- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 162 Views
كتب: الترجمان
دخل الصراع الإيراني-الأمريكي فصلا هو الأخطر منذ عقود، حيث انتقلت لغة التهديد من استهداف المواقع العسكرية والاغتيالات السياسية إلى “حرب شاملة على مقومات الحياة”.
ومع إعلان دونالد ترامب عن “ساعة صفر” تستهدف الجسور ومحطات الطاقة يوم الثلاثاء 7 أبريل/نيسان 2026، وضعت المنطقة برمتها فوق صفيح ساخن. هذه التهديدات التي وصفتها طهران بـ”المجنونة”، تعكس تحولا جذريا في استراتيجية واشنطن التي تسعى لفرض “الاستسلام عبر الظلام”، من خلال ضرب عصب الاقتصاد والحياة اليومية للمواطنين.
وفي المقابل، تبرز لغة إيرانية واثقة من القدرة على الصمود الفني، مستندة إلى شبكة كهرباء معقدة وموزعة جغرافيا، وتنوع في مصادر الطاقة يجعل من فكرة “الإظلام التام” مهمة شبه مستحيلة تقنيا، رغم فداحة الخسائر المادية المتوقعة.

خطاب “يوم الجسور”: ترامب والمقامرة بالاستقرار العالمي
لم تعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد تصريحات عابرة في سياق الضغط السياسي، بل تحولت إلى وعيد مباشر بتدمير البنية التحتية المدنية التي تعد أساس بقاء السكان.
ففي تصريحاته الأخيرة لصحيفة “وال ستريت جورنال” وشبكة “إي بي سي”، رسم ترامب صورة قاتمة لمستقبل إيران، مدعيا أن “عملية إعادة الإعمار قد تستغرق عشرين عاما إذا حالفهم الحظ، هذا إذا بقي هناك بلد لإعادة إعماره”.
هذا الخطاب التصعيدي، الذي حدد يوم الثلاثاء 7 أبريل/نيسان موعدا لاستهداف محطات الطاقة والجسور، يهدف بالدرجة الأولى إلى ليّ ذراع طهران لفتح مضيق هرمز تحت وطأة “التهديد بالعودة إلى العصور الوسطى”.
يرى مراقبون أن ترامب، ومن خلال استخدامه لمصطلحات مثل “العيش في الجحيم” وتحدي إيران بفتح “المضيق اللعين”، يحاول القفز فوق إخفاقات المراحل السابقة من المواجهة التي لم تنجح في تغيير النظام أو إخضاعه، متجها نحو خيار “الأرض المحروقة” الذي يضع الاقتصاد العالمي برمته في مهب الريح، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط وتأثر سلاسل التوريد العالمية.

الرد الدبلوماسي الإيراني
من نيويورك، جاء الرد الإيراني سريعا وحادا عبر بعثتها الدائمة في الأمم المتحدة، حيث اعتبرت أن تهديدات ترامب “تحريض مباشر وعلني على إثارة الرعب بين المدنيين ودليل دامغ على نية ارتكاب جرائم حرب”.
البعثة الإيرانية في رسائلها عبر منصة “إكس” حاولت استنهاض “الضمير العالمي”، مشيرة إلى أن استهداف محطات الطاقة والجسور ومحطات تحلية المياه يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وبروتوكولات جنيف التي تحظر المساس بالمنشآت الضرورية لبقاء السكان.
وفي السياق ذاته، حذر كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، من أن هذه التهديدات تستوجب ملاحقة جنائية دولية لترامب بصفته أعلى مسؤول رسمي يحرض على جرائم فظيعة.
إيران وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية، مؤكدة أن “غدا سيكون متأخرا جدا” للتحرك، وفي الوقت نفسه، شددت على حقها المشروّع في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من منشور الأمم المتحدة، متوعدة برد “قاصم وفوري وباعث على الندم” يطال المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية في المنطقة.

