مبادرة حركة محو الأمية.. ارتفاع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة في إيران بنسبة 95%

كتب: محمد رضا بيدل

في الثامن من سبتمبر/أيلول من كل عام، يذكّرنا “اليوم العالمي لمحو الأمية” بأن القراءة والكتابة ليستا مجرد مهارة فردية، بل هما أساس المشاركة المجتمعية، والنمو الاقتصادي، والصحة العامة، والتماسك الثقافي. 

وفي إيران، يكتسب هذا اليوم أهمية مضاعفة، إذ انتقلت البلاد خلال العقود الأخيرة من الاعتماد على الكتاتيب المتفرقة والتعليم المحدود في المدن، إلى مرحلة باتت فيها الأمية شبه معدومة بين الأجيال الشابة، واقتربت معدلات معرفة القراءة والكتابة لدى الكبار من المستويات العالمية.

ومع ذلك، لم يكن هذا الطريق مستقيما ولا خاليا من التحديات. ففي العهد البهلوي، ورغم الإصلاحات المؤسسية والسعي إلى تحديث التعليم، ظلّت جهود محو الأمية محدودة وتشوبها ثغرات، لكن بعد الثورة الإسلامية عام 1979، شكّلت “حركة محو الأمية” ومنهجية التعبئة الاجتماعية نقطة تحوّل، إذ فتحت مسارا جديدا نحو تعميم التعليم الأساسي وإرساء قاعدة معرفية أوسع للمجتمع.

حتى القرن التاسع عشر، ظلّ التعليم في المجتمع الإيراني امتيازا محدودا برجال الدين وكبار القوم وأبناء النخب، فقد كانت “المكاتب” منتشرة هنا وهناك في المدن والقرى؛ وهي غرف بسيطة مفروشة ببعض الحصر والألواح، تُدار تحت إشراف المُلّا المحلي أو أحد المتعلمين. وكان التعليم فيها يتركّز على قراءة القرآن، والكتابة بقلم القصب، مع شيء من الحساب وبعض المسائل الرياضية. أما البنات، فنادرا ما كان لهنّ مكان في هذا النظام، كما أنّ العائلات الريفية لم تكن تجد حافزا كافيا لإرسال أبنائها إلى المكاتب.

ومع دخول إيران مرحلة المواجهة مع أوروبا، أخذت أهمية التعليم تزداد وضوحا. فقد اعتبر المثقفون والإصلاحيون في العهد القاجاري أن التخلّف العلمي والتربوي أحد أسباب ضعف إيران، وفي هذا السياق، وضع ميرزا محمد تقي خان فراهاني، الملقّب بـ أميركبير (صدر أعظم ناصر الدين شاه القاجاري)، الأساس للتعليم الحديث بإنشائه مدرسة دار الفنون عام 1851، أول مؤسسة للتعليم العالي في إيران.

Image

وقد ضمّت دار الفنون أساتذة من النمسا وغيرها من الدول الأوروبية، ودرّست علوما حديثة كالطب والهندسة والعلوم العسكرية، ورغم أن المستفيدين الأوائل منها كانوا أبناء الطبقة الأرستقراطية والنخبة، إلا أنّها مثّلت نقطة تحوّل في النظام التعليمي. صحيح أنّ دار الفنون لم تتوسع كثيرا، لكنها كانت تجربة ثمينة أمام الطامحين لتعريف الإيرانيين بالعلوم الحديثة والتقدّم الذي أحرزه الأوروبيون في مجالات الصناعة والاقتصاد والسياسة وغيرها.

وفي الفترة ذاتها، بدأت محاولات متفرقة لتعليم البنات، فقد بادرت طوبى آزموده، التي وُلدت في حيّ “سنكلج” لعائلة عسكرية، إلى تأسيس مدرسة للبنات وهي في التاسعة والعشرين من عمرها، وبالتعاون مع سيدات أخريات مهتمات بتعليم الفتيات، أسست عام 1907 مدرسة ناموس، أول مدرسة للبنات في طهران، وذلك في حيّ “حسن آباد”.

تكمن أهمية مبادرة طوبى آزموده في أنّها أقدمت على خطوة جريئة خلال العهد القاجاري، في وقت كان فيه تعليم البنات مرفوضا في بعض مناطق إيران وداخل بعض البُنى الثقافية والاجتماعية. لقد فتحت الطريق بجرأة وأسست أول مدرسة للبنات، لتخطو بذلك أهم خطوة في سبيل تعليم الفتيات.

