- زاد إيران - المحرر
- 516 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت صحيفة “كيهان” الإيرانية الأصولية، الأربعاء 17 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا تناولت فيه أزمة السكن التي يواجهها العمال في البلاد، متوقفة عند إعلان الحكومة عن خطتها لبناء 94 ألف وحدة سكنية مخصصة لهم. كما انتقدت الصحيفة التجارب السابقة في هذا المجال، مؤكدة أن الخيار الأجدى لحل الأزمة يكمن في توزيع الأراضي مباشرة على المواطنين؛ ليتمكنوا من تشييد منازلهم بأنفسهم.
الحكومة تعد ببناء 94 ألف مسكن للعمال
ذكرت الصحيفة أن حكومة مسعود بزشكيان وعدت ببناء 94 ألف وحدة سكنية مخصصة لأربعة ملايين أسرة من العمال عبر الصناعات المختلفة، غير أن التجارب السابقة أثبتت أن مثل هذه المشاريع لا تصل غالبا إلى المستحقين الفعليين، مؤكدة أن أفضل حل يكمن في تقديم الأراضي مباشرةً إلى الناس، ومن بينهم العمال، ليتولوا البناء بأنفسهم.
وأوضحت أن نحو 40% من الأسر في إيران لا تملك مسكنا، أي ما يعادل 10 ملايين أسرة من المستأجرين، فيما يشكّل العمال قرابة أربعة ملايين أسرة، غالبيتهم يعيشون بالإيجار، ووفقا للإحصاءات الرسمية، فإن ما بين 30 إلى 50% من دخل الأسر يُنفق على إيجار المسكن، بينما تشير أحدث البيانات إلى أن نصيب السكن من نفقات الأسرة يصل إلى نحو 43.7%.
وتابعت الصحيفة أن أسعار العقارات شهدت ارتفاعات حادة منذ عهد حكومة حسن روحاني (الحكومة الحادية عشرة)، وذلك بعد وقف مشروع الإسكان المعروف بـ”مسكن مهر” – وهو مشروع سكني ضخم مدعوم حكوميا بدأ في عهد الرئيس أحمدي نجاد – واعتماد سياسة “عدم البناء” من قبل وزير الطرق والإسكان آنذاك عباس آخوندي، وأوضحت أن هذا التوجه جعل حلم امتلاك منزل بعيد المنال حتى في القرى.
وأضافت أن حكومة إبراهيم رئيسي (الحكومة الثالثة عشرة) حاولت مواجهة الأزمة من خلال خطة لبناء مليوني وحدة سكنية كل عامين، في إطار ما سُمّي بـ”النهضة الوطنية للإسكان” (برنامج حكومي للتوسع في مشاريع الإسكان الشعبي).
وأردفت تم الشروع في بناء أكثر من 2.6 مليون وحدة سكنية بمختلف الأنواع، منها المدعومة حكوميا، ومخصصة لترميم الأحياء العشوائية، وأخرى ريفية أو خاصة بالقوات المسلحة، بينما جرى إنجاز 600 ألف وحدة منها بالفعل.
وأضافت الصحيفة أن حكومة إبراهيم رئيسي اعتمدت أيضا سياسة توسيع المدن وضم الأراضي إليها وتوزيع الأراضي مجانا على المواطنين، غير أن حكومة بزشكيان عادت إلى نهج “عدم البناء”، فأوقفت مشاريع ضم الأراضي إلى المدن ومنعت توفير الأراضي للناس بذريعة حجج مختلفة.
وأردفت أن وزيرة الطرق والإسكان فرزانه صادق أعلنت عن بدء تنفيذ مشروع بناء 94 ألف وحدة سكنية للعمال في سبع محافظات، موضحة أن التنفيذ يقع على عاتق أصحاب الصناعات بينما يقتصر دور الحكومة على الدعم والتسهيل.
وأشارت الوزيرة إلى أن أهم ما يميز هذا الاتفاق هو دخول الصناعات في التمويل والإعداد وتوفير أنواع مختلفة من السكن (ملكي، تنظيمي، استئجاري)، إضافة إلى إسناد المسؤولية الكاملة للبناء إلى الصناعيين.
لكن الصحيفة أكدت أن تجارب الماضي مع شركات المقاولات والتعاونيات والمصانع أظهرت أنها وإن نجحت في بعض الحالات، فقد خلّفت ملفات قضائية كثيرة مرتبطة بالفساد والرشوة والاستيلاء على الأراضي، فضلا عن بقاء ملايين الأسر بلا مسكن.
ولهذا يرى الخبراء أن تكرار هذه المشاريع من دون معالجة مشاكلها السابقة سيبقي العمال والمواطنين في أزمة السكن، وإن وصلوا إلى بيت عبر هذه الآلية فذلك يكون بعد معاناة طويلة ومكلفة.

التوسعة تقلل أسعار الأراضي
أشارت الصحيفة إلى أن موضوع “السكن العمالي” طُرح مرارا في الحكومات المتعاقبة ففي ديسمبر/كانون الأول 2019 أُعلن عن اتفاقية لبناء 200 ألف وحدة سكنية للعمال والمتقاعدين وأصحاب المعاشات، بالتعاون بين وزارتي التعاون والعمل والإسكان، على أن تُضاف إليها 100 ألف وحدة بجوار المدن الصناعية، إلا أن هذه المشاريع لم تتجاوز الورق.
