- زاد إيران - المحرر
- 620 Views
في خضم أزمة داخلية متفاقمة وتظاهرات تشهدها عدة مدن إيرانية على خلفية الضغوط الاقتصادية وتراجع الأوضاع المعيشية، ألقى المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، السبت 3 يناير/ كانون الثاني 2025، خطاب حمل رسائل سياسية وأمنية واضحة. فخلال لقاء مع عدد من عائلات الشهداء، رسم المرشد ملامح مقاربة السلطة للتعامل مع الاحتجاجات، مؤكدا التمييز بين الاعتراض المشروع وأعمال الشغب، في وقت تتزايد فيه حساسية المشهد الداخلي وتتشابك فيه المطالب الاقتصادية مع حسابات الاستقرار السياسي.
حملات التشويه ضد سليماني بلا قيمة
صرح خامنئي قائلا: “ نلتقي اليوم عند مناسبة تحمل دلالتين متلازمتين، دلالة دينية عميقة، ودلالة إنسانية وجهادية معاصرة، اليوم هو ذكرى ميلاد فريد لا نظير له في التاريخ، فالمولد فريد والمولود فريد، فقد ولد الإمام علي رضي الله عنه في بيت الله، في الكعبة، وهو حدث لم يتكرر، ولا نعرف في تاريخ البشرية إنسانا آخر ولد في هذا الموضع، وفي اليوم نفسه، تحل ذكرى قاسم سليماني، الذي نراه امتدادا عمليا لهذه القيم في زماننا، فإذا أردنا اختصار ما كان عليه، فإننا نراه رجل إيمان، ورجل إخلاص، ورجل عمل، آمن بما يقوم به وبالهدف الذي سعى إليه إيمانا عميقا من القلب، لم يعمل طلبا للسمعة أو الثناء، بل عمل مخلصا لله وللهدف”.

وتابع: ” ما يقال اليوم من افتراءات بحقه لا يغير من حقيقته شيئا، لأن الرد الحقيقي كان في مسيرته وفي أثره، ونراه واضحا في ازدياد زوار ضريحه عاما بعد عام، من داخل البلاد وخارجها، وإلى جانبه نستحضر شهداء آخرين، عسكريين وعلماء وأبناء شعب، كانت حياتهم جهادا متواصلا، وكانت الشهادة أملهم، وهذا اللقاء هو تكريم لهم وتأكيد على خلود أسمائهم في مسيرة التاريخ”.
الحرب الناعمة… الخطر الذي يستهدف الوعي والوحدة
وحول ما تواجهه إيران اليوم، نوه خامنئي مبينا: ” نلفت الانتباه إلى حقيقة أساسية في مسار الصراع، وهي أن المواجهة لا تكون دائما بالسلاح، لقد أثبت التاريخ أن الإمام علي لم يهزم في أي مواجهة عسكرية، ومع ذلك وجدت وسائل حالت دون وصوله إلى تحقيق كل أهدافه، عبر الخداع والتشكيك وبث الشبهات، هذا الأسلوب هو ما نسميه اليوم بالحرب الناعمة، وهو ليس ظاهرة جديدة، بل أسلوب قديم يتجدد بأدوات مختلفة”.

ويتابع بالقول: “الحرب الناعمة تقوم على الكذب، والتضليل، وصناعة الشبهات، وإضعاف الدوافع، وبث التردد واليأس في نفوس الناس. هدفها الأساسي ليس كسب معركة مباشرة، بل كسر الإرادة، ونزع الحافز، وإضعاف الوحدة الداخلية، وهي مستمرة اليوم كما كانت بالأمس، وتستخدم عندما يعجز الخصم عن المواجهة الصريحة”.
