- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 682 Views
كتب: ربيع السعدني
بعد العدوان العسكري الإسرائيلي على إيران وحرب الأيام الاثني عشر التي أدت إلى الهجوم العسكري الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية، عادت مسألة التفاوض مع الغرب إلى الواجهة بين الخبراء والرأي العام، يرى البعض أن الدبلوماسية لا ينبغي أن تُغلق أبوابها تحت أي ظرف من الظروف، وأن الدبلوماسية، إلى جانب القوة العسكرية، تُعدّ إحدى أدوات طهران لكسب مزيد من الامتيازات، في المقابل، يرى بعض النقاد أن أي حديث عن التفاوض مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة، مكافأة للمعتدي وخيانة للبلاد.
في هذه الأثناء، حتى مجموعة من الخبراء الذين يؤيدون المفاوضات في زمن الحرب يعتقدون أن تفويض التفاوض لا ينبغي أن يكون في أيدي أولئك الذين أبرموا بالفعل خطة العمل الشاملة المشتركة في المفاوضات مع الولايات المتحدة والقوى العالمية، يُعد محمد حسن قديري أبيانه، السفير الإيراني السابق لدى المكسيك خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد، من أشد منتقدي خطة العمل الشاملة المشتركة، ومن بين من يعتقدون أن قادة السياسة الخارجية الحالية للبلاد لا ينبغي أن يكونوا حاضرين في المفاوضات مع الغرب.
ورغم تأكيده أن المفاوضات قد تكون ضرورية حتى في ذروة الحرب، فإنه يعتقد أنه لا ينبغي إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، ويقترح تعيين شخص مثل محمد جواد لاريجاني رئيسا لفريق التفاوض الإيراني مع الغرب، ويرى قديري أبيانه أن وزير خارجية إيران يفتقر إلى القوة اللازمة ويشعر بالخوف.
فريق التفاوض
في كواليس السياسة الإيرانية: الكشف عن “لجنة موازية” تتحكم في ملف المفاوضات النووية، في مقابلة نادرا ما يكشف فيها النقاب عن تفاصيل الخفايا السياسية الإيرانية، كشف علي أكبر صالحي، رئيس مؤسسة الدراسات الإيرانية ووزير الخارجية السابق، والرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية عن وجود لجنة موازية تُشرف على السياسة الخارجية الإيرانية، لا تابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي، لكنها تمتلك صلاحيات استثنائية في تحديد مهام ملف المفاوضات النووية والعلاقات الدولية.
هذه اللجنة، التي قد تبدو كهيئة استشارية من الخارج، تتألف من شخصيات مختلفة تمثل جهات متعددة، وحضرها عباس عراقجي بصفته وزير الخارجية، ما يؤكد تأثيرها المباشر على صنع القرار الدبلوماسي، بما يؤكد فعاليتها وصلاحياتها التي تتجاوز مجرد التقديم للمشورة، لتشمل اتخاذ قرارات حاسمة بالتوافق الجماعي.
وبدوره أعاد صالحي في مقابلة مع موقع سينرجي الإخباري، الثناء على الفريق التفاوضي الحالي، واصفا إياه بأنه توليفة رائعة من الخبرة العميقة والالتزام الراسخ، وأشاد باختيار عباس عراقجي لتولي وزارة الخارجية، معتبرا إياه قرارا صائبا بامتياز.

وقال: “مجيد تخت روانجي يتمتع بذكاء حاد وثقافة واسعة وكفاءة عالية، وكاظم غريب آبادي يجمع بين الخبرة والتفاني، أما إسماعيل بقائي فهو رمز للثقة.. هذا الفريق الإيراني يمثل مزيجا متناغما من الكفاءات ذات المعرفة الشاملة بالقضايا، وأضاف مازحا عن عراقجي: “كنا نقول له: أنت الحكيم بلا منازع”. وأكد أن عباس عراقجي يتميز بالحكمة، والانفتاح على الحوار، والقدرة على الاستماع، وهي صفات برزت بوضوح خلال الاجتماعات مع السيد ظريف وغيره من الأعضاء.
مركزية القرار
في سياق حديثه عن التحديات الهيكلية للمفاوضات، نصح صالحي الرئيس بتكثيف الصلاحيات في يد وزارة الخارجية، متسائلا: “لماذا الاستعانة بلجنة خارجية لاتخاذ القرارات، بينما تمتلك الوزارة كفاءات علمية وقانونية وسياسية متميزة، ووزيرها شخصية متمرسة ومطلعة؟”
وحذّر من أن تشكيل لجان مستقلة قد يعرقل سير المفاوضات، مستشهدا بتجربة سابقة في عهد السيد باقري، حيث كادت المفاوضات تصل إلى خواتيمها لكنها انحرفت فجأة. وأكد أن المجلس الأعلى للأمن القومي يحتفظ بمكانته العليا، لكن إسناد عملية صنع القرار إلى لجنة خارجية عن الوزارة يفتقر إلى المنطق وأعرب صالحي عن اقتناعه بأن عراقجي يتعامل بحذر أكبر مما سبق، ربما لتجنب استنفاد صلاحياته القانونية.