كان والدها، ميرزا حسين خان، أحد ضباط الجيش، قد استأجر معلّما لابنته، فتعلّمت طوبى في منزلها، حيث درست إلى جانب العلوم الأساسية اللغات الفرنسية والعربية والإنجليزية.

Image

في تلك الأيام، واجه تأسيس المدارس الخاصة بالبنات معارضة شديدة؛ تراوحت بين رفض اجتماعي وثقافي واسع، واعتراضات بعض نواب البرلمان، ومن بينهم ميرزا سيد محمد صادق، الذي كان يعارض هذه المدارس بحجة نقص المعلّمات المؤهلات وعدم وجود آليات مناسبة لدعمها.

ومع ذلك، وجد هذا التوجّه أنصارا في أوساط البرلمان، مثل ناظم الإسلام الكرماني، الذي صرّح مؤيدا:

“لنجتهد في تربية فتيات الوطن، ولنكسوهنّ لباس العلم والفن؛ فطالما لم تصبح البنات عالمات ومثقفات، لن ينشأ الأولاد على تربية سليمة.”

في تلك الفترة، أي بعد الثورة الدستورية – وهي الحركة التي نشأت للحدّ من سلطة الشاه المطلقة وإنشاء أول برلمان ودستور في إيران – دارت نقاشات وجدالات كثيرة بين النواب المؤيدين والمعارضين لتأسيس مدارس للبنات، وفي خضم هذا الجدل، دخلت طوبى آزموده الساحة وأقدمت على تأسيس أول مدرسة للبنات في إيران، وأطلقت عليها اسم مدرسة ناموس الابتدائية.

ولم يمر وقت طويل حتى انضمّت عائلات كثيرة إلى مشروعها، فسجّلت بناتها في المدرسة، وقد لقيت المدرسة منذ سنواتها الأولى إقبالا واسعا في طهران، حتى إنّه بعد مرور ثمانية أعوام فقط على تأسيس أول مدرسة ابتدائية للبنات في العاصمة، أصبحت طهران تضمّ ست مدارس للبنات، ومع هذا الإقبال الكبير، عملت آزموده وزميلاتها على توسيع مدرسة ناموس والتخطيط لمراحل تعليمية أعلى للبنات. حتى أنّه مع افتتاح المرحلة الثانوية، تمكنت عام 1928 أول دفعة من فتيات طهران من الحصول على شهادة الدبلوم من هذه المدرسة. 

ورغم المعارضة التقليدية التي واجهت مبادرة طوبى آزموده في بداياتها، فقد فتحت الطريق أمام انتشار المدارس الخاصة بالبنات وأسهمت في تعزيز حضور النساء في ميدان التعليم.

Image

هذا السياق التاريخي ضروري لفهم المراحل التالية، أي فترة الحكم البهلوي وما بعد الثورة الإسلامية، حين تحوّل التعليم إلى حركة اجتماعية وطنية، فقد جعل رضا شاه بهلوي من التعليم ركيزة لبناء “الدولة-الأمة”، وربطه بالهوية الوطنية والتحديث الإداري. وتمثلت أبرز خطواته في توحيد المناهج الدراسية، وإنشاء جامعة طهران، والتركيز على اللغة الفارسية المعيارية، والحد من نفوذ المدارس التقليدية، الأمر الذي أعطى للتعليم وجها أكثر حداثة. 

وفي عام 1943، ثُبّتت الأسس القانونية لتعميم التعليم بصدور قانون التعليم الابتدائي الإلزامي، لكن تطبيقه بشكل شامل ظلّ متعثرا بسبب نقص البنية التحتية والكوادر التعليمية والميزانيات.

وقد انعكس هذا التعثر في صورة مزدوجة: ففي المدن الكبرى، ازدهرت المدارس واستفادت الطبقة الوسطى الحضرية من فرص تعليم واسعة، بينما واجه سكان القرى والمناطق النائية صعوبات جمة، حيث حالت المدارس متعددة الصفوف ونقص المعلّمين والمسافات الجغرافية الطويلة دون تعميم التعليم فعليا على المجتمع الإيراني.

