- زاد إيران - المحرر
- 733 Views
كتب: ربيع السعدني
في لحظة تاريخية مشحونة بالتوتر، تحتفل إيران اليوم بالذكرى العاشرة لتبني قرار مجلس الأمن رقم 2231، الذي أقر خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) عام 2015.
لكن هذه المناسبة لا تأتي بأجواء احتفالية، بل تُلقي بظلالها على مشهد دولي معقد، حيث تنتهي اليوم الصلاحية الرسمية للقيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، مما يفتح الباب أمام احتمال تفعيل آلية “سناب باك” وإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، وسط تصاعد التوترات الإقليمية والعدوان الإسرائيلي المستمر، تواجه إيران تحديات وجودية تهدد استقرارها الاقتصادي والأمني، لكنها تملك أيضا فرصا دبلوماسية قد تغير مسار الأحداث.
خلف الكواليس، تحاول تل أبيب إجبار إيران على التراجع سياسيا من خلال استخدام الورقة الأوروبية، وفي هذا الصدد، تستخدم أيضا أدوات ضغط كتفعيل آلية الزناد ضد طهران، لكن من الواضح أن دبلوماسية إيران مع أوروبا في الوضع الراهن استمرارٌ لحربٍ ضروس، وصناع القرار الإيرانيون يدركون هذه المسألة جيدا.
ما تداعيات تنفيذ آلية الزناد؟
مع انتهاء صلاحية قرار 2231، يواجه البرنامج النووي الإيراني شبح عودة العقوبات الدولية بقوة غير مسبوقة.
آلية “سناب باك”، المدمجة ضمن بنود الاتفاق النووي، تتيح لأي طرف من مجموعة 5+1 (الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا) إعادة فرض العقوبات تلقائيًا دون الحاجة إلى تصويت في مجلس الأمن.
صممت الآلية لتكون أداة ضغط فاعلة تسمح بتفعيل العقوبات دون عرقلة بسبب فيتو أو خلافات داخل مجلس الأمن، بهدف تحفيز إيران على الالتزام الكامل ببنود الاتفاق النووي.
وهي إحدى الأدوات الرئيسية للضغط الغربي على إيران في إطار خطة العمل الشاملة المشتركة، وقد يؤدي تفعيلها ليس فقط إلى إعادة فرض العقوبات الدولية، بل أيضا إلى عواقب وخيمة، مثل استمرار انخفاض قيمة الريال، وتراجع التبادل التجاري، وتفاقم عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي وفي ظل الظروف الراهنة، يُعدّ الحفاظ على مسار التعامل مع الوكالة واعتماد طهران دبلوماسية نشطة الاستراتيجية الأهم لمنع تفعيل هذه الآلية المكلفة.
إلا أن الأجواء السياسية الضبابية واحتمال اتخاذ الغرب قرارات أحادية الجانب لا يزالان يُنذران بهذا السيناريو.

لكن الميزة الأهم لهذه الآلية هي أنها غير قابلة للنقض؛ أي إنه إذا ادعى أحد أعضاء الاتفاق النووي أن إيران تنتهك الاتفاق وأخذ الأمر إلى مجلس الأمن، فإن جميع العقوبات المعلقة ستعود تلقائيا إذا لم يتم حل النزاع في غضون 30 يوما، حتى لو عارض ذلك أعضاء آخرون، بما في ذلك روسيا أو الصين.
وفقا لمصادر دبلوماسية، تتزايد المؤشرات على أن الدول الأوروبية، تحت ضغط أمريكي، قد تلجأ إلى تفعيل هذه الآلية خلال الأشهر المقبلة، مما سيُعيد فرض قيود صارمة على القطاعات المالية، النفطية، والتجارية الإيرانية، عودة هذه العقوبات ستُشكل ضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني.
حيث ستُعيق صادرات النفط، وتحد من الوصول إلى الأسواق العالمية، وتعرقل جذب الاستثمارات الأجنبية كما ستُعيد تفعيل ستة قرارات سابقة لمجلس الأمن، مما يجعل أنشطة مثل تخصيب اليورانيوم، تطوير الصواريخ، وتجارة الأسلحة التقليدية غير قانونية بموجب القانون الدولي، هذا الوضع سيُفاقم عزلة إيران الدولية، ويُعرض مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى للخطر.
