- زاد إيران - المحرر
- 429 Views
كتب: سعيد خورشيدي
وُلد المفكر الإيراني السيد جواد طباطبائي عام 1945 في مدينة تبريز، في أسرة من السادة الطباطبائية ومن أحفاد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو نسب أضفى عليه خلفية أصيلة متجذّرة في التقليد العلمي والفلسفي الشيعي. نشأ في تبريز، المدينة ذات الإرث التاريخي والثقافي العميق، والتي تُعَدّ من أبرز مراكز التحولات الفكرية والسياسية في إيران المعاصرة.
تخرّج طباطبائي في كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران، ثم تابع دراساته العليا في العلوم السياسية في فرنسا. توفي سنة 2022 عن عمر ناهز 77 عاما بعد معاناة مع مرض السرطان في أحد مستشفيات كاليفورنيا.
يُعدّ طباطبائي واحدا من أكثر المفكرين الإيرانيين إثارة للجدل وعمقا في العقود الأخيرة. مشروعه الفكري الضخم، الذي شكّل ثمرة عقود من البحث، هو محاولة للكشف عن جذور “امتناع الفكر” و”الانحطاط” في إيران، والسعي لإيجاد مخرجٍ منها عبر تأسيس “فكر سياسي جديد” يمهّد للعبور نحو الحداثة. لقد قدّم من خلال أطروحاته إطارا نظريا قويا للإجابة عن سؤال عالمي جوهري: كيف يمكن لحضارة عريقة ذات تاريخ معقد ومجيد أن تتصالح مع العالم الحديث وتجد لنفسها مكانا لائقا فيه؟
يقوم جوهر فكر جواد طباطبائي على أصلين أساسيين:
الأول، أنّ الحداثة نمط حياة عالمي ولا مفرّ منه، وجميع المجتمعات مضطرة في نهاية المطاف إلى الانخراط فيه.
والثاني، أنّ كثيرا من الحضارات القديمة ـــ وبشكل خاص إيران ـــ ظلت دائما تراوح مكانها على عتبة الحداثة دون أن تتمكن من العبور إليها بالكامل.
السؤال الرئيس الذي طرحه طباطبائي هو: لماذا لم تستطع إيران، رغم تاريخها المشرق، أن تدخل الحداثة دخولا كاملا؟
للإجابة على هذا السؤال، اعتمد على إطارين نظريين أساسيين:
- فلسفة التاريخ عند هيغل: التي ترى أنّ التاريخ لا تحكمه قوانين حتمية صارمة كما في الماركسية، بل يتأثر بعوامل مثل مستوى الوعي، والسمات الروحية للأمم، وأفعالها التاريخية الخاصة.
- منهجية العلوم الإنسانية عند ميزس: التي تقوم على أنّ الإنسان ليس مجرد كائن تفاعلي، بل هو فاعل عاقل، وأنّ دراسة المجتمع تختلف جذريا عن دراسة العلوم الطبيعية، إذ ينبغي أن تركز على فهم الدوافع والأفكار الإنسانية.
بهذه الأدوات، خلص طباطبائي إلى أنّ فهم أزمة إيران يستلزم الغوص في تاريخ الفكر السياسي الإيراني. وهو يرى أنّ الإجابة عن سؤاله الجوهري لا يمكن التوصل إليها من خلال دراسة التاريخ بوصفه مجرد تعاقب زمني للأحداث، ولا عبر الاقتصار على المناهج الاجتماعية الحديثة.
وعليه، فإن تاريخ إيران، في نظره، لا يُقاس بتاريخ الغرب ولا يمكن اختزاله ضمن تاريخ الإسلام. فلإيران مسارها الخاص، المليء بالاستثناءات والسمات الفريدة، ولا سبيل إلى فهمه إلا عبر تتبّع تطوّر الفكر السياسي فيها.
