عودة الدبلوماسية إلى الواجهة.. هل تقترب واشنطن وطهران من اتفاق جديد؟

بين طيَّات التصريحات المتبادلة شرقاً وغرباً، وبين إشارات الانفتاح الحذر القادمة من واشنطن والعواصم الأوروبية، تلوح في الأفق ملامح مرحلة تفاوض جديدة بين إيران والولايات المتحدة، بعد سنوات من التصعيد والجمود النووي، إيران، التي شكلت على مدى عقدين أحد أعقد ملفات السياسة الدولية، تعود اليوم إلى قلب المشهد، لكن ليس بوصفها مصدر التوتر فحسب، بل كطرف يملك أوراقاً تسمح له بالمناورة الدبلوماسية وسط متغيرات إقليمية ودولية غير مسبوقة.

ترامب… من الضغط الأقصى إلى خطاب الانفتاح

فاجأ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الأوساط السياسية بإعلان حمل لهجة مختلفة عن خطابه التقليدي تجاه إيران، فخلال مؤتمر صحفي في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن فيه عن اتفاق مبدئي لوقف الحرب في غزة، في حين ذكر إيران بقوله: “أفتخر بأن إيران دعمت اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس. لقد أدت دوراً إيجابياً في جهود إنهاء الحرب، ونحن نقدّر ذلك”، مضيفاً: “إيران تريد السعي نحو السلام، وسنتعاون معها”.

Image

هذا وقد أشارت مصادر صحفية إلى أن اتصالات غير معلنة جرت مؤخراً بين عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، وستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، تمحورت حول إمكانية استئناف المفاوضات النووية التي توقفت بعد الهجمات الإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران الماضي، وقد أشارت المصادر إلى أن الطرفين قد اتفقا على ضرورة العودة إلى طاولة الحوار، مع احتمال عقد لقاءات تمهيدية في عمان أو الدوحة خلال الفترة المقبلة.

Image

الترويكا الأوروبية… مزيج من التحذير والانفتاح

في موازاة التحركات الأمريكية، أصدرت فرنسا وألمانيا وبريطانيا بياناً مشتركاً، الجمعة 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أكدت فيه أن تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات، سناب باك، ضد إيران كانت قراراً صائباً، لكنها في الوقت ذاته أعلنت الاستعداد لاستئناف المفاوضات مع طهران، وجاء في بيان الترويكا: “نحن مصممون على استئناف الحوار مع إيران والولايات المتحدة بهدف التوصل إلى اتفاق شامل، دائم، وقابل للتحقق، يضمن أن إيران لن تمتلك السلاح النووي أبداً”.

Image

يأتي هذا الموقف بعدما فشلت الجهود الإيرانية في تمديد فترة إلغاء العقوبات الأممية ضد إيران، الملغاة بموجب الاتفاق النووي، والتي أصرت دول الترويكا على إعادتها وفق آلية العقوبات سناب باك المذكورة في الاتفاق.

روسيا… إسرائيل لن تهجم على إيران مجدداً

في خضم تلك الموجة، أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الخميس 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن إسرائيل أبلغت موسكو عبر قنوات سرية بأنها لا تسعى إلى الدخول في مواجهة مع إيران، وأوضح بوتين، خلال مشاركته في قمة روسيا آسيا الوسطى، أن القضية النووية الإيرانية لا يمكن حلها إلا من خلال الحوار والدبلوماسية، مؤكداً أن موسكو على اتصال وثيق مع شركائها الإيرانيين، وأن إيران مستعدة لمتابعة الحلول التوافقية واستئناف التعاون البناء مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

Image

وأضاف بوتين: “لقد أبلغَنَا القادة الإسرائيليون، عبر اتصالات سرية، بأنهم لا يريدون مواجهة مع إيران، وطلبوا منا أن ننقل إلى أصدقائنا الإيرانيين رسالة مفادها أن إسرائيل تسعى إلى حل القضايا القائمة وتتجنب أيّ تصعيد أو صدام”.

طهران.. بين الواقعية والحذر

أما في طهران، جاءت ردود الفعل متوازن، فوزارة الخارجية الإيرانية أصدرت بياناً عقب إعلان ترامب عن اتفاق غزة، رحبت فيه على حد قولها “بأي مبادرة تؤدي إلى وقف التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية في غزة وتمكن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره”، لكنها في الوقت نفسه حذرت من “خيانة إسرائيل والتلاعب بوعودها”، مؤكدة أن إيران لن تقدم على أي خطوة خارج إرادة الشعب الفلسطيني.

