مراسم الأربعين للمرشد السابق في إيران… بين الطقس الديني والتعبئة السياسية

تشهد إيران في هذه المرحلة حدثا لافتا يعيد إلى الواجهة واحدة من أبرز الظواهر التي تتقاطع فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والسياسية داخل المجتمع. ففي ظل أجواء مشحونة بالمشاعر والرمزية، تتجه الأنظار إلى كيفية تفاعل الشارع الإيراني مع مناسبة تحمل في طياتها دلالات تتجاوز حدود الطقوس التقليدية، لتلامس قضايا الهوية والولاء والاستمرارية. ويبدو أن هذا الحدث، بما يحيط به من تنظيم واسع وحضور مرتقب، يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين المجتمع ومؤسساته، حيث تتداخل المشاعر الجماعية مع الرسائل الضمنية التي تسعى مختلف الأطراف إلى ترسيخها في الوعي العام.

تفاصيل مراسم الأربعين للمرشد السابق

تستعد إيران ابتداء من يوم غد لإحياء مراسم الذكرى الأربعين لرحيل المرشد السابق، على خامنئي، في واحدة من أكبر الفعاليات الدينية السياسية التي تشهدها البلاد، حيث أعلنت الجهات الرسمية، وعلى رأسها مجلس تنسيق الدعاية الإسلامية، عن برنامج موسع يمتد لثلاثة أيام، من الأربعاء إلى الجمعة الموافق 8 وحتى 10 إبريل/ نيسان 2026، وسط توقعات بحشد جماهيري واسع يعكس أهمية الحدث في الوعي الجمعي الإيراني.

Image

ووفق البيانات الرسمية، ستنطلق الفعاليات مساء الأربعاء، الذي هو الليلة الأربعين للوفاة، ابتداء من الساعة الثامنة مساء بتوقيت طهران، حيث ستقام مراسم العزاء في جميع الساحات الرئيسية والمساجد والمراقد الدينية في مختلف أنحاء البلاد. وتشمل هذه المراسم إقامة مجالس العزاء، وتنظيم مواكب العزاء، إضافة إلى محافل المداحين الذين يتلون المراثي الدينية، فضلا عن تلاوة القرآن وقراءة نصوص دينية. هذا وتحرص الجهات المنظمة على توحيد هذه الفعاليات زمانيا ومكانيا، في محاولة لخلق حالة من التزامن الشعوري بين مختلف المدن، بما يعزز من صورة الوحدة الوطنية.

ولا تقتصر هذه الفعاليات على الطابع الديني التقليدي، بل تحمل أيضا أبعادا تنظيمية واضحة، حيث تم توجيه الدعوة إلى مختلف فئات المجتمع، من رجال الدين وطلاب الحوزات العلمية، إلى الناشطين الثقافيين وأعضاء الهيئات الدينية، للمشاركة الفاعلة في هذه المناسبة. كما تشير الدعوات الرسمية إلى ضرورة الحضور الحاشد والفاعل، في تعبير يعكس البعد التعبوي الذي تسعى الجهات المنظمة إلى تحقيقه من خلال هذه المناسبة.

Image

وفي يوم الخميس، تتخذ المراسم طابعا ميدانيا أكثر وضوحا، حيث تنطلق مواكب العزاء والهيئات الدينية منذ الساعة ٩:٠٠ صباحا من ميدان الجمهورية الإسلامية في العاصمة طهران، متجهة نحو الموقع المقابل لمكان استشهاد المرشد، في شارع كشور دوست الواقع ضمن شارع الجمهورية. وتمثل هذه المسيرات أحد أبرز مظاهر الحشد الجماهيري، إذ تجمع بين الرمزية الدينية والحضور الشعبي المنظم، في مشهد يراد له أن يعكس تماسك الجبهة الداخلية واستمرار الالتفاف حول القيادة.

كما يشهد مساء الخميس فعالية ذات طابع رمزي خاص، تتمثل في ترديد جماعي لدعاء سلامة الإمام المهدي في الساعة ٢١:٠٠، وذلك في الساحات والأماكن المقدسة، بصوت مسجل للمرشد الراحل، وتحمل هذه الخطوة دلالة عميقة، إذ تربط بين شخصية المرشد ومفاهيم الانتظار والقيادة الدينية المستمرة، بما يعزز من البعد العقائدي للمناسبة.