مقاربة طباطبائي للتراث العقلي الإسلامي
على خلاف كثير من الفلاسفة الحداثيين في العالم العربي الذين انشغلوا بمخاصمة التراث العقلي الإسلامي، تبنّى جواد طباطبائي مقاربة متعاطفة معه. ويتجلّى هذا التعاطف بوضوح في أعماله: فقد ترجم كتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية لهانري كربن، وأسهم في الموسوعة الإسلامية الكبرى بكتابة مداخل عن شخصيات ونصوص محورية مثل: السيد جمال الدين الأفغاني، الحكمة، تهذيب الأخلاق، جاويدان خرد، والأخلاق الناصرية، وهي كلها نصوص بارزة في ميدان الحكمة العملية الإسلامية. كما أنّ تركيزه البحثي على مؤلفات خواجة نظام الملك الطوسي، ومتابعته لمشروعه حول الفكر السياسي عند المفكرين المسلمين، يعكسان اهتماما عميقا وجادا بالتراث العقلي الإسلامي.
قسّم طباطبائي تاريخ إيران بعد الإسلام إلى مرحلتين رئيسيتين:
- العصر الذهبي (من القرن الثاني حتى الخامس الهجري)
يرى أنّ الفكر الإيراني بعد الإسلام اتّسم بصيغة تركيبية محورها العقلانية، مزجت بين ثلاثة نصوص كبرى:
- التراث الإيراني القديم (الإيرانيشهري) بوصفه ميراث الحضارة الساسانية،
- الفلسفة اليونانية.
- الفقه والكلام الإسلامي.
وقد أطلق على هذا المزيج اسم “التقليد القُدَماوي” أو “الفكر القديم“، واعتبره أساس النهضة الثقافية والعقلانية التي عرفتها إيران في القرون الذهبية. وركّز في دراساته على أعلام مثل الفارابي، وابن سينا، وخواجة نظام الملك الطوسي، وعدّهم أبرز ممثلي تلك المرحلة.
- عصر الانحطاط
برأي طباطبائي، مع هيمنة الأتراك (الغزنويين والسلاجقة) ولاحقا مع الغزو المغولي، بدأ مسار التراجع الفكري وزوال مفهوم “إيران”. ففي هذه المرحلة تراجع العقلانية لتحلّ محلها صوفية زهدية تنظر إلى الدنيا باعتبارها بلا قيمة وإلى الإنسان باعتباره مسلوب الإرادة. كما حلت الشرعيات (الشريعة نامهها) التي تركّز على تطبيق الأوامر الإلهية محل السياسات (السياسة نامهها) التي ركّزت على عقلانية الحكم.
الصفويون والانتقال إلى الثورة الدستورية
اعتبر طباطبائي العصر الصفوي مرحلة انتقالية، بينما رأى أنّ المنعطف الأكبر التالي في تاريخ إيران كان الثورة الدستورية، وقد وصفها بأنها ساحة صراع بين تيارين:
- من جهة، المفكرون ورجال الدين الدستوريون مثل الآخوند الخراساني والشيخ النائيني الذين سعوا إلى التوفيق بين مفاهيم حديثة مثل الدستور والبرلمان وبين الاجتهاد الإسلامي، وبذلك حاولوا دمج النصوص الثلاثة للتقليد القديم مع نص رابع جديد هو الحداثة.
- ومن جهة أخرى، التقليديون أمثال الشيخ فضل الله النوري الذين رأوا في الحداثة تعارضا مع النص القرآني.
وإن كان انتصار الثورة الدستورية قد مثّل حدثا محوريا، حيث اضطر الشاه لأول مرة إلى تقييد سلطاته، إلا أنه حمل في طياته إخفاقا نظريا. فالمفكرون آنذاك لم يكونوا على معرفة دقيقة بالتقليد القُدَماوي، كما لم يكونوا على دراية عميقة بالفكر الغربي الحديث. ونتيجة ذلك أنّ الثورة الدستورية لم تفضِ إلى دخول إيران العالم الحديث، بل انتهت إلى وضع نظام قانوني جديد يستند أساسا إلى الشريعة.
