التداخل: بعكس التجارب السابقة، يُتوقع أن يعمل المجلس بتناغم مع المجلس الأعلى للأمن القومي، بحيث يركز الأخير على الجوانب السياسية والاستراتيجية، بينما يتولى مجلس الدفاع القضايا العسكرية.

تمثيل شامل: يضم المجلس قادة السلطات الثلاث وممثلي الوزارات ذات الصلة، مما يعزز من شمولية القرارات.

تعزيز الجاهزية الوطنية

تشكيل مجلس الدفاع الوطني يمثل نقطة تحول في استراتيجية الأمن القومي، حيث يعكس التزاما بتعزيز القدرات الدفاعية والاستعداد لمواجهة أي تهديدات محتملة، مع التكامل بين هذا المجلس ومجلس الأمن القومي، يُتوقع أن تتجنب البلاد أي موازاة في العمل، وأن تحقق تنسيقا عالي المستوى بين الأجهزة العسكرية والأمنية والسياسية، وفقا لما وصف عضوان في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني تشكيل مجلس الدفاع الوطني بأنه خطوة ذكية وفي الوقت المناسب وضرورية، وأكدا أن هذا المجلس سيعمل على تسريع القرارات والإجراءات اللازمة في حالات الحرب.

في تصريحات إعلامية لوكالة أنباء “إرنا” أكد علاء الدين بروجردي، السياسي المخضرم وعضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، أن تشكيل مجلس الدفاع الوطني يمثل خطوة استراتيجية حيوية في ظل التحديات التي تفرضها الظروف الحربية الراهنة. 

وأوضح أن هذا المجلس، الذي يعمل تحت مظلة المجلس الأعلى للأمن القومي، يهدف إلى تعزيز التنسيق وتسريع اتخاذ القرارات العسكرية والدفاعية بدقة وفعالية، وأشار بروجردي إلى أن المجلس يستفيد من خبرات قادة الحرب المخضرمين لدعم السياسات الدفاعية، معربا عن تفاؤله بقدرته على مواجهة التحديات الأمنية بقوة وحسم.

ومن جانبه، شدد العميد إسماعيل كوثري، عضو لجنة الأمن القومي، على أهمية هذا المجلس في ظل الحاجة إلى قرارات سريعة ومنسقة خلال أوقات الحرب، وأكد أن مجلس الدفاع الوطني، المستلهم من تجربة مجلس الدفاع الأعلى خلال سنوات الدفاع المقدس، يعكس استجابة ذكية لمتطلبات الميدان. 

وأضاف أن المجلس سيعمل على تصميم استراتيجيات دفاعية تتسم بالمرونة والقدرة على مفاجأة الأعداء، مع الحفاظ على نهج إيران الدفاعي الثابت والأخلاقي في مواجهة التهديدات.

رد فعل أمريكا وروسيا 

ردا على تشكيل مجلس الدفاع في إيران، قالت المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس إن واشنطن على علم بتشكيل هذا المجلس، جاء ذلك خلال سؤالها من قبل أحد المراسلين في مؤتمر صحفي عُقد يوم الثلاثاء 5 أغسطس/ آب 2025 بالتوقيت المحلي عن رأي الولايات المتحدة؟ وهل يشير هذا إلى أن الإيرانيين يستعدون لمزيد من تصعيد التوترات؟ وأضافت بروس، “نحن على علم بالتقارير التي تتحدث عن إنشاء هذا المجلس الدفاعي الجديد، بطبيعة الحال، بعد حرب الـ12 يوما، من الصراع العسكري بين إيران وإسرائيل”.

وفي هذا السياق أكد خبير روسي بارز في المجلس الروسي للشؤون الدولية، كيريل سيمينوف، أن هذا المجلس يمثل “تحديثا هيكليا ذكيا” يهدف إلى تعزيز الاستعداد لمواجهة التهديدات الخارجية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، جاء ذلك خلال حديثه لصحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الروسية.

وأوضح سيمينوف أن المجلس الجديد سيُركز بشكل حصري على قضايا الدفاع، مما يُجنب القادة العسكريين والمسؤولين المدنيين التورط في نقاشات غير ضرورية حول أولويات أخرى، وأشار إلى أن هذا التحول يأتي كجزء من الاستعدادات لمواجهة محتملة مع “أعداء” مثل إسرائيل، خاصة بعد عمليات مثل تلك التي شهدتها المنطقة في يونيو/حزيران 2025.

وأضاف أن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كان يعاني سابقا من تراكم القضايا غير الدفاعية على جدول أعماله، مما أعاق الكفاءة، أما الآن، فإن “مجلس الدفاع” سيوفر آلية واضحة لصنع القرار، مع تحديد دقيق للمسؤوليات، مما يُعزز سرعة وفعالية الاستجابة في حالات الطوارئ.

تُعد هذه الخطوة، بحسب الخبير الروسي، بمثابة إشارة واضحة إلى تصميم إيران على تقوية دفاعاتها، حيث يُركز المجلس على إدارة فعالة للأزمات المحتملة، مما يعكس رؤية استراتيجية لمواجهة التحديات الأمنية في المنطقة.

في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة، يُعد هذا القرار خطوة استباقية تهدف إلى حماية السيادة الوطنية وضمان الاستقرار الداخلي. ومع تأكيد دور القائد الأعلى في الموافقة على قرارات المجلس، يبقى الأمل معقودا على أن تكون هذه الخطوة بداية لمرحلة جديدة من القوة والوحدة الوطنية.