ويضيف المرشد الإيراني: ” من أخطر أدوات هذه الحرب إنكار إنجازات الأمة وقدراتها، وإقناع الناس بأنهم عاجزون وضعفاء، رغم ما يحققونه من تقدم، فإذا غفلت الأمة عن قدراتها، ورأت نفسها صغيرة ومهزومة، أصبحت مهيأة للاستسلام، في المقابل، نرى واقعا مختلفا، شبابنا اليوم يطلقون ثلاثة أقمار صناعية في يوم واحد، ويضيفون آلاف الميغاواط إلى شبكة الكهرباء، ويبدعون في الفضاء والتقنية الحيوية والطب والنانو والصواريخ والصناعات الدفاعية رغم الحصار، هذه ثروات هائلة يجب إبرازها، لكن العدو وبعض الغافلين في الداخل يخفونها، لهذا نؤكد أن مواجهة الحرب الناعمة لا تكون باللامبالاة، بل باليقظة، وبإدراك أساليب العدو، وبالحفاظ على الوحدة الداخلية التي صنعت القدرة على الصمود، إن كسر هذه الوحدة هو الهدف الأساسي لهذه الحرب، ومواجهتها تتطلب وعيا دائما، وتمسكا بالثقة بالنفس، وبالقدرة على الاستمرار في الطريق رغم كل محاولات الإضعاف والتشكيك”.
وذكر خامنئي أن القوة التي دفعت العدو إلى طلب وقف الحرب ثم الادعاء بأنه لا يريد القتال هي قوة الشعب وقدرات الشباب، واليوم يعرف شعبنا أمريكا حق المعرفة، وقد سقط قناعها عالميا، وقد رأى الناس بأعينهم خلال الحرب القصيرة حقيقة المواقف، وأن من كان يروّج للحل عبر التفاوض رأى كيف كانت تحضر خطط الحرب في الخفاء، إن الشعب واع، لذا يجب الحذر من الحرب الناعمة، ومن الشائعات، ومن حملات التضليل الممولة بمليارات، الهدف إضعاف الداخل وكسر الوحدة التي صنعت المعجزة. أهم ما نحتاجه هو اليقظة تجاه عداوة العدو، وتعزيز الوحدة الداخلية.
البازار داعم ومساند للجمهورية الإسلامية… وكلامهم صحيح
وعن الأحداث الأخيرة التي شهدتها إيران من مظاهرات بسبب سوء الأحوال الاقتصادية، وخصوصا من طبقة التجار، صرح المرشد الأعلى قائلا: ” أولا، إن فئة السوق والتجار تعد من أكثر فئات البلاد وفاء للنظام الإسلامي وللثورة الإسلامية، فنحن نعرف السوق جيدا، ولا يمكن باسم السوق والتجار مواجهة الجمهورية الإسلامية والنظام الإسلامي. نعم، كانت هذه التجمعات في معظمها من جانب التجار، لكن كلامهم كان كلاما صحيحا”.

وتابع خامنئي: ” لقد سمعت ذلك في التلفزيون، ورأيته أيضا في الحسابات، فالتاجر حين ينظر إلى الوضع المالي للبلاد، وإلى انخفاض قيمة العملة الوطنية، وعدم استقرار سعرها وسعر العملات الأجنبية بما يجعل بيئة الأعمال غير مستقرة، يقول لا أستطيع أن أزاول تجارتي، وهو محق، والمسؤولون في البلاد يعترفون بذلك، وأنا أعلم أن الرئيس المحترم وغيره من كبار المسؤولين يسعون لمعالجة هذه المشكلة، هذه مشكلة، وللعدو يد فيها أيضا”.
أزمة العملة الأجنبية مفتعلة… وهناك من يتخفى وراء التجار
وحول أسباب الأزمة، قال: ” إن ارتفاع سعر العملة الأجنبية بهذا الشكل، وصعودها غير المحسوب، وعدم استقرارها بحيث ترتفع وتنخفض باستمرار فلا يعرف التاجر ماذا يفعل، ليس أمرا طبيعيا، بل هو من فعل العدو. وبالطبع ينبغي التصدي له بتدابير مختلفة، والمسئولين يحاولون ذلك، فالرئيس ورؤساء السلطات الأخرى وبعض المسؤولين الآخرين يبذلون جهودا لكي تعالج هذه المسألة، ولذلك كان اعتراض التجار على هذا الأمر، وهذا اعتراض في محله، لكن أن يقف خلف التجار بعض الأشخاص المحرضين من عملاء العدو ويطلقوا شعارات ضد الإسلام وضد إيران وضد الجمهورية الإسلامية، هذا هو الأمر الخطير.