لماذا كان انتقال إيران إلى الحداثة بالغ الصعوبة؟
السؤال الجوهري الذي تشكّل حوله فكر جواد طباطبائي هو هذا بالتحديد. وقد عزا الصعوبة في تحقق هذا الانتقال إلى عدة عوامل رئيسية:
- التاريخ العريق لإيران
إيران بلد ذو إرث حضاري عميق يمتد إلى مفاهيم معقدة مثل الدولة، والأمة، والملكية الإمبراطورية. هذا التراث الغني كثيرا ما أدى إلى التباس بين المفاهيم القديمة والجديدة. فعلى خلاف كيانات حديثة النشأة بلا تاريخ طويل ــ مثل دولة الإمارات العربية المتحدة ــ كانت في إيران مفاهيم راسخة مثل “الأمة” موجودة قبل ظهور مفهوم Nation في أوروبا وترجمته لاحقا إلى “أمّت/ملّت” بالفارسية. هذا العمق التاريخي جعل عملية الانتقال إلى الحداثة أكثر تعقيدا بالنسبة لمجتمع مثل إيران.
- اجتياح الأيديولوجيات
بسبب غياب فهم عميق وجذري للفكر الغربي، وقع المجتمع الإيراني في العصر الحديث ــ الذي يسميه طباطبائي أيضا “عصر الأيديولوجيات” ــ في فخ تيارات أيديولوجية متعددة مثل القومية المتطرفة، الماركسية، والأصولية الإسلامية. وكما أنّ التصوف الزهدي في عهد الغزنويين والسلاجقة أعاق إنتاج فكر حقيقي في الماضي، فقد قامت الأيديولوجيات في العصر الحديث بالدور نفسه، أي إعاقة التفكير الحرّ والعقلاني.
- عدم التوافق في المفاهيم الأساسية
يوضح طباطبائي أنّه بخلاف مفاهيم مثل “الأمة” التي كان لها ما يقابلها في إيران القديمة، فإنّ المفاهيم المحورية للحداثة مثل “المصلحة العامة” أو “المصالح الوطنية” لم يكن لها تعريف واضح في السياق الإيراني. فقد انشغلت الفلسفة السياسية القديمة، مثل فلسفة الفارابي، أكثر بمفاهيم الارتقاء الفردي والسعادة الشخصية، على حساب التفكير في المصالح الوطنية والجماعية.
مشروع طباطبایی: نحو استعادة العقل الوطني عبر قراءة جديدة للتاريخ
لا يقتصر مشروع جواد طباطبایی على نقدٍ تاريخيّ صرف، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة صياغة فلسفة سياسية مستنبطة من التراث الفكري الإيراني، بهدف بناء رؤية للمستقبل. ومن هذا المنطلق، يقترح عددا من المسارات الأساسية لمعالجة المعضلات التي عطّلت مسار التحديث في إيران:
1- إعادة كتابة التاريخ الإيراني
يرى طباطبایی أن ما يُقدَّم اليوم ليس تاريخا بالمعنى العلمي، بل مجرد سرد وقائع. أما المطلوب فهو كتابة تاريخ قادر على الكشف عن القوانين الداخلية لتحولات المجتمع، وذلك عبر التركيز على الفلسفة السياسية الكامنة في التجربة الإيرانية عبر العصور.
2- بناء المفاهيم بدل استيرادها
السبيل لتجاوز أسر الإيديولوجيات هو الاشتغال على مفهومٍ أصيل، منبثق من التجربة التاريخية والثقافية الخاصة. فاستعارة المفاهيم الغربية وإعادة تدويرها لا تصنع فكرا سياسيا قادرا على توجيه المجتمع، لأن كل أمة تسلك مسارها التاريخي الخاص. من هنا تأتي ضرورة المفهوم المحلي المرتبط بجذور إيران الحضارية.