Image

وقد فسر محللون هذا الخطاب المزدوج، الذي يؤيد السلام مع إبراز تحفظ على تفاصيله، أنه يعكس النهج الجديد في السياسة الإيرانية، إذ تحاول طهران الظهور كقوة مسؤولة مستعدة للتفاعل مع المتغيرات الإقليمية دون التفريط بمبادئها، كما أوضحوا أن هذا الانفتاح النسبي يرتبط بعاملين أساسيين؛ أولهما الضغوط الاقتصادية الداخلية الناتجة عن العقوبات، كذلك بالتغيرات في البيئة الإقليمية التي جعلت التصعيد أقل جدوى من أي وقت مضى.

البيئة الإقليمية تمهد الطريق.. ومتغيرات تزيد المسألة صعوبة

لا يمكن فهم الحراك الدبلوماسي الحالي بمعزل عن التطورات الإقليمية الأوسع، الأمر الذي أشارت إليه صحيفة آرمان امروز في عددها الصادر السبت 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حين قالت: “إن الحرب في غزة، رغم كونها أحد العوامل المساعدة، ليست سوى خلفية لمشهد أكثر تعقيداً يتضمن تراجع قدرة إسرائيل على فرض معادلات القوة منفردة بعد فشلها في القضاء على حماس، ما أضعف موقعها السياسي، والتحول الروسي نحو دبلوماسية نشطة، حيث دعا بوتين إلى حل سياسي للملف النووي الإيراني وعرض وساطة موسكو لإحياء التفاهمات، كذلك رغبة القوى الخليجية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، في تثبيت مسار الاستقرار بعد سنوات من المواجهة، وفتح قنوات اقتصادية جديدة مع طهران”.

Image

وتضيف الصحيفة أن هذه العوامل مجتمعة تنتج بيئة أكثر تقبلاً للوساطة والتسوية، وتمنح إيران هامشاً أوسع للتحرك، فهي، من جهة، تستفيد من تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة في المنطقة، ومن جهة أخرى تدرك أن استمرار المواجهة يرهق اقتصادها ويهدد موقعها الداخلي.

وعلى الرغم من كل المؤشرات الإيجابية، تبقى إمكانية الوصول إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران مرهونة بجملة عوامل داخلية وخارجية، ففي الولايات المتحدة، ما زال ترامب يواجه معارضة شديدة من التيار الجمهوري المتشدد واللوبي الإسرائيلي، اللذين يعتبران أي تقارب مع إيران تنازلاً خطيراً، وفي المقابل، تعيش طهران انقساماً واضحاً بين تيار إصلاحي يدعو إلى التهدئة والانفتاح وتيار أصولي يرفض العودة إلى المفاوضات دون ضمانات.

ومع ذلك، فإن الظروف الإقليمية الراهنة، من الهدنة في غزة إلى انشغال الغرب بأزمات أوكرانيا والطاقة، تجعل الطرفين أكثر استعداداً لتفاهمٍ جزئي مؤقت، على الأقل لتخفيف الضغوط المتبادلة، ويرى مراقبون أن السيناريو الأقرب هو استئناف محادثات محدودة النطاق تتركز على الجوانب التقنية للملف النووي، مع إمكانية توسيعها لاحقاً لتشمل ترتيبات أمنية إقليمية أوسع بمشاركة روسيا وأوروبا ودول الخليج.

قراءة من داخل طهران.. بين التفاؤل والحذر

في ختام المشهد، برزت في الأوساط السياسية الإيرانية تحليلات متفائلة نسبياً بشأن فرص الحوار، أبرزها ما جاء على لسان محمد جواد حق ‌شناس، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي، أن التطورات الإقليمية الأخيرة منحت إيران فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعها، فيقول في حديث لصحيفة اعتماد السبت 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025: “أعتقد أن علينا الترحيب بكل فرصة ونافذة تتيح حواراً قائماً على الاعتراف بحقوق إيران وفي الوقت نفسه يضمن المصالح الوطنية، ففي الواقع لا ينبغي لإيران أن تبتعد عن الدبلوماسية والتفاوض والحوار مع أمريكا، لأن الابتعاد عن ثقافة الحوار والتفاوض يعني توسيع رقعة الرؤى المتطرفة والمتشددة في المنطقة”.

Image

ويتابع حق ‌شناس: “هذه الفرصة ثمينة، إذ يمكن، بمنهج يحفظ المصالح الوطنية وبالاعتماد على فهم دقيق للمنطقة، أن نتحرك نحو تحقيق أقصى المكاسب للإيرانيين، ما جرى في المنطقة أوجد وضعاً لا يرضي اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو، بل أشعرهم بالهزيمة، فقد كان هذا التيار المتطرف يعلن أنه لن يتوقف عن القتال والهجوم والتعدّي حتى القضاء التام على حماس. لكن الأحداث الأخيرة أثبتت أن إسرائيل لم تفلح في القضاء على حماس ولا في النيل من ثقافة مقاومة الشعب الفلسطيني”.

