عودة السيف المعلق.. إيران تواجه عاصفة العقوبات الأممية في 2025 (ردود الفعل المحلية والعالمية) 

في ليلة حاسمة من ليالي سبتمبر/أيلول لعام 2025 حيث يتردد صدى قرارات مجلس الأمن كأنها رعد يهز أركان الشرق الأوسط، أعادت الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون (دول الترويكا الثلاث) تفعيل آلية “السناب باك” ضد إيران، مما أدى إلى عودة العقوبات الدولية الشاملة. 

عُقد مساء الجمعة 26 سبتمبر/أيلول 2025 بتوقيت طهران ومساء نيويورك اجتماع للتصويت على مشروع القرار الذي اقترحته روسيا والصين، وحظي بتأييد أربعة أصوات من روسيا والصين والجزائر وباكستان، مقابل تسعة أصوات رفض من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وسيراليون وسلوفينيا والدنمارك واليونان وبنما والصومال، بالإضافة إلى امتناع عضوين عن التصويت من غيانا وكوريا الجنوبية، وقد لفتت تصريحات الممثل الروسي في الاجتماع، الموجهة إلى الممثل الفرنسي، انتباه وسائل الإعلام.

رسميا، انطلقت هذه الآلية من جديد، مع حلول يوم 28 سبتمبر/أيلول 2025، والتي تشبه زناد مسدس يُطلق في الظلام، لتعيد إيران إلى حضن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة – ذلك الفصل الذي يُعتبر “سيف داموقليس” المسلط فوق رؤوس الدول المتمردة على السلم الدولي، هذه العودة ليست مجرد إجراء إداري.

في تحول جيوسياسي يعيد رسم خريطة التوترات، مع مخاوف متزايدة من تأثير اقتصادي مدمر على الشعب الإيراني، بما في ذلك ارتفاع أسعار السلع الأساسية وانكماش الاقتصاد بنسبة تصل إلى 5-7% في العام المقبل، كما يتوقع خبراء اقتصاديون دوليون، وسط هذا الغبار، أثارت الخطوة ردود فعل دولية متباينة، من الاحتفاء الغربي إلى الإدانة الروسية، مما يعكس انقساما عميقا في النظام العالمي الذي أسسه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

دستور التهديدات 

ميثاق الأمم المتحدة، الذي يُشبه دستورا دوليا صاغته قوى الحلفاء بعد الدمار الذي سببته الحرب العالمية الثانية، يحمل في طياته الفصل السابع كأداة قمعية للتهديدات ضد السلام الدولي، يمتد هذا الفصل من المادة 39 إلى 51، بعنوان “العمل في حالات تهديد السلم والإخلال به وأعمال العدوان”، ويمنح مجلس الأمن صلاحيات واسعة، بما في ذلك فرض عقوبات غير مسلحة (المادة 41) مثل الحظر التجاري، أو تدابير مسلحة (المادة 42) إذا لزم الأمر، تاريخيا، قليلة هي الدول التي وقعت تحت هذا الفصل، مثل كوريا الشمالية وعراق صدام حسين، حيث أدى إلى عزل دولي أو حتى حروب. 

Image

ويُعتبر هذا الفصل، الذي وُضع بعد فشل عصبة الأمم في منع الحرب العالمية الثانية، الأداة الرئيسية لمجلس الأمن لإنفاذ الالتزامات الدولية من أجل ما تزعم به في إحلال السلم الدولي، إلا أن استخدام الفصل السابع غالبا ما كان له عواقب معقدة وغير محمودة، بما في ذلك الانهيار الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، وانتهاكات حقوق الإنسان وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وانتشار المجاعة، وعدم الاستقرار السياسي، في حين لم تتحقق أهداف تغيير السلوك أو استعادة السلام بشكل كامل. 