المعادلة الفنية والتقنية: لماذا تراهن طهران على “الشبكة المتصلة”؟
بعيدا عن الخطابات السياسية، يبرز السؤال الجوهري حول مدى قدرة البنية التحتية الإيرانية على تحمل ضربات مركزة تستهدف قطاع الطاقة. رضا سبهوند، عضو هيئة رئاسة لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، قدم قراءة فنية مطمئنة للداخل، مؤكدا أن إيران تمتلك تنوعا هائلا في مصادر إنتاج الطاقة، تشمل المحطات الحرارية، والكهرمائية، والرياح، والطاقة الشمسية.
النقطة الأهم التي ركز عليها المسؤولون الفنيون هي “التوزيع الجغرافي”؛ فمعظم محطات الكهرباء في إيران ليست منشآت عملاقة وحيدة يسهل شلها بضربة واحدة، بل هي محطات متوسطة وصغيرة منتشرة في عموم البلاد.
هذا التشتت، مضافا إليه قدرة الشبكة الوطنية على نقل الطاقة من نقطة إلى أخرى وتجاوز المناطق المتضررة، يقلل من احتمالية حدوث تعطل شامل أو “Blackout” كامل.
كما أكد جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الإصلاحات، أن تجارب الحرب الإيرانية-العراقية خلقت خبرات هندسية قادرة على المناورة والصيانة السريعة، معتبرا أن ادعاء ترامب بإغراق البلاد في الظلام هو ادعاء “غير واقعي” من الناحية الهندسية الصرفة.

التداعيات الإنسانية والاقتصادية: شبح المجاعة العالمية يلوح في الأفق
تتجاوز آثار هذه الحرب الحدود الإيرانية لتهدد الأمن الغذائي العالمي، وهو ما حذر منه الدبلوماسي المستقيل من الأمم المتحدة، محمد صفا. التحليلات تشير إلى أن استمرار التصعيد قد يدفع بأسعار النفط لتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل، مما قد يؤدي لزيادة أعداد الجوعى حول العالم ليصل إلى رقم قياسي يبلغ 363 مليون شخص بحلول عام 2026.
تدمير البنية التحتية الإيرانية، خاصة الجسور وشبكات النقل، لن يعيق الحركة الداخلية فحسب، بل سيؤدي لرفع جنوني في أسعار السلع الأساسية. وفي الداخل الإيراني، تثار مخاوف جدية حول قطاع المياه، حيث نبهت تقارير لشبكة “سي إن إن” إلى أن استهداف محطات تحلية المياه -التي تعتبر منشآت مدنية بحتة- سيمثل كارثة إنسانية لا يمكن تبريرها قانونيا.
هذا القلق انتقل إلى دول الجوار في الخليج العربي، التي أبدت مخاوفها لواشنطن سرا من أن تحول النزاع نحو تدمير البنى التحتية المائية قد يخلق سوابق خطيرة في المنطقة، ويجر الجميع إلى حرب استنزاف لا رابح فيها.
الجبهة الاقتصادية والبرلمانية: استنفار لتأمين معيشة المواطنين
في مواجهة هذه التهديدات، بدأ البرلمان الإيراني والفرق الاقتصادية التابعة للحكومة في صياغة “خارطة طريق” لإدارة الأزمة. برزت مقترحات لتشكيل “لجنة خاصة لمتابعة مشاكل الحرب” في البرلمان، تهدف إلى إعادة النظر في الميزانية السنوية ومنح الأولوية لدعم معيشة الناس وحماية الشركات الصغيرة والمتوسطة.
حسين صمصامي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، حلل الموقف معتبرا أن استهداف البتروكيماويات وصناعات الفولاذ يمثل “المرحلة الثالثة” من الحرب بعد فشل واشنطن في إحداث فوضى سياسية أو شل القدرة العسكرية.
ويشدد الخبراء على ضرورة تحول الحكومة من الاعتماد على الضرائب إلى إدارة ذكية لعوائد النفط، خاصة وأن إيران تجني يوميا حوالي 139 مليون دولار من عبور الناقلات عبر مضيق هرمز، وهي عوائد يمكن استخدامها كـ”صندوق طوارئ” لإصلاح البنى التحتية المتضررة وتأمين السلع الأساسية.
كما طمأن رئيس اتحاد قطع الغيار المواطنين بأن المخزونات كافية، مؤكدا أن الأسواق لا تزال تعمل بكامل طاقتها رغم ظروف الحرب.