في عهد محمد رضا شاه بهلوي، نجل رضا شاه، اتخذت الدولة خطوات أوسع نحو التنمية مع إطلاق الثورة البيضاء عام 1963، وهي حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية شملت الإصلاح الزراعي، وتوسيع نطاق التعليم، ومنح النساء حق التصويت. 

وفي هذا السياق أُنشئ جهاز تعليمي يعرف بـ سِپاه دانش (جيش المعرفة)، حيث جرى إرسال خريجي الثانوية إلى القرى لمعالجة فجوة الوصول إلى التعليم لدى الطبقات الفقيرة. وبالتوازي، حاول كل من سپاه بهداشت (جيش الصحة) وسپاه عمران (جيش الإعمار) ربط التعليم بخدمات الصحة والبنية التحتية.

وقد كانت النتيجة الطبيعية لهذه السياسات زيادة أعداد المسجلين في المدارس وتحسن مؤشرات التعليم، لكن التجربة الميدانية أظهرت أن نموذج الإيفاد القصير الأمد، القائم على تبديل سريع للكوادر واعتماده على الدوافع الفردية، واجه صعوبة في ضمان الجودة والاستمرارية. كما مثّلت أساليب التدريس المتغيرة، وضعف استمرارية التعلم، وانعدام الصلة المستقرة مع منظومة التعليم المهني للتدريس أبرز التحديات.

وبصورة عامة، بدأ تطور التعليم في العهد البهلوي من المراكز الحضرية لينتقل تدريجيا إلى الأطراف، وهو ما جعل مستوى التعليم في المدن الكبرى أفضل بكثير منه في الأرياف، وأدى إلى توزيع غير متكافئ للفرص بين الطبقات الاجتماعية. آنذاك، بلغت نسبة معرفة القراءة والكتابة لدى الفئة العمرية (10–49 سنة) نحو 68.3% في المناطق الحضرية، مقابل 28.8% فقط في الأرياف.

ورغم التوسع في مدارس البنات قبيل الثورة، بقيت الفجوة بين معدلات تعليم النساء والرجال كبيرة، كما شكل الزواج المبكر أو الأعراف الاجتماعية في بعض المناطق عقبة أمام استمرار الفتيات في الدراسة. يضاف إلى ذلك أن السياسات التعليمية ركزت أكثر على الأطفال والناشئة، بينما اقتصرت برامج محو أمية الكبار على مبادرات متقطعة، ولم تتحول غالبا إلى مؤسسات دائمة.

لقد ترافق السعي إلى التوسع الكمي مع تحديات في ما يتعلق بـ جودة التعليم؛ إذ استغرقت عمليات التقييم وتطوير المناهج وقتا طويلا حتى بلغت مستوى مهنيا مقبولا. وفي الأرياف على وجه الخصوص، جعلت الفصول متعددة المستويات، ونقص الإمكانات، من اكتساب مهارة حقيقية في القراءة والكتابة أمرا بالغ الصعوبة.

وفي العهد البهلوي، كان النظام الوطني لجمع البيانات وإتاحتها على نحو موحّد وقابل للمقارنة دوليا لا يزال في طور التشكل. لذلك، جاءت بعض الأرقام والادعاءات محصورة بمناطق أو فئات عمرية محددة، مما جعل الصورة العامة لمستويات محو الأمية بين الكبار أقل وضوحا.

وتفسر هذه المحدوديات السبب في أنّه، رغم تراكم البنى التحتية ووضع السياسات التعليمية، ظلت الفجوات الجندرية والجغرافية قائمة حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين، وبقيت إيران بعيدة عن تحقيق مفهوم التعليم الشامل للجميع.

لقد غيّرت ثورة 1979 علاقة المجتمع الإيراني مع التعليم من ناحيتين: إذ لم يعد التعليم مشروعا للتحديث الذي تتبناه الدولة فحسب، بل أصبح حقا عاما وواجبا وطنيا. كما أنّ محو أمية الكبار، الذي كان مهمشا في السياسات التعليمية السابقة، انتقل إلى صدارة الاهتمام.