تحديات وفرص دبلوماسية
وسط هذا الواقع المعقد، يتفاقم الوضع الأمني الإيراني بسبب التصعيد الإسرائيلي والصراعات الإقليمية، الهجمات الأخيرة على منشآت نووية إيرانية أثارت مخاوف دولية، مما يعزز الحجة لدى القوى الغربية لتبرير تفعيل آلية “سناب باك”.
لكن هذه الأزمة تحمل في طياتها فرصا دبلوماسية قد تمكن إيران من تجنب العزلة الكاملة وللتغلب على هذه التحديات، يجب على إيران توحيد صفوفها الداخلية، والنخب السياسية، والحركات الاجتماعية، الإصلاحيون، والأصوليون مدعوون لتجاوز الانقسامات والعمل معا لحماية المصالح الوطنية، الوقت ضيق، لكن التضامن الداخلي يمكن أن يُشكل قوة دافعة لمواجهة الضغوط الخارجية.
استغلال الخلافات
تُظهر الدول الأوروبية، خصوصا فرنسا وألمانيا، ترددا في تصعيد الأزمة، حيث تخضعان لضغوط أمريكية دون اقتناع تام بجدوى إعادة العقوبات، إيران قادرة على استغلال هذا الخلاف من خلال دبلوماسية نشطة، مثل اقتراح تعليق مؤقت لتخصيب اليورانيوم لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر مقابل تأجيل تفعيل آلية “سناب باك”، كما يمكن لطهران توجيه تحذيرات واضحة إلى أوروبا بشأن تداعيات قطع التعاون في قضايا حساسة مثل مكافحة الإرهاب ومراقبة الهجرة، وهي أولويات أوروبية كبرى.
روسيا والصين.. دعم القوى العظمى
تتمتع إيران بحلفاء استراتيجيين مثل روسيا والصين، اللتين يمكنهما لعب دور حاسم في مجلس الأمن.

روسيا، التي تتولى الرئاسة الدورية للمجلس في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تستطيع حشد دعم الأعضاء غير الدائمين مثل باكستان، والجزائر، والصومال، وكوريا الجنوبية، وسيراليون، وغيانا، لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع إيران.
الصين، من جانبها، يمكن أن توفر دعمًا اقتصاديا وسياسيا لمواجهة الضغوط الغربية.
كسب الدول المحايدة
تعزيز الدبلوماسية العامة أمر حيوي لنقل رسائل مطمئنة إلى المجتمع الدولي. دول مثل الهند، تركيا، وقطر يمكن أن تتحول إلى داعمين لإيران في المحافل الدولية إذا نجحت طهران في تقديم نفسها كشريك موثوق يسعى للاستقرار الإقليمي، إبراز التزام إيران بالشفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيعزز هذا الموقف ويخفف من الضغوط الدولية.
استراتيجيات لتجنب العقوبات
لمنع تفعيل آلية “سناب باك“، يجب على إيران تبني نهج دبلوماسي استباقي ومتعدد الأوجه:
- التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية: تقديم شفافية كاملة في الأنشطة النووية، وضمن ذلك السماح بتفتيش دقيق للمنشآت، سيُظهر التزام إيران بالسلمية ويُضعف مبررات التصعيد الغربي.
- مفاوضات مع أوروبا: اقتراح صفقات مؤقتة، مثل تعليق التخصيب مقابل تأجيل العقوبات، مع التركيز على مصالح أوروبا الأمنية والاقتصادية.
- استغلال الخلافات الدولية: الاستفادة من التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتعزيز التعاون مع روسيا والصين لتشكيل جبهة موحدة ضد العقوبات.
- تعزيز الدبلوماسية العامة: إطلاق حملات إعلامية عالمية لتوضيح موقف إيران وكسب دعم دول محايدة مثل الهند وتركيا.