الموقف القانوني والدولي: هل يرتكب ترامب “انتحارا سياسيا”؟
قانونيا، يجمع خبراء القانون الدولي على أن تهديدات ترامب تقع تحت طائلة “التحريض على جرائم الحرب”. كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، أكد بوضوح أنه لا يوجد أي حجة قانونية تبرر الهجوم على محطات التحلية أو الطاقة المدنية، مشيراً إلى أن مستشاري ترامب يتحملون مسؤولية قانونية في حال تنفيذ “أوامر غير قانونية”.
من جانبها، شددت طهران على أن استهداف “الجسور” و”محطات الكهرباء” يخالف بروتوكولات جنيف لعام 1977، والتي تنص صراحة على حماية الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين.
هذا الضغط القانوني يضع الإدارة الأمريكية في مأزق أخلاقي وقانوني أمام المجتمع الدولي، حيث بدأت بعض الأصوات داخل الولايات المتحدة نفسها، وحتى بين قادة الجيش، في التعبير عن قلقها من مخاطر الدخول في حرب بلا سقف زمني وبلا أهداف سياسية واضحة، وهو ما تجلى في تقارير عن تغييرات في قيادات الجيش الأمريكي ممن عارضوا توجهات ترامب التصعيدية وغير المحسوبة.
سيناريوهات “الثلاثاء المرتقب”
مع اقتراب المهلة التي حددها ترامب، يبقى التساؤل حول مدى فاعلية هذه الضربات في تغيير الموقف الإيراني. الحقيقة التقنية تشير إلى أن إيران، التي تمتلك قدرة إنتاجية تتجاوز 70 ألف ميغاوات وموزعة على مئات النقاط، لن تنهار بمجرد فقدان بضعة محطات كبرى.
المهندسون الإيرانيون الذين استطاعوا خلال الهجمات الأخيرة إدخال المحطات المتضررة إلى الخدمة في وقت قياسي، يمثلون حائط الصد الأول. ومع ذلك، تظل المخاطر قائمة في حال حدوث هجمات “متزامنة وواسعة النطاق” تستهدف خطوط النقل الرئيسية، وهو السيناريو الذي تتحسب له وزارة الطاقة الإيرانية من خلال تفعيل بروتوكولات الطوارئ والربط الإقليمي.
إن الرهان الآن ليس فقط على قوة النار الأمريكية، بل على مدى مرونة البنية التحتية في إيران، وقدرتها على امتصاص الصدمات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن تعطل الخدمات الحيوية، في معارضة إرادات تحاول فيها واشنطن فرض “الاستسلام بالظلام”، بينما تسعى طهران لإثبات أن “الكهرباء والجسور” ليست نقاط ضعف يسهل كسرها.
خاتمة التقرير: مستقبل مفتوح على كافة الاحتمالات
في المحصلة، يبدو أن المواجهة الحالية تجاوزت الصراع على النفوذ السياسي لتصبح صراعاً على “أساسيات الوجود”. تهديدات ترامب، وإن كانت تحمل طابعا تدميريا غير مسبوق، قد تصطدم بواقع فني وتقني معقد في إيران، وبجبهة قانونية ودولية بدأت تتشكل رفضا لـ”شرعنة” استهداف المدنيين.
إن يوم الثلاثاء لن يكون مجرد موعد لعملية عسكرية، بل سيكون اختبارا حقيقيا لقدرة الدول على الصمود في وجه “حروب القرن الحادي والعشرين” التي لم تعد تستهدف الجنود في الخنادق، بل تستهدف الضوء في المنازل والماء في الصنابير والخبز في الأسواق.
وسواء نفذ ترامب تهديده أو تراجع تحت وطأة الضغوط، فإن قواعد الاشتباك في المنطقة قد تغيرت للأبد، وأصبح الأمن البنيوي هو المعيار الجديد للقوة والسيادة في مواجهة جنون العظمة العسكري.