Image

في عام 1980، أصدر آية الله الخميني أمرا بتأسيس حركة محو الأمية، وهي مؤسسة اعتمدت على الشبكات الاجتماعية للمساجد والمدارس والمجالس المحلية والمتطوعين، فسرعان ما امتد نشاطها إلى مختلف أنحاء البلاد.

ركّزت هذه الحركة على ثلاث فئات كانت الأكثر حرمانا: النساء، وسكان القرى، والكبار من البالغين. وأسهمت الفصول المتنقلة، والدروس المسائية في المساجد والمنازل، والحزم التعليمية المبسطة، إلى جانب التدريب السريع للمدرّبين المتطوعين، في تسريع وتيرة التغطية التعليمية. 

بل إنّ دروس محو الأمية لم تتوقف حتى خلال الحرب العراقية–الإيرانية، حيث واصل المعلّمون والمتطوعون التدريس في مدن الخطوط الخلفية والقرى، وأبقوا شعلة التعليم مضيئة.

وكانت النتيجة الطبيعية لهذه التعبئة الاجتماعية تراجعا ملحوظا في معدلات الأمية خلال الثمانينيات، واستمرار انخفاضها في العقود اللاحقة، فقد ارتفعت نسبة معرفة القراءة والكتابة في الفئة العمرية (10–49 عاما) في السنوات الأخيرة إلى 97.7% في المناطق الحضرية و94.4% في المناطق الريفية.

أما الاختلاف الجوهري بين مرحلة ما بعد الثورة والفترة السابقة، فكان إضفاء الطابع المؤسسي على تعليم الكبار. إذ مضت حركة محو الأمية قدما ضمن وزارة التعليم، مستندة إلى لوائح تنظيمية وميزانية ومناهج دراسية ونظام تقويم مستقل. كما أُدرجت مخرجاتها بشكل منهجي في مسار مواصلة التعليم أو اكتساب المهارات. وهكذا، انتقل محو أمية الكبار من مبادرة مؤقتة إلى خدمة عامة دائمة ومستقرة.

مع انتشار حركة محو الأمية على نطاق واسع، تراجع الفارق الجندري بشكل ملحوظ، وأدى حضور النساء في الصفوف الدراسية إلى رفع المعدلات العامة، كما ترك آثارا جانبية إيجابية على صحة الأسرة، والمشاركة الاجتماعية، وتربية الأبناء.

كذلك تضاءل الفارق بين المدن والريف، إذ ساهمت الصفوف المتنقلة والنماذج التعليمية المحلية في إدخال القرى والمناطق النائية – التي كانت مهمّشة في السابق – إلى قلب العملية التعليمية. وبالتوازي مع ذلك، أصبحت الثقافة العامة أكثر حساسية تجاه قضية التعليم، حتى تحوّل امتلاك القدرة على كتابة الاسم، وقراءة الفواتير، وملء النماذج، ولاحقا استخدام الهاتف الذكي، إلى همّ وطني مشترك.

وفي عام 2018، نالت حركة محو الأمية في إيران جائزة كونفوشيوس لليونسكو لمحو الأمية عن مشروعها الخاص بـ “دمج تعليم القراءة والكتابة الأساسية مع المهارات الحاسوبية وفقا لمعايير الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب (ICDL)”. وتُمنح هذه الجائزة للدول التي تحقق إنجازات بارزة في مجال تعزيز محو أمية الكبار، وتمكين النساء والفئات المهمّشة، وترسيخ مفهوم التعلم مدى الحياة.

وخلال الحفل الرسمي لأسبوع محو الأمية العالمي في 7 سبتمبر/أيلول 2018 بمقر اليونسكو في باريس، تسلّم ممثلو إيران شهادة تقدير، وميدالية خاصة، وجائزة نقدية قدرها 20 ألف دولار. وأكدت اليونسكو في بيانها أن برنامج إيران، من خلال الجمع بين تعليم القراءة والكتابة ومهارات العصر الرقمي، يمثل خطوة مهمة في تكييف المجتمع مع التحولات التكنولوجية، ويعزز المشاركة المتكافئة للنساء وسكان الريف في الاقتصاد القائم على المعرفة.

إذا أردنا أن نشرح لماذا ازداد سُرعة وعمق مسار محو الأمية في إيران بعد الثورة، يمكن الإشارة إلى عدة آليات. فقد أتاح التعبئة الاجتماعية المنظَّمة وربط الشبكات المحلية – من مساجد، مجالس، وجمعيات خيرية – بآليات الدولة في “نهضة محو الأمية” ووزارة التربية والتعليم، الوصول إلى أبعد المناطق وأصعب الفئات المستهدفة.

