كيهان الأصولية: المواطن يكافح الغلاء والتضخم بينما الحكومة منشغلة بالمظاهر الإعلامية في إيران

Image

ترجمة: ساره شعبان المزين

وسط أزمة اقتصادية حادة في إيران وارتفاع قياسي في الأسعار، يبرز تباين صارخ بين معاناة المواطنين وأولويات إدارة الملفات الحكومية، مما يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات المتبعة وقدرتها على تلبية احتياجات الشعب. 

نشرت صحيفة” كيهان” الأصولية، الأحد 14 ديسمبر/كانون الأول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن التضخم المتفاقم والقفزة غير المسبوقة في أسعار العملات الأجنبية والسلع الأساسية أدّيا إلى تقلّص مائدة معيشة المواطنين؛ غير أن بعض المسؤولين الحكوميين، بدلا من البحث عن حلول لمعاش الناس، انشغلوا بقضايا من قبيل رفع الحجب، وماراثون كيش، ومنح تراخيص للموسيقى تحت الأرض. 

وأوضحت الصحيفة أن الفجوة بين المعاناة الحقيقية للمجتمع وانشغالات الحكومة الثانوية ترسم صورة واضحة عن غياب الكفاءة وافتقار حكومة بزشكيان إلى التخطيط.

وأضافت أن مائدة المواطنين تتقلّص يوما بعد يوم؛ فالتضخم المتفاقم، وتحطيم الدولار والذهب للأرقام القياسية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والأدوية، إلى جانب ضعف البنى التحتية وذلك باعتراف مسؤولي حكومة بزشكيان أنفسهم جميعها تقدّم صورة جلية عن التدهور المعيشي في المجتمع. 

وأكدت أن هذه الأوضاع كانت تفرض على المديرين الحكوميين التركيز على معالجة المشكلات الجوهرية للمواطنين والنزول إلى الميدان لتخفيف العبء الثقيل عن كاهلهم.

وبيّنت الصحيفة أن ما يُلاحظ في الواقع هو انغماس بعض أعضاء الحكومة في قضايا جانبية؛ إذ يرى إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي أن طريق الانفراج يكمن في رفع الحجب، ويدافع عن ماراثون كيش المثير للجدل وغير المنضبط، وكأن مشكلات المواطنين يمكن تجاوزها عبر شعارات “الوفاق” والاستعراضات الإعلامية. 

كما أشارت إلى أن يوسف بزشكيان ،المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية، وفي ذروة الأزمة الاقتصادية، تحدّث عن فرحته بعد صدور ترخيص أول ألبوم راب واعتبره إنجازا بارزا، مؤكدة أن هذه القضايا الثانوية بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومعالجة مشكلاتهم المعيشية.

وأضافت الصحيفة أن هذا التناقض الصارخ بين واقع حياة المواطنين وانشغالات المسؤولين يضع تساؤلا جديا أمام الرأي العام بشأن ما إذا كانت حكومة بزشكيان قد نسيت أولوياتها، بل فلسفة وجودها الأساسية.

أولويات المواطنين أهم من القضايا الجانبية

ذكرت الصحيفة أن محمد رضا جوادي يكانه، رئيس مركز التواصل الشعبي في رئاسة الجمهورية، أعلن في حسابه على منصة «إكس» استقالته من منصبه، حيث كتب:

«قدّمتُ يوم الأربعاء 10 ديسمبر / كانون الأول 2025، استقالتي من رئاسة مركز التواصل الشعبي برئاسة الجمهورية، إن تصنيف مشكلات المواطنين، ومتابعة مطالبهم لدى الأجهزة التنفيذية، والسعي لحل جزء منها، كانت فرصة قيّمة، غير أن الاستمرار فيها لم يعد ممكنا لأسباب متعددة».

وتابعت الصحيفة أن جوادي يكانه نشر لاحقا نصا تضمّن نموذجا من الرسائل الشعبية التي تُرسل يوميا وأن هذه الرسائل، إلى جانب ما تعكسه من صدق وإحساس بالمسؤولية لدى جوادي يكانه، تُظهر بوضوح أنه وسط الكمّ الكبير من مطالب المواطنين، لا يظهر أي أثر للقضايا الثانوية والهامشية التي يرفعها بعض أعضاء الحكومة.

وبيّنت أن المواطنين يتحدثون عن الاحتجاج على ارتفاع أسعار بعض الأدوية، ونقص المعلمين في المناطق الريفية، والاعتراض على ضعف البنى التحتية في المناطق الريفية والحضرية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتطبيق قوانين الحجاب الإسلامي في الفضاءات العامة، وزيادة أسعار مستلزمات تربية الماشية والدواجن.

انشغالات غير مرتبطة بمعيشة المواطنين

ذكرت الصحيفة أن المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية، في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع التضخم الذي يفاقم صعوبات المواطنين، تحدث عن إنجاز إعلامي لا علاقة له بالمعيشة اليومية للناس. 

وأضافت أن المستشار أوضح أن بعد صدور أول ألبوم  للفنان الإيراني شروين حاجي بور، نُشر الآن أول برنامج راب فارسي بترخيص رسمي، وأنه تم بذل جهود كبيرة للوصول إلى هذه المرحلة.

Image

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المحاولات للترويج الإعلامي للإنجازات تأتي بينما يعاني المواطنون من مشكلات حقيقية في تأمين الدواء والخبز والسلع الأساسية وأنه يثار التساؤل حول ما إذا كانت الأولوية يجب أن تكون لإصدار تراخيص للراب أم لتلبية الاحتياجات المعيشية للمواطنين.