أما يوم الجمعة، فتبلغ المراسم ذروتها، حيث تقام فعاليات متزامنة في مصليات جميع أنحاء البلاد، ابتداء من الساعة ١٠:٠٠ صباحا، قبيل صلاة الجمعة. وتتضمن هذه الفعاليات برامج دينية متنوعة، تشمل تلاوة القرآن الكريم، وختمه، وقراءة سورة الفتح بشكل جماعي، إضافة إلى الأدعية والمراثي، وإلقاء كلمات تأبينية تستعرض سيرة المرشد ودوره السياسي والديني. كما يتم خلال هذه المراسم تجديد العهد والولاء، في إشارة واضحة إلى البعد السياسي للمناسبة.

Image

وفي مدينة مشهد، إحدى أهم المراكز الدينية في إيران، ستقام مراسم خاصة بالتزامن مع صلاتي الظهر والعصر في مقر ممثلية جامعة المصطفى، بحضور طلاب العلوم الدينية والنخب الثقافية. وتتضمن هذه المراسم كلمات دينية يلقيها علماء بارزون، تركز على الجوانب العلمية والفقهية لشخصية المرشد، إلى جانب فقرات مراثي، ما يعكس محاولة الجمع بين البعد الفكري والعاطفي في تأبينه.

ويلاحظ أن البرنامج المعلن لا يقتصر على المدن الكبرى، بل يشمل مختلف المحافظات، ما يعكس سعيا واضحا لتعميم المشاركة الشعبية وإضفاء طابع وطني شامل على هذه المناسبة. كما أن الدعوات الرسمية المتكررة للمشاركة الواسعة تشير إلى إدراك السلطات لأهمية هذه اللحظة في إعادة التأكيد على وحدة الصف الداخلي، خاصة في ظل التحديات السياسية التي تواجهها البلاد.

الجانب الأمني لمراسم الأربعين في ظل التوترات الإقليمية

تقام مراسم أربعين المرشد السابق في سياق أمني حساس، يتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية وانتهاء المهلة التي سبق أن أعلنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فيما يتعلق بإيران، وهو ما يضفي على هذه المناسبة طابعا استثنائيا يتجاوز البعد الديني إلى اعتبارات أمنية وسياسية معقدة. وفي هذا الإطار، تبدو مسألة تأمين المراسم أولوية قصوى لدى السلطات الإيرانية، التي تسعى إلى ضمان سير الفعاليات دون أي اضطرابات، سواء كانت داخلية أو خارجية.

تعتمد إيران في مثل هذه المناسبات على منظومة أمنية متعددة المستويات، تشمل انتشارا مكثفا لقوات الأمن الداخلي، وعناصر من الحرس الثوري، إضافة إلى وحدات من قوات التعبئة، الباسيج، التي تلعب دورا مهما في تنظيم الحشود ومراقبة التحركات الميدانية. ويتوقع أن تشهد المدن الكبرى، وفي مقدمتها طهران ومشهد، تعزيزات أمنية ملحوظة، خاصة في محيط الساحات الرئيسية والمساجد والمراقد الدينية التي ستستضيف الفعاليات.

Image

ويكتسب هذا الاستنفار الأمني أهمية خاصة في ظل المخاوف من إمكانية استغلال الحشود الكبيرة لتنفيذ عمليات تخريبية أو إثارة اضطرابات، خصوصا مع اقتراب انتهاء المهلة الأمريكية التي كانت قد وضعت في سياق الضغوط على إيران. وفي هذا السياق، تسعى السلطات إلى إرسال رسالة مزدوجة، فمن جهة، التأكيد على قدرتها على حفظ الأمن والاستقرار، ومن جهة أخرى، إظهار تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية.

كما يلاحظ أن الخطاب الرسمي المصاحب لهذه المراسم يتضمن إشارات واضحة إلى التهديدات الخارجية، حيث يتم ربط المناسبة بسياق أوسع من المواجهة مع ما يوصف بالأعداء، وهو ما ينعكس أيضا في الإجراءات الأمنية المتخذة. فالمراسم، في هذا الإطار، لا تعد مجرد حدث ديني، بل تتحول إلى مناسبة ذات أبعاد استراتيجية، تتطلب مستوى عاليًا من الجاهزية الأمنية.