وأضاف: ” الاعتراض في محله، لكن الاعتراض غير الشغب، نحن نتحدث مع المعترض، وعلى المسؤولين أن يتحاوروا مع المعترض، أما التحاور مع المشاغب فلا فائدة منه، المشاغب يجب أن يوضع في موضعه، ولكن أن يأتي بعض الأشخاص تحت عناوين مختلفة وأسماء مختلفة بقصد التخريب وبقصد جعل البلاد غير آمنة، فيقفوا خلف التجار المؤمنين والأسوياء والثوريين، ويستغلوا اعتراضهم لإثارة الشغب، فهذا غير مقبول إطلاقا، يجب معرفة فعل العدو، فالعدو لا يهدأ ويستغل كل فرصة، هنا رأوا فرصة فأرادوا استغلالها. وبالطبع كان مسؤولونا في الميدان وسيبقون كذلك، لكن الأهم هو مجموع الشعب”.
ودعا خامنئي الشعب في نهاية حديثه بالقول: ” المهم أنه الإنسان إذا شعر بأن العدو يحاول، بروح المطالبة والابتزاز، أن يفرض شيئا على البلاد وعلى المسؤولين وعلى الحكومة وعلى الشعب، فعليه أن يقف بكل قوة في وجه العدو وأن يواجهه بصدر مكشوف، نحن لا نتراجع أمام العدو، وبالاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه، ومع الثقة بمساندة الشعب، إن شاء الله وبالتوفيق الإلهي سنركع العدو”.
في ظل الأزمة الداخلية… كيف يمكن قراءة خطاب المرشد؟
في تلك اللحظة الداخلية التي تمر بها إيران، جاء خطاب المرشد الأعلى الإيراني محملا بدلالات سياسية تتجاوز الإطار الديني والرمزي الذي قدم من خلاله، فالبلاد تواجه منذ أشهر ضغوطا اقتصادية متراكمة، تتجلى في تراجع قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، واتساع حالة القلق الاجتماعي، فضلا عن احتجاجات في الأيام الأخيرة تعكس حجم التوتر داخل قطاعات واسعة من المجتمع، وعلى رأسها التجار، في هذا السياق، يبدو الخطاب محاولة للتعامل مع هذه اللحظة الحساسة، ليس عبر الاعتراف المباشر بالأزمة فحسب، بل عبر إعادة تأطيرها سياسيا ونفسيا.
فقد شكل التركيز على مفهوم الحرب الناعمة حجر الزاوية في هذا التأطير، فخطاب المرشد يسعى إلى نقل تفسير ما يحدث داخل إيران من كونه أزمة ذات جذور اقتصادية وإدارية داخلية، إلى كونه نتيجة استهداف خارجي منظم يهدف إلى ضرب المعنويات، وبث الشك، وإضعاف الثقة بالقدرات الوطنية، هذا الطرح يعكس قلقًا واضحًا من تآكل التماسك الداخلي، لا سيما في ظل تصاعد تأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام خلال فترات الضغط الاقتصادي.
في هذا الإطار، يكتسب استحضار قاسم سليماني دلالة سياسية راهنة، فالرجل يقدم كنموذج جامع للإيمان والانضباط والعمل المتواصل من دون تردد، في رسالة موجهة إلى الداخل الإيراني مفادها أن المرحلة الحالية تتطلب الصبر والالتفاف حول القيم الثورية، لا التشكيك أو الانكفاء، فسليماني هنا يتحول إلى رمز تعبوي يستدعى في لحظة يشعر فيها جزء من المجتمع بثقل الأعباء اليومية وببطء الاستجابات الحكومية.
أما الحديث الصريح عن الولايات المتحدة، فينسجم مع هذا المسار، إذ يعيد تثبيت الرواية الرسمية التي تربط الضغوط الاقتصادية والتوترات الاجتماعية بعوامل خارجية، وتحذر من أي رهان داخلي على التفاوض بوصفه حلا سريعا للأزمة، فالربط بين الخطاب الأميركي المعلن وبين ما وصف بالتحضير الخفي للمواجهة يهدف إلى نزع المصداقية عن أي دعوات داخلية للتعويل على واشنطن، وتحويلها إلى جزء من أدوات الحرب الناعمة.
بصورة عامة، يمكن قراءة خطاب المرشد بوصفه محاولة لإدارة أزمة داخلية معقدة عبر أدوات الخطاب والتعبئة، من خلال احتواء القلق الشعبي، وتحويل مسار النقاش العام، وإعادة تعريف ما يجري باعتباره اختبار صمود طويل الأمد، لا مجرد أزمة سياسات قابلة للحل السريع أو التغيير الجذري.