رد فعل طهران
إيلي غرانمايه، الباحث الأول ونائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، يوضح في تقرير حديث نُشر على موقع المجلس الإلكتروني أن إعادة فرض العقوبات على إيران، خصوصا بعد هجمات عسكرية، لن تدفعها لقبول وقف التخصيب بالكامل كما تطالب الولايات المتحدة، وذلك بناءً على تجربة عشرين عاما من التوترات الدبلوماسية بين البلدين التي أكدت أن إيران ترد على الضغوط بالتصعيد ولا تتخلى عن حقها في التخصيب إلا عبر دبلوماسية محترمة ونزيهة.

كما ينقل التقرير تحذيرات من مسؤولين إيرانيين بأن تفعيل أوروبا لآلية “سناب باك” سيجبر إيران على الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، مما يعني غياب أي إشراف دولي على برنامجها النووي، واضطرار أوروبا للاعتماد على معلومات استخباراتية إسرائيلية وأمريكية شديدة التسييس. وهذا بدوره قد يفاقم الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران، ويمكّن إسرائيل من تشجيع شن هجمات جديدة على المنشآت النووية الإيرانية، ما سيدفع إيران إلى توسعة منشآتها السرية وربما دفعها نحو أبحاث أسلحة نووية.
إضافة لذلك، قد تتخذ إيران خطوات انتقامية مباشرة ضد أوروبا، مثل تعليق الدبلوماسية النووية مع الترويكا الأوروبية، وتصعيد الضغط على المواطنين الأوروبيين مزدوجي الجنسية المحتجزين لديها، وتعزيز علاقاتها العسكرية مع روسيا، وأكد غرانمايه أن تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات قد يعني فقدانها، وإن تركها دون بديل سيكون خطيرًا، لأن عدم التقدم في المفاوضات قد يعطل القيود التي يضعها مجلس الأمن لعقود، مع تعقيد استعادة إجماع المجلس، ويشدد على ضرورة أن تكون الخطوة المقبلة للترويكا الأوروبية إيجاد أساس لتمديد الاتفاق النووي لمرة واحدة ومحدودة، بموافقة جميع الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة.
ويقترح أن تقدم بريطانيا وفرنسا قرارا جديدا في مجلس الأمن لتمديد بند “سناب باك” مع منح إيران عامًا لاستئناف المفاوضات، ويفسر أن توقع اتفاق تقني سريع غير واقعي في ضوء التوترات الأخيرة والهجمات على المنشآت الإيرانية وعملية التخصيب المتصاعدة.
ومن جانبه صرّح محسن رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، بأن “آلية “سناب باك” مُفعّلة منذ عام 2018، والوضع لا يمكن أن يزداد سوءا”، وأضاف: “لقد فرضوا علينا أقصى العقوبات، وكان أسوأ خيار هو الحرب، وقد نجحنا في ذلك”، وتابع: “إذا فعّلوا آلية “سناب باك”، فسنكون في وضع حرج”، مؤكدا أن إيران مستعدة لمواجهة أي تدخل خارجي في ظل الوضع الراهن، كما صرح عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، بوروجردي، لإذاعة وتلفزيون إيران: “سعى الأوروبيون إلى تمديد مهلة استخدام آلية الزناد لستة أشهر في مفاوضات إسطنبول، لكن الجانب الإيراني رفض ذلك، في حال تفعيل آلية الزناد، لن يكون هناك مبرر لبقائنا عضوا في معاهدة حظر الانتشار النووي ويُعِدّ البرلمان قرارا بهذا الشأن”.
مستقبل معلق
تواجه إيران اليوم لحظة فارقة في تاريخها السياسي. تفعيل آلية “سناب باك” لن يؤدي فقط إلى عزلة اقتصادية وقانونية، بل قد يُعيد صياغة سياستها الخارجية بشكل جذري، النجاح في تجنب هذا السيناريو يتطلب دبلوماسية جريئة، وحدة وطنية، واستغلال ذكي للخلافات الدولية.
القرارات المتخذة اليوم ستُحدد ما إذا كانت إيران قادرة على الحفاظ على إنجازاتها الاستراتيجية أم أنها ستدخل مرحلة جديدة من التحديات غير المسبوقة.
في ظل هذه الظروف، يبقى السؤال: هل ستتمكن إيران من تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة تأكيد مكانتها كقوة إقليمية؟ الإجابة تكمن في الحكمة والسرعة في اتخاذ القرارات قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