لقد شملت هذه الفئات: ربّات البيوت، والعمال الموسميين، وكبار السن، والبدو الرحّل، والمهاجرين، الذين كانوا في النموذج المدرسي التقليدي أقل حضورا. وقد كسرت نهضة محو الأمية الحواجز الثقافية والزمانية من خلال جدولة مرنة، أماكن مألوفة، وبرامج قصيرة المدى.

كما سمحت الحزم التعليمية خفيفة الحجم، وأدوات التعلّم المنزلي، والتقييمات المرحلية بربط التعليم بالحياة اليومية، وجعلته عمليا عبر قضايا ملموسة مثل: قراءة وصفات الأدوية والفواتير، وكتابة الشيكات والرسائل النصية. وأسهمت شهادات التخرّج، والاحتفالات المحلية بمنحها، وتقديم المتعلمين المتميزين في المحافل العامة، والصورة الإيجابية في الإعلام الوطني في رفع المكانة الاجتماعية لصفة “أن تصبح متعلّما”.

هذه الآليات في الجمهورية الإسلامية فتحت اختناقات واجهها النظام التعليمي في عهد البهلويين، حين اصطدم بمحدودية الوصول إلى الشبكات المحلية، وبالمقاومات الثقافية، وبنقص المؤسسية في مجال محو أمية الكبار.

وفي الأجيال السابقة، لم تكن أمية النساء قضية ملحّة، لكن بعد الثورة – ومع توسع حركة محو الأمية والمدارس المخصصة للبنات – جرى تجاوز هذا التحدي. وقد ترجم هذا التحول في الحياة اليومية إلى مزيد من الاستقلال الاقتصادي، وقرارات أكثر وعيا بشأن الصحة والتربية، وحضور نشط في المجتمع المدني.

في المناطق الجبلية والصحراوية، كان مفهوم “الفصل الدراسي الثابت” أحيانا يُعَدّ ترفا. وقد أدخلت نهضة محو الأمية الفصول المتنقلة، واستفادت من بيوت الصحة، والمجالس المحلية، والحسينيّات، لتنقل التعليم إلى أماكن لم تصلها المدارس. هذه المرونة المحلية، بدل انتظار استكمال البنية التحتية المادية، اشترت الوقت لصالح المتعلمين وساعدت في تقليص الفجوة التاريخية بين المدينة والريف.

Image

كما أن مواجهة إيران لحركات النزوح الداخلية والخارجية أفرزت فصولا دراسية متعددة اللغة والثقافة. فجاءت الحلول على شكل صفوف ثنائية اللغة، ومحتوى مرئي-سمعي مخصص. وفي مجال الإعاقة، وُضعت تكييفات تعليمية مثل الخطوط الكبيرة، والمحتوى الصوتي، والوسائل المساعدة، ضمن مسار توسيع مفهوم “الأمية الشاملة”.

أمّا في عهد البهلوي، فقد كان منطق السياسات التعليمية قائما أساسا على الجامعات، والتوحيد القياسي، والتوسع المدرسي، وهو منطق نخبوي يُدار من أعلى إلى أسفل. وقد كان لهذا النهج دور في إنتاج رأس مال بشري يخدم الدولة الحديثة، لكنه لم يكن كافيا. بعد الثورة، تحوّل التعليم إلى مهمة عامة، وصار مشروع محو الأمية يُعرَّف بشكل مشترك بين الدولة والشعب والمؤسسات الاجتماعية.

إن قصة محو الأمية في إيران هي قصة انتقال من الامتياز إلى الحق، ومن المركز إلى الأطراف، ومن صفحات الكتب إلى تفاصيل الحياة. فمرحلة البهلوي – رغم نواقصها – أرست أسس التحديث التعليمي، أما ما بعد الثورة فقد ملأ هذا البناء بروح العدالة التعليمية والمشاركة الاجتماعية. واليوم، يكاد يكون جيل الشباب كلّه متعلما، فيما تمكن الكبار على نطاق واسع من ربط القراءة والكتابة بحياتهم اليومية.