ودعا الرئيس الإيراني طلب إذن خاص من المرشد الأعلى لمنح الفريق التفاوضي صلاحيات موسعة، وقال: “من يملك خبرة أعمق في التعامل مع أوروبا وأمريكا من عراقجي، أو تخت روانجي، أو غريب آبادي، وغيرهم من أعضاء هذا الفريق المتألق؟” وأشار إلى أن عراقجي ليس مجرد مفاوض، بل دبلوماسي مخضرم شارك في مفاوضات 5+1، وإذا مُنح الصلاحيات الكافية، فسيقود المفاوضات بثقة وتماسك أكبر، مما يعزز فرص النجاح.
هذا الكشف يتماشى مع ما جاء في مذكرات محمد جواد ظريف، وزير الخارجية السابق، في كتابه “العلاقة مع المؤسسات الحاكمة”، حيث وصف وجود آلية مماثلة داخل أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي خلال ولايته التي امتدت ثماني سنوات، وأوضح ظريف أن المجلس الأعلى للأمن القومي يُفترض أن يكون منسقا بين المؤسسات الأمنية والخارجية، إلا أن الواقع في حكومات عدة شهد تركيز صنع القرار في مجموعة صغيرة داخل الأمانة العامة تحت إدارة أمناء المجلس، دون علم وزير الخارجية الإيراني.

وذكر أن عملية تقليص دور الجهاز الدبلوماسي في شؤون السياسة الخارجية كانت متزايدة خاصة خلال الفترات التي شملت الحكومتين التاسعة والعاشرة، وتحدث ظريف أيضا عن صراع واضح بين وزارة الخارجية وأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي إثر إعادة الملف النووي من الأمانة إلى الوزارة، مما أدى إلى توترات في التنسيق خصوصا في ملفات التفتيش والملفات الحساسة الأخرى.
كما إن البحث في هذه اللجنة الموازية يفتح نافذة مهمة على آليات صنع القرار التي قد لا تكون معروفة للجمهور، ويكشف عن تعددية الجهات المؤثرة داخل النظام الإيراني، حيث يبرز أن وزارة الخارجية ليست وحدها من تقود السياسة الخارجية، بل هناك هيئات ذات سلطة تنفيذية فعالة خارج الأطر الرسمية المعروفة.
هذا الكشف يأتي في وقت تتصاعد فيه أهمية المفاوضات النووية الإيرانية في السياق الدولي، حيث تؤكد مثل هذه المعلومات على تعقيد المشهد الداخلي الإيراني الذي تواجهه الأطراف الأجنبية في مفاوضاتها. كما يوضح كيف تتداخل السلطات وتتشابك أدوار المؤسسات الحكومية الرسمية وغير الرسمية في صناعة السياسات.
بالتالي، تبرز الصورة أن الملف النووي والسياسات الخارجية لإيران تُدار ضمن شبكة معقدة من المؤسسات واللجان التي تنسق بينها بطرق غالبا ما تكون بعيدة عن الشفافية الإعلامية، مما يفرض تحديات على المتابعين لفهم ديناميات القرار داخل إيران.
تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه اللجان غير الرسمية ليست ظاهرة جديدة في النظام الإيراني، ولكن الإعلان الصريح عنها من قِبل مسؤول بارز كالوزير السابق علي أكبر صالحي يُعد أمرا لافتا ويعكس تحولات حالية في طريقة عرض المعلومات الأمنية والدبلوماسية.
من هنا، تتأكد أهمية مراجعة الملفات السياسية للدبلوماسية الإيرانية مع إدراك أن مراكز النفوذ قد لا تكون ظاهرة دائما ضمن الهيئات الحكومية الرسمية، بل يمتد تأثيرها إلى لجان ومجموعات طالبانها صلاحيات واسعة ومهمات استراتيجية حاسمة في رسم سياسات إيران على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي رد متحدث وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على سؤال حول ملف التفاوض مع الغرب، أكد بأن المطلب الأهم والأساسي لأي مفاوضات هو رفع العقوبات المفروضة على طهران بشكل واضح وفعّال، وأوضح أن النقاش النووي واضح بالنسبة لهم، وإذا كان الهدف هو نزع السلاح النووي فإن هذا قابل للتحقيق، لكن رفع العقوبات هو الشرط الجوهري والأساس للتوصل إلى تفاهم مع الجانب الأمريكي.
وبيّن بقائي أن ضمان رفع العقوبات، التي فرضت على إيران لعقود طويلة وبشكل غير قانوني وفق وصفه، يعد ضرورة قصوى، مؤكدا أن واشنطن حتى الآن لم تبدي استعدادا لتقديم توضيحات واضحة حول كيفية رفع هذه العقوبات، مع التحذير من تكرار التجارب السابقة التي لم تؤد لرفع فعلي وملموس للعقوبات. وأضاف أن رفع العقوبات يجب أن يكون ملموسا بحيث يؤثر إيجابيا على القطاعات الاقتصادية والتجارية لإيران عمليا، وليس مجرد وعود نظرية، وأشار إلى أن إيران لم ترَ شرف أي إشارة جدية حتى الآن من الجانب الأمريكي، بل العكس، حيث شهدت كل جولة من المحادثات فرض عقوبات جديدة عليها، مما يعكس غياب الإرادة الحقيقية لدى الولايات المتحدة لرفع العقوبات وفتح المجال للتعاون الاقتصادي.