إيران، في سابقة فريدة، خرجت من هذا الفصل في يوليو/تموز عام 2015 بفضل خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، وكأحد أهم إنجازات الخارجية الإيرانية في المفاوضات النووية،  لكنها الآن تعود إليه بعد فشل محاولات دبلوماسية، بما في ذلك تصويت فاشل في مجلس الأمن يوم 26 سبتمبر/أيلول 2025 لتأجيل السناب باك، الذي رفضته الصين وروسيا معتبرتين الآلية “غير قانونية”، لكن هذه العودة تعيد تفعيل قرارات مثل 1696 (2006) الذي يحظر تخصيب اليورانيوم، و1929 (2010) الذي يفرض حظرا على الأسلحة والتكنولوجيا النووية، مما يضيف طبقة جديدة من الضغط على اقتصاد إيران الذي يعاني بالفعل من تضخم يتجاوز 40%.

روبيو يعلن نهاية “السناب باك”

في بيان لاذع لم يتطرق فيه إلى إخفاق إيران والدول الأوروبية في الوفاء بالتزاماتها، لكنه “يعكس سياسة “الضغط القصوى” التي أعادت إحياءها إدارة الرئيس دونالد ترامب، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية محاسبة إيران على انتهاكاتها النووية، وزعم وزير الخارجية ماركو روبيو أنه “في الساعة الثامنة مساءً يوم السبت أعادت الأمم المتحدة فرض العقوبات والقيود الأخرى المفروضة بموجب ستة قرارات لمجلس الأمن الدولي، بما في ذلك القرارات 1696 و1737 و1747 و1803 و1835 و1929، بسبب “إخفاق إيران الفادح في تنفيذ” التزاماتها النووية لتنهي عملية السناب باك التي بدأت في 28 أغسطس/آب 2025 بقيادة الترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة)”.

Image

وأضاف أن هذا يرسل رسالة واضحة: “لن يرضخ العالم للتهديدات، وستُحاسب طهران”، مشددا على أن الدبلوماسية لا تزال ممكنة إذا قبلت إيران مفاوضات مباشرة دون غموض، هذه الخطوة تأتي وسط تصعيد أمريكي، حيث أعلنت واشنطن عن عقوبات إضافية على بنوك إيرانية، مما قد يعيق تجارة النفط الإيرانية بنسبة تصل إلى 20% إضافية، وفقا لتقديرات محللين في “وول ستريت”.

ألمانيا ترفض “قوى الشر” 

من برلين، أدلى وزير الخارجية يوهان فادفول بكلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ80، متهماً إيران ببناء “شبكة من قوى الشر” في المنطقة، بما في ذلك دعم جماعات مسلحة في اليمن وسوريا، قال فادفول: “إيران انخرطت في برنامج نووي يتجاوز الاستخدامات السلمية لسنوات، ومع عدم الالتزام بـJCPOA لعام 2015، لم يكن أمامنا خيار سوى تفعيل الزناد بعد تصويت مجلس الأمن”.

Image

واتهم وزير الخارجية الألماني طهران زاعما أن إيران “تواصل برنامجها النووي منذ سنوات”، مؤكدا في الوقت نفسه أن إيران لا ينبغي لها أبداً أن تحصل على أسلحة نووية، كما أكد “ترحيب ألمانيا بالمفاوضات لاتفاق جديد وندعم استمرار المسار الدبلوماسي”، مضيفا تفاصيل جديدة عن مخاوف أوروبية عالية من تطوير إيران لصواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية، مما يهدد أمن أوروبا مباشرة.

الترويكا تتحد: “لا سلاح نووي لإيران.. والدبلوماسية مستمرة”

في بيان مشترك نشر على مواقع وزارات الخارجية الفرنسية والألمانية، أكدت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة (الترويكا) التزامهم بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، يقول البيان: “وافقنا على JCPOA عام 2015 بدعم من الولايات المتحدة وروسيا والصين، لكن انتهاكات إيران المتكررة دفعتنا لتجنب الزناد لفترة طويلة قبل تفعيله”.