Image

وفي الوقت ذاته، تحرص السلطات على تحقيق توازن دقيق بين تشديد الإجراءات الأمنية والحفاظ على الطابع الشعبي للمراسم، إذ إن أي مظاهر مفرطة للقوة قد تؤثر سلبا على صورة الحدث، لذلك، يتم غالبا دمج العناصر الأمنية ضمن الحشود، أو تكليف قوات الباسيج بأدوار تنظيمية ذات طابع مدني، بما يضمن الانضباط دون إثارة التوتر.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن تأمين مراسم أربعين الأمام السابق يمثل اختبارا مهما لقدرة الدولة الإيرانية على إدارة حدث جماهيري واسع في ظل بيئة إقليمية متوترة، فنجاح هذه المراسم من الناحية الأمنية لا يقتصر على منع الحوادث، بل يشمل أيضا القدرة على تقديم صورة من الاستقرار والسيطرة، في وقت تشتد فيه الضغوط الخارجية وتتعاظم التحديات الداخلية.

مراسم الأربعين في المذهب الشيعي… الجذور والشعائر

تعد مراسم الأربعين واحدة من أبرز المناسبات في المذهب الشيعي، وهي تقليد ديني يرتبط بمرور أربعين يوما على وفاة الشخص، ويستمد أساسه الرمزي من ذكرى أربعين الإمام الحسين بن علي، الذي قتل في واقعة كربلاء عام ٦٨٠ ميلادية، وقد اكتسبت هذه المناسبة مكانة خاصة في الوجدان الشيعي، حيث ينظر إليها باعتبارها ذروة الحزن والتأمل، ومرحلة انتقالية من الصدمة الأولى للفقد إلى حالة من التذكر الواعي والمستمر.

Image

من الناحية الدينية، تعتبر الأربعين امتدادا لسلسلة من الطقوس المرتبطة بالموت، تبدأ بمراسم الدفن والعزاء المباشر، مرورا بالأيام الثلاثة الأولى، ثم السابع، وصولا إلى الأربعين. ويعتقد أن هذه الفترة الزمنية تحمل دلالات روحية، إذ تتيح للمجتمع فرصة التعبير الجماعي عن الحزن، ولعائلة المتوفى فرصة تلقي الدعم الاجتماعي والنفسي.

Image

وتتضمن مراسم الأربعين مجموعة من الشعائر التي تختلف تفاصيلها من مجتمع إلى آخر، لكنها تتشابه في جوهرها، وتشمل هذه الشعائر إقامة مجالس العزاء، وتلاوة القرآن الكريم، وقراءة الأدعية، وإلقاء المراثي التي تستحضر سيرة المتوفى وخصاله، إضافة إلى تنظيم مواكب اللطم وضرب الصدور في بعض البيئات. كما تعد مشاركة الناس في هذه المراسم شكلا من أشكال التضامن الاجتماعي، حيث يحضر الأقارب والأصدقاء لتقديم العزاء ومواساة الأسرة.

في بعض الحالات، تقام مراسم الأربعين في المساجد أو الحسينيات، بينما تنظم في حالات أخرى في المنازل أو القاعات العامة، أو حتى عند القبر، وقد تتضمن المراسم تقديم الطعام للضيوف، أو القيام بأعمال خيرية باسم المتوفى، مثل التبرع للمحتاجين، وهو ما ينظر إليه على أنه صدقة جارية تعود بالنفع على روحه.

Image

وتظهر الممارسات الاجتماعية المرتبطة بمراسم الأربعين تنوعا كبيرا، إذ تختلف التقاليد بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الطبقات الاجتماعية المختلفة، ومع ذلك، يبقى الهدف الأساسي واحدا، وهو تخليد ذكرى المتوفى وتعزيز الروابط الاجتماعية.

ومن الجدير بالذكر أن بعض المعتقدات الشعبية المرتبطة بمراسم الأربعين، مثل تعديل موعدها بناء على عدد أبناء المتوفى، لا تستند إلى أساس ديني، بل تعد من العادات التي نشأت في بعض المجتمعات. في المقابل، يؤكد الفقه الشيعي على أن إقامة هذه المراسم أمر مستحب، لما تحققه من فوائد روحية واجتماعية.