ويشير إلى أنه “إذا تصرفت إيران وفق هذا الفهم الدقيق لمصالحها ووفق رغبة عامة دولية وإقليمية، وبخاصة التوجه الذي تتبعه الولايات المتحدة، فستحقق إنجازات ملحوظة، فإذا تعرفنا على لغة التفاوض مع أمريكا بنسختها الترامبية وتصرفنا بمقتضاها، فلن يكون الوصول إلى اتفاق كبير بين إيران وأمريكا بعيد المنال، فالولايات المتحدة تدرك جيداً أن النزاع مع إيران يبعِد المنطقة عن الاستقرار والهدوء ويولد مشاكل لعقود”.

Image

وعن الشكل الذي يمكن أن تتوصل من خلاله إيران وأمريكا إلى تفاهم مشترك بشأن القضية النووية، يقول حق ‌شناس: “أحد المسارات الممكنة في هذه الظروف هو استخدام كونسورتيوم، اتحاد، إقليمي، يمكن لإيران، بمشاركة السعودية والإمارات وغيرها، أن تمضي في آلية للتخصيب عبر هذا الإطار”، ويضيف: “بل أرى أن بوسع إيران أن تبدي قدراً أكبر من المبادرة وأن تعلن للرأي العام العالمي، وبصراحة ووضوح، عن مسار حوارها مع الطرف الأمريكي، ففي المقام الأولى، تظهر دورها البناء بدعم تعزيز الاستقرار والسلام في المنطقة عبر اتفاقات بين الأطراف المختلفة، ثم في المرحلة التالية، عبر الانضمام إلى مفاوضات شاملة مع الولايات المتحدة لتوفير أرضية خفض التوتر وإنهاء العقوبات”.

أما النائب السابق والمحلل السياسي حشمت‌ الله فلاحت ‌بيشه، فيرى أن التطورات الأخيرة، ولا سيما اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، أوجدت مساحة تنفس لإيران ينبغي استثمارها لإعادة تموضعها الإقليمي وعزل إسرائيل سياسياً، ويؤكد أن تاريخ الشرق الأوسط تحكمه الصراعات أكثر من فترات السلام، وأن الدول التي تحسن استغلال لحظات الهدوء القصيرة هي التي تجني المكاسب، بينما من يواصل التحدي يعرض مصالحه للخطر.

كما يشير إلى أن العقوبات والتوتر كبَّدا إيران خسائر اقتصادية فادحة، إذ تراجعت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 1.2% إلى 0.2%، بينما استفادت شبكات المنتفعين من العقوبات من استمرار التوتر، كما يعتبر أن المناخ الحالي بين طهران وواشنطن يحمل مؤشرات تفاوضية جديدة، لافتاً إلى أن اقتصار ترامب على الملف النووي دليل على إدراكه للخطوط الحمراء الإيرانية ورغبته في تجنب الخوض في القضايا الصاروخية والإقليمية المعقدة.

Image

وفي الداخل الإيراني، يشير فلاحت بيشه إلى أن منظومة الحكم تتجه تدريجياً نحو الاعتدال واتخاذ قرارات واقعية، مثل إقرار اتفاقيتي CFT وباليرمو، رغم مقاومة المتشددين، ويؤكد أن إيران بحاجة إلى قرارات شجاعة تبعدها عن بؤر الصراع.

ويخلص إلى أن المنطقة تقف عند مفترق طرق، فإما عزل إيران أو عزل إسرائيل، وبالاعتماد على مقاربة عقلانية وأمن إقليمي قائم على المصالح الوطنية، يمكن لإيران أن تعزل خصمها وتخفف من تهديدات الحرب، مستفيدة من الهدوء النسبي الحالي لتقود مسار خفض التوتر في المنطقة.

إيران في قلب التحول

تبدو الصورة، بعد كل هذه التطورات، وكأن المؤشرات السياسية بدأت تعود إلى طاولة المفاوضات، فمن واشنطن التي تتحدث عن التعاون مع إيران، إلى أوروبا التي تلوِّح بإحياء الحوار النووي، مروراً بروسيا التي تدفع باتجاه التسوية، يتضح أن العالم بدأ يتعامل مع طهران كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص الشرق الأوسط.

لكن الطريق لا يزال محفوفاً بالتعقيدات، فالثقة مفقودة، والملفات متشابكة، والمصالح متضاربة. ومع ذلك، تبدو إيران اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة اختبار دبلوماسي قد تحدد مستقبلها لسنوات قادمة، فإذا استطاعت طهران توظيف مزيجٍ من الثبات على المواقف والمرونة، فقد تتحول من محور أزمة إلى محور تسوية، وإذا ما توافرت الإرادة على الجانبين، فقد يشهد الشرق الأوسط أخيراً ولادة اتفاق جديد يعيد رسم موازين القوى، ويثبت أنه حتى في أكثر الملفات سخونة، يبقى الحوار هو الطريق الأقل كلفة نحو البقاء والاستقرار.

كلمات مفتاحية: