قراءة في خطاب المرشد الأعلى: نفض اليد من واشنطن وتأكيد على مركزية القوة الإيرانية

كتب: الترجمان

ألقى الخطاب التلفزيوني الذي أدلى به المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، الخميس 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مناسبة أسبوع قوات الباسيج “التعبئة”، بظلال كثيفة على المشهد السياسي والإعلامي في إيران والمنطقة، مُرسِّخا ركائز العقيدة الإيرانية في التعامل مع القوى الكبرى، ومُشدِّدا على تفوّق طهران في الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل. 

وقد تمحورت رسائل الخطاب حول نفي قاطع لأي محاولة تواصل مع الولايات المتحدة، وتأكيد على هزيمة واشنطن وتل أبيب في المواجهة الأخيرة، الأمر الذي أثار انقساما حادا في الداخل واهتماما واسعا في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية.

كلمة الفصل في المفاوضات: “كذب محض”

كان المحور الأبرز في خطاب خامنئي هو تفنيده للشائعات التي تداولتها بعض الأوساط الإعلامية عن محاولات إيرانية لإرسال رسائل إلى الولايات المتحدة عبر وسيط. ووصف المرشد الأعلى خامنئي هذه المزاعم بـ “الكذب المحض”، واصفا الإدارة الأمريكية بأنها ليست قطعا حكومة يمكن إيران أن تسعى للتعاون أو التواصل معها. فقال: “مثل هذه الحكومة (أمريكا) ليست قطعا حكومة يمكن للجمهورية الإسلامية أن تسعى للتعاون أو التواصل معها.”

يُعتبر هذا النفي بمثابة “كلمة فصل” تهدف إلى قطع الطريق أمام أي دعوات داخلية للتفاوض المباشر مع واشنطن، وتوجيه رسالة واضحة إلى جميع التيارات السياسية بدعم توجهات الحكومة الحالية في حل المشكلات بعيدا عن التعويل على أي تقارب محتمل. 

وقد استغلت وسائل الإعلام الأصولية والمقربة من جبهة بايداري هذا التصريح لتوجيه انتقادات حادة للصحافة الإصلاحية، متهمة إياها بـ “خطاب الترويج للمفاوضات” وبأنها تعمل “كأذرع داخلية للعدو”.

هذا الهجوم الإعلامي الداخلي يسلط الضوء على استمرار الصراع الأيديولوجي بين التيارين (الأصولي والإصلاحي) حول منهجية التعامل مع الغرب، حيث يسعى التيار الأصولي لتعزيز إجماع وطني على “عدم التعاون” مع واشنطن في ظل التوجيهات الصريحة للمرشد الأعلى.

Image

إعلان الانتصار في حرب الـ 12 يوما

خصص المرشد الأعلى خامنئي جزءا كبيرا من خطابه لتحليل تداعيات ما أُطلق عليه “حرب الـ 12 يوما” مؤكدا أن الشعب الإيراني ألحق الهزيمة بلا شك بكلٍّ من الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي. 

وقد ارتكز تحليل الانتصار الإيراني على نقطتين رئيسيتين:

فشل تدمير القدرة النووية: أشار خامنئي إلى أن الهدف الأهم للعدوان كان “تدمير المنشآت النووية”، مؤكداً أن العدو لم يحقق أي هدف من أهدافه. ويعزز هذا التأكيد فشل العدو في القضاء على القدرة النووية الإيرانية، ويُفسر الضغوط المتزايدة التي تمارسها الدول الغربية على طهران عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمعرفة حجم الأضرار.

خسارة الولايات المتحدة الاستراتيجية: شدد خامنئي على أن أمريكا خسرت بشدة في هذه الحرب، ليس فقط بسبب انهيار هيبتها بعد الهجوم على قاعدة العديد في قطر، واضطرارها لطلب وقف إطلاق النار، بل لأنها فشلت في تحقيق هدفها الأكبر وهو “خداع الشعب الإيراني وجعله يصطفّ معها. وفي المقابل، عززت الحرب “الوحدة الوطنية” ورفعت مستوى النفور الشعبي من الولايات المتحدة.

وقد سلطت وكالات الأنباء الدولية، مثل الجزيرة والميادين، الضوء بشكل كبير على هذا الإعلان، ناقلة قوله: “أمريكا وإسرائيل فشلتا في تحقيق أهدافهما في الحرب الـ 12 يوما ضد إيران”، مما يؤكد تركيز الرواية الإيرانية على فكرة “طهران مركز قوة قادرة على الصمود وإفشال أوهام الأعداء.

ربط الأزمات العالمية بالهيمنة الأمريكية

لم يقتصر الخطاب على الشأن الداخلي والمواجهة مع الغرب، بل تناول قضايا دولية رئيسية، رابطا بينها وبين النزعة الأمريكية للهيمنة، وتحديدا في:

الحرب في أوكرانيا: وصف خامنئي الحرب الأوكرانية بأنها مثال على التدخلات الأمريكية “غير المثمرة”. وانتقد الرئيس الأمريكي الحالي الذي تعهد بإنهاء الحرب خلال ثلاثة أيام، ولكنه في النهاية فرض خطة من 28 بندا على كييف. وتُقرأ هذه الخطة على أنها محاولة لكسب رضا روسيا عبر التنازل عن مناطق مهمة كدونباس والقرم، مما يمثل “الهزيمة الثانية الكبرى” لحلف الناتو بعد أفغانستان، في إشارة إلى تراجع نفوذ الحلف.

الصراع على النفط والموارد: أشار المرشد الأعلى إلى أن الهدف الأساسي وراء إشعال الحروب والتدخلات الأمريكية في العالم هو الوصول إلى النفط والموارد الطبيعية. وضرب مثالا بالضغوط على فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، مشككا في الادعاء الأمريكي بوجودها قرب كاراكاس لمكافحة المخدرات، في ضوء تقارير الأمم المتحدة التي تنفي أن تكون فنزويلا منتجاً للكوكايين.

الباسيج كنموذج للمقاومة الوطنية

في سياق التأكيد على القوة الداخلية والقدرة الوطنية، أكد خامنئي على أهمية “الباسيج” بوصفه “ثروة كبرى، وحركة جماهيرية، ومكوّناً لزيادة القدرة الوطنية”. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، داعيا الدول المستقلة التي “ضاقت ذرعا بسياسات الهيمنة” الأمريكية إلى إنشاء نواة شبيهة بالباسيج للدفاع عن استقلالها وسيادتها الوطنية.

Image

هذه الدعوة تُظهر أن الباسيج لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية داخلية، بل أصبح يُنظر إليه كنموذج مقاومة قابل للتصدير إلى الدول التي تسعى للتحرر من سياسات الهيمنة، الأمر الذي أشار إليه الإعلام الروسي أيضا في نقله لقول المرشد الأعلى بأن العنصر المقاوم الذي تأسس في إيران كبر وانتشر، واليوم تُرفع شعارات المقاومة في شوارع الدول الغربية.

يمثل خطاب المرشد الأعلى على خامنئي مرسوما جديدا لسياسة “اللا تواصل” مع الولايات المتحدة، وشهادة انتصار حاسمة في المواجهة الأخيرة، كما أنه إعادة تأطير للعلاقات الدولية من منظور إيراني يربط الأزمات العالمية بمحاولات الهيمنة الأمريكية على الموارد. 

إن الرسالة المزدوجة المتمثلة في نفي التفاوض وتأكيد القوة هي الأساس الذي تُبنى عليه الآن السياسة الخارجية الإيرانية والمناقشات الداخلية في طهران.