وأوضحت الصحيفة أن إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، أعلن مؤخرا على هامش اجتماع مجلس الوزراء أن الحكومة تسعى خلال الشهر المقبل لإلغاء حجب منصة أخرى. 

وأضاف أن جزءا كبيرا من طاقة الحكومة موجه لموضوع رفع الحجب وهو موضوع ذو أهمية محدودة لقطاع صغير من المجتمع، ولا يمثل أولوية لمشكلات المواطنين وعندما يشتكي المواطنون من ارتفاع أسعار الدواء والسلع الأساسية والتضخم المتفاقم، فإن التركيز على رفع الحجب يشير أكثر إلى فجوة الحكومة عن الواقع الاجتماعي منه إلى تقديم حلول.

كما ذكرت الصحيفة أن إلياس حضرتي، في اجتماع التعاون من أجل مستقبل مشرق في كيش، أكد على ضرورة عدم الانشغال بالحواشي والمضي قدما بعزم أكبر من قبل. 

وأضاف أن حضوره إلى كيش جاء للإعلان عن دعم الحكومة لمدير كفء في هيئة المنطقة الحرة. 

وأوضحت الصحيفة أن هذه التصريحات جاءت ردا على الجدل المثار حول ماراثون كيش، مشيرة إلى أن ماراثون كيش أكثر من كونه حدثا رياضيا، فهو يمثل رمزا للفوضى الثقافية والفشل الإداري وأن هذه الانتهاكات حدثت علنا أمام المسؤولين، وصمت المنظمين فتح المجال للانحلال الإعلامي والثقافي.

أمل  جزيرة كيش لا يملأ موائد الإيرانيين

ذكرت الصحيفة أن حضرتي في الاجتماع شدد على أن الحكومة تعتقد أنه إذا أردنا أن تزدهر البلاد وتتحقق التنمية في إيران، فلا سبيل إلا زيادة الاستثمارات ورفع مستوى الإنتاجية وأن العمل يجب أن يكون بعيدا عن إثارة الجدل، وبوحدة وتعاون، وأن تجسيد هذا الوضع يُرى اليوم في كيش.

وأبرزت الصحيفة أن حضرتي قال: «اليوم، بعد مرور عام على تعيين مدير شاب وكفؤ، استمعت بدقة إلى تقارير ومطالب وآراء المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في كيش، ولاحظت أن الذين كانوا يأسوا وفقدوا الأمل قبل عام، اليوم مفعمون بالأمل ويتطلعون إلى مستقبل مشرق».

ونوهت إلى أن هذه الرواية عن الأمل والوئام في كيش، رغم أهميتها للمنطقة الحرة، لا يمكن أن تشكل إجابة عن المشكلات التي يواجهها الناس في جميع أنحاء البلاد فالأمل في كيش لا يملأ موائد الناس في سيستان، مشهد، أهواز، والقرى الفقيرة.

وأشارت الصحيفة إلى أن المجتمع اليوم يواجه واقعا مؤلما؛ فاستياء الجمهور من الغلاء المستمر، وارتفاع السيولة النقدية إلى أكثر من 40٪، والتضخم السنوي الذي يقترب من 50٪، كلها مؤشرات على أن الحكومة تواجه صعوبات كبيرة في إدارة الاقتصاد.

ولفتت  إلى أن إشارة الحكومة لإلغاء سعر صرف نحو 0.68 دولار وبعض القرارات غير الحكيمة دفعت الدولار إلى حدود 74 دولارا، مع تحمل الطبقات الفقيرة الجزء الأكبر من هذه الارتفاعات.

كما أشارت  الصحيفة إلى أن ارتفاع أسعار الخبز والحبوب والفواكه والمكسرات ومنتجات الألبان بأكثر من 100٪ أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للعمال.

وأكدت  أن الحكومة بدلا من التركيز على معالجة المعاناة الحقيقية للناس، منخرطة في القضايا الجانبية؛ فإعطاء تراخيص للموسيقى السرية والدفاع عن الانفتاح في كيش يُقدَّم على أنه إنجاز، فيما تُعرض وعود رفع الحجب كإنجاز إعلامي.

وأبرزت الصحيفة أن معاون الرئيس التنفيذي للحكومة يلمح إلى حكومة الرئيس السابق رئیسي ويدعي أن التضخم كان سيصل إلى 70٪ لو استمر مسار تلك الحكومة، وهو ما يتعارض مع بيانات المركز الإحصائي الرسمي، الذي أظهر أن التضخم كان في انخفاض خلال آخر 12 شهرا من حكومة رئیسي، وحتى تضخم المواد الغذائية انخفض من 38٪ إلى 24٪.

واختتمت الصحيفة بالقول إن هذا كله يدل على أن جزءا كبيرا من الحكومة الحالية لم ينجح في معالجة أزمة المعيشة، وغارق في القضايا الجانبية، ما أدى إلى ابتعادها عن واقع حياة الناس وزيادة معاناتهم.

وأكدت أن الناس يريدون خبزهم واستقرارهم الاقتصادي، وليس عروضا إعلامية أو تراخيص الموسيقى السرية، وأنه حتى تعود الثقة، يجب على الحكومة التركيز على الاقتصاد والمعيشة قبل أي شيء آخر، وهو السبيل الوحيد لإعادة الأمل الحقيقي للمجتمع وتجاوز أزماته الاقتصادية.