Image

وفي السياق الإيراني، اكتسبت مراسم الأربعين بعدا إضافيا، حيث أصبحت جزءا من الثقافة العامة، ليس فقط كطقس ديني، بل كحدث اجتماعي وسياسي. ويعكس ذلك التداخل بين الدين والحياة العامة في إيران، حيث تلعب الرمزية الدينية دورا محوريا في تشكيل الهوية الجماعية.

مراسم الأربعين والحشد الأيديولوجي في إيران

على مدار العقود الستة الماضية، تحولت مراسم الأربعين في إيران من مجرد طقس ديني إلى أداة فعالة للحشد الأيديولوجي والسياسي، مستفيدة من قدرتها على استقطاب الجماهير في إطار عاطفي وديني، وقد برز هذا الدور بشكل خاص في الفترات التي شهدت تحولات سياسية كبرى، حيث استخدمت هذه المناسبة كمنصة لتعبئة الشارع وتعزيز الرسائل السياسية.

هذا ويعد مثال وفاة مصطفى الخميني عام ١٩٧٧، ابن روح الله الخميني قائد الثورة في إيران، من أبرز الحالات التي توضح هذا التحول، إذ تحولت مراسم الأربعين الخاصة به إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الاحتجاجات ضد نظام الشاه. وقد أدت هذه الاحتجاجات، التي تجددت كل أربعين يوما، إلى ما عرف بدورة الأربعينات، وهي ظاهرة ساهمت بشكل مباشر في تصاعد الحركة الثورية وصولا إلى سقوط النظام عام ١٩٧٩.

Image

كما لعبت مراسم الأربعين لضحايا احتجاجات قم عام ١٩٧٨ دورا مشابها، حيث تحولت إلى مناسبات لتجديد الاحتجاجات في مدن أخرى، مثل تبريز، ما أدى إلى انتشار الحركة الاحتجاجية على نطاق واسع، ويظهر هذا النمط كيف يمكن لمناسبة دينية أن تتحول إلى أداة سياسية فعالة، عندما تتوفر لها الظروف المناسبة.

Image

وفي مرحلة ما بعد الثورة، استمرت هذه الديناميكية، لكن في اتجاه مختلف، حيث استخدمت الدولة مراسم الأربعين لتعزيز شرعيتها وترسيخ خطابها الأيديولوجي. فقد تحولت مراسم الأربعين لشخصيات مثل مرتضى مطهري إلى مناسبات لتأكيد قيم الثورة، بينما لعبت مراسم الأربعين لضحايا الحرب العراقية الإيرانية دورا مهما في تعبئة المجتمع واستمرار الدعم للحرب.

Image

وفي السنوات الأخيرة، استمر هذا الاستخدام السياسي لمراسم الأربعين، كما ظهر في مراسم الأربعين لقاسم سليماني عام ٢٠٢٠، والتي شهدت حشودا كبيرة، واستخدمت لتعزيز الخطاب السياسي وتوحيد الشارع في مواجهة التحديات الخارجية. وفي المقابل، أظهرت أحداث أخرى، مثل مراسم الأربعين لمهسا أميني عام ٢٠٢٢، كيف يمكن لهذه المناسبة أن تتحول إلى منصة للاحتجاج، ما يعكس طبيعتها المزدوجة.

Image
Image

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن مراسم الأربعين في إيران تمثل أداة ديناميكية يمكن توظيفها بطرق مختلفة، سواء من قبل السلطة أو المعارضة. فهي تجمع بين البعد العاطفي والرمزية الدينية، ما يجعلها وسيلة فعالة للتأثير في الرأي العام.

وتأتي مراسم الأربعين للمرشد السابق في هذا السياق، حيث يتوقع أن تلعب دورا مهما في إعادة التأكيد على تماسك النظام، وتعزيز شرعيته، وإظهار قدرته على الحشد الجماهيري. وفي الوقت ذاته، تعكس هذه المراسم استمرار تقليد طويل من استخدام المناسبات الدينية كأدوات سياسية، في بلد تتداخل فيه الدين والسياسة بشكل وثيق.