3- العودة إلى مفهوم الفكر الإيراني “إیرانشهر”
المفتاح لفهم الوحدة الوطنية عند طباطبایی يكمن في مفهوم “إيرانشهر”؛ وهو مفهوم ثقافي جامع نشأ قبل الحداثة، واستطاع عبر القرون أن يستوعب تنوع الأقوام والأديان والعادات. بخلاف شعوب كثيرة خضعت لهيمنة الخلافة ونظام “الأمة”، ظلّت إيران قادرة على إدماج الإسلام في ثقافتها من دون أن تفقد خصوصيتها الحضارية. لذلك، فأساس وحدتها ليس الدين وحده، بل الثقافة الجامعة التي تؤمن التوازن والاستمرارية. إن إغفال هذا الأساس، في نظره، يفتح الباب أمام النزاعات القومية والطائفية.
خاتمة مشروع سياسي
يرى بعض النقّاد أنّ فكر جواد طباطبایی، إذا تحوّل إلى نظرية سياسية كاملة، فلن ينجو من خطر الانزلاق نحو نزعات فاشية أو قومية متطرفة، ومع ذلك، فإن مشروعه الفكري الذي كان يطمح إلى عبور إيران إلى الحداثة من خلال تراثها المحلي، لم يجد امتدادا حقيقيا في المجال السياسي، بل توقّف عند حدود التنظير.
بعد أفول رموز الإصلاح الديني والفكري في إيران مثل عبد الکریم سروش، ومصطفى ملکیان ومحمد مجتهد شبستری، برز اسم طباطبایی بديلا في أوساط الإصلاحيين، حتى صار يُقدَّم بوصفه “أبو علم السياسة” و”أبرز المتخصصين الإيرانيين في فلسفة هيغل”. وقد لعبت مجلات متخصّصة مثل مهرنامه، بقيادة محمد قوجانی – الصحفي الغزير الإنتاج والمحرّر الحالي لمجلة “آگاهی نو” – دورا محوريا في نشر أفكاره وتحويله إلى مرجع فكري لهذا التيار.
مع ذلك، يبقى السؤال مطروحا: ما هو حصاد حضوره السياسي العملي؟ في أواخر حياته، ومع اندلاع حركة المرأة والحياة والحرية “زن، زندگی، آزادی”، أعلن طباطبایی دعمه لها، رغم أنّ شعاراتها حملت في بعض الأحيان نزعات انفصالية وتلقّت دعما من قوى خارجية. هذا الموقف أثار جدلا، إذ رأى فيه البعض انسجاما مع قراءته التاريخية واعتباره الحركة ثورة وطنية، فيما اعتبره آخرون ابتعادا عن أي تأصيل فلسفي راسخ، بل انخراطا في موجة انفعالية تهدّد وحدة “الفكر الإيراني”.
طباطبایی أنهى حياته بعيدا عن ایران، في كاليفورنيا، حيث تقيم ابنته آرین طباطبایی، المسؤولة البارزة في وزارة الدفاع الأميركية وعضو سابق في فريق التفاوض النووي الأميركي. وهناك، في أحد مستشفيات كاليفورنيا، رحل ودفن.
عبرة عالمية من مشروع محلي
كان مشروع طباطبایی أقرب إلى محاكاة تجربة الغرب في الانتقال من التقليد إلى الحداثة عبر إعادة قراءة تراثه الفكري (اليونان وروما)، لكنه أعطى وزنا أكبر للتجربة الإيرانية وشيئا من الاعتبار للتراث الديني. غير أن جوهر فكره لم يكن الإسلام ولا الفكر الإيراني ولا العقلانية التقليدية، بل الحداثة ذاتها؛ فقد كان هدفه الرئيس فتح منفذ تاريخي يمكّن إيران من الاندماج في العالم الحديث.
لقد أقرّ بنفسه أنه لا يملك منظومة فلسفية متكاملة كالتي شيّدها الفارابي، لكنه قدّم طرحا جديدا، يقوم على الدعوة إلى إعادة التفكير والبحث عن “العقل الوطني” لتأسيس وعي سياسي يمهّد لتحويل إيران الراهنة – الممزّقة بين التقليد والحداثة – إلى إيران حديثة مكتملة. مشروعه بقي ناقصا، لكن أثره الفكري يظل دعوة مفتوحة إلى التأمل وإلى السعي وراء وعي وطني جديد.