ولكن رغم تفعيل آلية الزناد ضد إيران، أعلنت الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا) أنها ستواصل طريق الدبلوماسية والمفاوضات مع إيران، وأضاف البيان أن إعادة العقوبات ليست نهاية الدبلوماسية، بل دعوة لمفاوضات شاملة تشمل قضايا إقليمية مثل دعم إيران للحوثيين، الذي أدى إلى اضطرابات في البحر الأحمر وزيادة أسعار الشحن العالمي بنسبة 15%.

Image

وأكدوا في بيانهم أن “هدفنا الأساسي هو منع إيران من محاولة امتلاك أو تطوير أسلحة نووية”. وأضافوا: “ندعو إيران وجميع الدول إلى الامتثال الكامل لقرارات الأمم المتحدة”.

كالاس تؤكد: العقوبات ليست قيداً على الدبلوماسية

أما كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فقد صرحت لوكالة الصحافة الفرنسية: “بينما يتبع الاتحاد الأمم المتحدة في إعادة العقوبات، فإن الحل الدائم للبرنامج النووي يأتي عبر المفاوضات فقط”، وأضافت كالاس تفاصيل عن مخاوف أوروبية من تداعيات اقتصادية، حيث قد تؤدي العقوبات إلى هجرة جماعية من إيران، مع تقديرات تشير إلى نزوح 500 ألف شخص إضافي نحو أوروبا خلال العامين المقبلين على حد زعمها.

لافروف ينتقد: “الزناد فخ غربي لإيران”

من موسكو، وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الآلية بأنها “فخ” مصمم لإيران، قائلاً: “بعد انسحاب أمريكا، تنصلت أوروبا من التزاماتها بدلا من مطالبة واشنطن بالعودة”، وأضاف أن روسيا والصين رفضتا الزناد كـ”غير قانوني”، مشيرا إلى أن إيران لم تنتهك الاتفاق أصلا، وأن هذا يعزز التحالفات الشرقية مثل BRICS لمواجهة الهيمنة الغربية.

Image

وأعاد لافروف التأكيد على أن الآلية المعنية ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي أداة تتيح لأي طرف المشاركة في التصويت على إلغاء العقوبات، بينما يستطيع أي عضو دائم في مجلس الأمن، باستخدام حق النقض، أن يعرقل هذا القرار منفردا، ممهدا الطريق لاستعادة العقوبات بسهولة.

وأوضح أن إيران وافقت على هذا الاتفاق بدافع حسن النية، إذ لم تتوقع أبدًا أن تتخلى الولايات المتحدة عن التزاماتها في خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018. وأضاف: “بعد انسحاب واشنطن، بدلاً من أن تُطالب أوروبا الولايات المتحدة بالعودة إلى الالتزام بالاتفاق، اختارت أوروبا التنصل من مسؤولياتها”. 

الآن، ينتقي الأوروبيون ما يناسبهم من قرار مجلس الأمن 2231، مركزين على آلية الزناد الماكرة هذه، التي صُممت كفخ لإيران، في دليل واضح على أن طهران لم تكن تخطط لخرق التزاماتها في الاتفاق النووي، وحذّر لافروف من مغبة إعادة فرض العقوبات على إيران، مؤكدًا أن ذلك “سيُوجه ضربة موجعة لمصداقية الأمم المتحدة وهيبتها، ويهزّ أسس الثقة في النظام الدولي.”

رويترز تحذر: الغرب يعود إلى نقطة الصفر

في تقرير تحليلي، كتبته وكالة “رويترز” وتناقلته وسائل إعلام إيرانية: “السناب باك أعاد الغرب إلى نقطة البداية في مراقبة البرنامج النووي الإيراني”، مضيفة أن الترويكا تأمل في إجبار إيران على السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى منشآتها المقصوفة.