أما في حكومة رئيسي فقد ارتفع العدد المعلن إلى 400 ألف وحدة، لكن مدة الحكومة لم تسعف التنفيذ.
وتابعت الصحيفة أن التجربة الأنجح في تاريخ إيران كانت منذ خمسينيات القرن الماضي حتى نهاية الثمانينيات، حيث اعتمدت الحكومات على توزيع الأراضي مباشرة على المواطنين، مع قيام الدولة والبلديات بدور التخطيط والإشراف.
وأردفت أن المواطنين هم من يتولون البناء بمساعدة المهندسين والمعماريين، وأن العودة إلى هذا النموذج عبر توزيع الأراضي وتأسيس مكاتب وشركات بناء صغيرة كفيل بجعل المواطنين يبنون منازلهم بأنفسهم، لكنها تساءلت: لماذا تصر بعض الحكومات على منح الأراضي للمصانع والمقاولين والتعاونيات، مما يفتح أبواب الفساد والاحتكار، بدلا من منحها للناس؟
وأضافت الصحيفة أن هذا النهج يعكس في الوقت نفسه موقفا سلبيا لبعض الحكومات تجاه بناء المساكن الأفقية ذات الطابع الإيراني-الإسلامي، رغم أن المواطنين يعانون من مشكلات الحياة في الشقق الضيقة، مثل فقدان الخصوصية، قلة الضوء، ازدحام السكان في مساحات محدودة، ضيق أماكن لعب الأطفال، والاكتئاب ونمط الحياة الشبيه بالسكن الطلابي.
والأغرب أن كثيرا من المسؤولين أنفسهم عايشوا هذه الأوضاع لكنهم لا يزالون يعارضون بناء المساكن الأرضية.

التوسعة تقلل أسعار الأراضي
أكدت الصحيفة نقلا عن الخبير في مجال الإسكان محمد صالح شكوهي، أن المرشد الإيراني شدد في لقائه الأخير مع أعضاء الحكومة على أن السكن يمثل إحدى أبرز الأولويات.
ذكر شكوهي أن الخط الفكري السائد في المجلس الأعلى للتخطيط العمراني منذ عقود يقوم على منع توسع المدن، ورفع أسعار الأراضي في العاصمة والمدن الكبرى لدفع الناس نحو الهجرة العكسية، إلا أن ذلك أدى إلى نتائج عكسية بزيادة الهجرة إلى المدن الكبرى.
وأوضح أن هذا التوجه، منذ عام 1999، أبقى حدود المدن شبه ثابتة، ما تسبب في ارتفاع أسعار الأراضي بشكل مضاعف، بحيث أصبحت الأرض تمثل نحو 70% من سعر العقار في طهران، كما أثّر غلاء الأراضي على النشاطات الاقتصادية والإنتاجية، إذ إن إنشاء المتاجر والمكاتب يتطلب بدوره أرضا، وبالتالي عرقل الإنتاج الوطني.
وأضاف أن الحجج المتعلقة بشحّ المياه لتبرير وقف توسع المدن غير دقيقة، إذ إن استهلاك المياه يرتبط بعدد السكان لا بطريقة توزيعهم، بل إن تكديس السكان في المدن الكبرى يزيد الكلفة لا العكس، كما أن نقل المياه إلى المدن المكتظة مكلف ومهدِر، بينما يمكن الاستفادة من القنوات المائية التقليدية والأمطار في حال تبني نموذج عمراني أفقي أقل كثافة.
وتابع أن النمط الأفقي يتيح استخدام الطاقة الشمسية وإعادة تدوير المياه الرمادية للزراعة المنزلية، وهو ما لا يتاح في الأبنية الشاهقة، كما أن تقييد توسع المدن بحجة حماية البيئة أدى عمليا إلى ارتفاع أسعار الأراضي وتغيير استخدام البساتين داخل المدن بدلا من الحفاظ عليها.
وشددت الصحيفة على أن الخطة السابعة للتنمية تُلزم الحكومة بضم نحو 330 ألف هكتار من الأراضي الواقعة خارج المدن إلى نطاقها العمراني، بهدف خفض أسعار الأراضي وتفعيل مشروع “النهضة الوطنية للإسكان”.
ونقلت عن خبير الإسكان بهزاد عمران زادة، قوله إن الدولة تمتلك بالفعل كل الأدوات القانونية اللازمة لمواجهة أزمة السكن، من بينها قانون “قفزة إنتاج الإسكان”، وضريبة المنازل الشاغرة، وتنظيم سوق الإيجارات، إلى جانب بنود الخطة السابعة، غير أن العامل الحاسم يبقى في توافر الإرادة الحكومية.
وأضاف الخبير أن الجمع بين هذه التشريعات وإرادة التنفيذ يمكن أن يوفر حلا جذريا للأزمة، خصوصا إذا أُتيح للمواطنين بناء منازلهم بأنفسهم.
وأشارت الصحيفة في الختام إلى أن عدد العمال يبلغ نحو 14 مليون شخص ضمن أربعة ملايين أسرة، معظمهم مستأجرون، معتبرة أن بناء 94 ألف مسكن عمالي قد يتحول من فرصة إلى تهديد إذا انتهى الأمر بإهدار الموارد وفتح باب الفساد، مؤكدة أن الحل هو أن تتكفل الحكومة مباشرة بالتمويل والبناء ضمن “النهضة الوطنية للإسكان”، أو أن توزع الأراضي ليبنيها المواطنون بأنفسهم.