Image

ونقلت رويترز عن دبلوماسيين غربيين قولهم إن الولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية (E3)، وبعد إعادة فرض العقوبات، باتت تملك القدرة على تقديم مقترحات لتخفيف هذه العقوبات وغيرها، ومع ذلك، يبقى رفع العقوبات مسارا معقدا، ومن غير المتوقع أن يؤدي إلى تنازلات فورية كالتي رغبت بها الدول الأوروبية الثلاث في الآونة الأخيرة.

باطل وغير قانوني.. غضب إيراني 

في الساعات الأولى من إعلان مجلس الأمن إعادة فرض العقوبات الأممية على طهران أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أن خطوة الترويكا الأوروبية، بالسير على خطى الولايات المتحدة، لإعادة العمل بقرارات مجلس الأمن الملغاة ضد إيران، في تمديد القرار 2231 يعكس ما يسمى “النظام القائم على الحكم” حيث أصدر الحاكم حكما (المرسوم الرئاسي رقم 2 بتاريخ  فبراير/شباط 2025) وقامت الأطراف الثلاثة الأخرى بتنفيذ الأمر فقط، ووصفها بأنها “غير مبررة وغير قانونية”.

وأعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن إساءة استخدام الدول الأوروبية الثلاث لعملية فض النزاعات في الاتفاق النووي لن تؤثر على انتهاء صلاحية القرار 2231 في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وأن أي محاولة لإعادة فرض العقوبات المرفوضة باطلة، وأكد وزير الخارجية عباس عراقجي هذا الموقف في رسالة لنظرائه في دول العالم.

Image

وأعرب الخبراء والمحللون الاقتصاديون أيضا عن آرائهم بشأن هذه القضية، ويعتقدون أن جزءا كبيرا من تأثيرات آلية الزناد وعودة العقوبات من جديد سيتجلى على المستوى النفسي وتوقعات السوق، وأكد الخبير الاقتصادي مصطفى صفاري أن الاقتصاد الإيراني يواجه عقوبات أمريكية واسعة منذ سنوات، وأن عودة العقوبات من مجلس الأمن لن تتجاوز القيود الحالية.

ما المطلوب من طهران؟

وقال الخبير الإيراني وحيد شقاقي شهري أيضا: “موت واحد، صرخة واحدة”، في رده على العقوبات الأممية الأوروبية والأمريكية الأخيرة، وأضاف: “إن تفعيل الزناد يمكن أن ينهي الارتباك ويجبر الاقتصاد على الخضوع للإصلاح الهيكلي؛ ولكن إذا لم يتغير مسار الحوكمة الاقتصادية، فإن آثار القيود سوف تتعمق”.

كما حذّر الخبير الاقتصادي حسين راغفر من أن سياسات العملة وحدها لن تكون كافية دون معالجة مشاكل مثل اختلالات الميزانية وهيكل الريع، في الوقت نفسه، أكد حسين زنكنة وعظيم ثابت على دور سوق رأس المال وأهمية تعزيز قنوات التجارة الآسيوية في تخفيف الضغوط الناجمة عن العقوبات، ويعتقد ثابت أيضًا أن زيادة المعروض من النقد الأجنبي في القاعة الثانية ودعم الصادرات سيساعد في زيادة ربحية الشركات الموجهة للتصدير واستقرار سوق رأس المال.

وبناء على ذلك، يرى الخبراء أنه على الرغم من أن البنك المركزي استعد لدخول ظروف جديدة مع سيناريوهات مختلفة ووضع تدابير للسيطرة على سوق الصرف الأجنبي وتلبية احتياجات البلاد، فإن استمرار صمود الاقتصاد الإيراني يتطلب إصلاحات أعمق في هياكل الحوكمة وتعزيز القطاع الخاص، وهي قضية أثيرت دائما كشرط أساسي لنجاح سياسات الصرف الأجنبي قصيرة الأجل.