رهانات “كيهان” وتحذيرات البرلمان.. هل يتحول حجيج إيران إلى ورقة في “حرب الرهائن”؟

كتب: الترجمان

تقف إيران اليوم أمام واحد من أعقد القرارات السيادية والدينية في تاريخها المعاصر، حيث يطل موسم حج هذا العام 2026  برأسه وسط قرع طبول الحرب وتصاعد النزاع المباشر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. لم يعد الحج مجرد شعيرة عبادية تؤدى في أمن وأمان، بل تحول إلى ملف أمني شائك يتصدر طاولات النقاش في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. 

ومع إعلان هيئة الحج والعمرة في إيران عن خطة “اضطرارية” لتفويج الحجاج برا عبر العراق وصولا إلى منفذ “عرعر” الحدودي، انقسمت النخبة السياسية والإعلامية في طهران بين تيار يرى في إتمام الحج واجباً شرعياً ورسالة اقتدار وطني، وتيار يحذر من تحويل آلاف المواطنين الإيرانيين إلى “دروع بشرية” أو “رهائن” في ظل غياب الضمانات الأمنية من جانب السلطات السعودية التي يصفها البعض بأنها وكيل للإرادة الأمريكية في المنطقة.

Image

المسار البري.. اللجوء إلى “خطة الضرورة” وتحديات اللوجستيك

أحدثت التصريحات الأخيرة للمسؤولين في هيئة الحج والعمرة الإيرانية صدمة في الشارع، حيث أعلن “أكبر رضائي”، نائب شؤون الحج، أن إغلاق الأجواء وتوقف الملاحة الجوية الدولية نتيجة العمليات العسكرية الجارية، فرض تحولا جذريا في استراتيجية الإيفاد. 

فبعد عقود من الاعتماد على الجسور الجوية، تقرر أن يسلك نحو 31 ألف حاج إيراني مسارا بريا شاقا يبدأ من مدنهم الأصلية، مرورا بمنافذ “مهران” أو “الشلامجة” الحدودية مع العراق، وصولا إلى صحراء “عرعر” على الحدود السعودية. 

هذا التحول لا يحمل في طياته مشقة بدنية فحسب، بل يفرض قيودا طبية صارمة، حيث أعلن مركز الطب التابع للهلال الأحمر الإيراني عن ضرورة إخضاع المتقدمين لاختبارات استطاعة جسدية استثنائية تتناسب مع ظروف السفر الطويل بالحافلات. 

ولإضفاء مسحة من التخفيف على هذه الرحلة، تم إقرار مبيت ليلة واحدة في مدينة كربلاء أو مدينة النجف أثناء رحلة العودة، وهي خطوة يراها البعض محاولة لرفع معنويات الحجاج في ظل تقليص الحصة الإيرانية من 85 ألفا إلى حوالي 31 ألف حاج فقط، وهو تقليص عزاه “علي رضا رشيديان” إلى صعوبات في تحويل الأموال والتعاقدات البنكية نتيجة العقوبات والحصار المالي المطبق.

Image

تحذيرات برلمانية: الحج البري “مقامرة” بالأرواح في ظل طبول الحرب

وصفت فاطمة محمد بيكي، النائبة في البرلمان الإيراني، قرار هيئة الحج والعمرة بإيفاد نحو 30 ألف حاج في الظروف الراهنة بأنه “إجراء خطير ومخاطرة غير محسومة العواقب”. وأكدت محمد بيغي في تصريحاتها لوسائل الإعلام أن الإصرار على إرسال الحجاج، لا سيما عبر المسار البري الطويل، من شأنه أن يعرض حياة وأمن عشرات الآلاف من المواطنين لخطر جسيم في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والعمليات العسكرية الجارية، مشددة على ضرورة أن تتحرك الحكومة والبرلمان بشكل عاجل لمراجعة هذا القرار وضمان أمن الزوار قبل فوات الأوان.

وفي سياق تحليلها للمشهد السياسي، أشارت البرلمانية الإيرانية إلى أن البلاد تواجه حاليا حربا مفروضة من قبل الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي مباشر، لافتة إلى أن بعض دول المنطقة تتبنى مواقف وسلوكيات معادية لإيران، مما يستوجب توخي أقصى درجات الدقة والحيطة قبل اتخاذ قرارات سيادية تمس سلامة المواطنين. وتساءلت باستنكار عن جدوى تعريض هذا العدد الكبير من الإيرانيين للخطر في مثل هذه الظروف الحساسة، معلنة أنها ستواصل متابعة هذا الملف بجدية مع المسؤولين المعنيين لضمان تقديم المصالح الوطنية والأمن القومي على أي اعتبارات أخرى.

أرشيف الدم.. تاريخ من التوترات والصدامات في “بيت الله”

لا يمكن فهم حالة القلق الراهنة دون الغوص في سجل العلاقات الإيرانية السعودية المثقل بالأزمات منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. لقد شهدت مواسم الحج محطات دامية حفرت في الذاكرة الجمعية للإيرانيين، لعل أبرزها فاجعة عام 1987 حين هاجمت قوات الأمن السعودية مسيرة “البراءة من المشركين” التي نظمها الحجاج الإيرانيون في مكة المكرمة، مما أسفر عن استشهاد أكثر من 270 زائرا إيرانيا وإصابة المئات. 

تلك الحادثة أدت حينها إلى قطع العلاقات الدبلوماسية لسنوات، وتوقف إيفاد الحجاج لثلاث سنوات متتالية. ولم تكن هذه الحادثة يتيمة، ففي عام 1989 وقعت انفجارات قرب الحرم المكي اتهمت فيها السلطات السعودية أطرافا مدعومة من طهران، مما عمق فجوة الثقة. 

وحتى في التاريخ القريب، تبرز فاجعة “منى” عام 2015 كجرح نازف، حيث راح ضحيتها أكثر من 460 حاجا إيرانيا (من أصل مئات الضحايا)، وهو ما دفع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي حينها لوصف الإدارة السعودية للحج بـ “الشجرة الملعونة”، ما أدى لغياب الحجاج الإيرانيين عن موسم عام 2016 بعد فشل المفاوضات الأمنية والسياسية بين البلدين.

Image

هواجس “الرهائن” والحرب الإعلامية.. مسلسل “سفارة 87”

في ظل هذا المناخ المتوتر، برزت مخاوف جدية عبر عنها حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة “كيهان” الأصولية المقربة من دوائر القرار العليا، حيث دعا صراحة إلى “تعطيل الحج” هذا العام. 

منطلقات شريعتمداري ليست فقهية محضة، بل هي قراءة في “فقه المصلحة”؛ إذ يتساءل بحدة عن الضمانات التي تحمي الحجاج من التحول إلى “رهائن” في حال اشتعال المواجهة العسكرية الشاملة. 

وما زاد من حدة هذه الهواجس هو التوقيت “المستفز” الذي اختارته شبكة MBC السعودية لعرض مسلسل سفارة 87، الذي يتناول أحداث اقتحام السفارة السعودية في طهران عام 1987 واحتجاز دبلوماسيين كرد فعل على مجزرة الحجاج. 

هذا العمل الدرامي اعتبره مراقبون في طهران “رسالة سياسية مبطنة” تهدف إلى شحن الرأي العام العربي ضد إيران، وتلميحا إلى أن التاريخ قد يعيد نفسه بصور مختلفة، مما جعل النائبة البرلمانية “فاطمة محمد بيكي” تصف الإصرار على الحج في هذه الظروف بأنه “مخاطرة كبرى” بأرواح المواطنين.

Image

الحج كـ “خندق” لا يجوز إخلاؤه

على المقياس الآخر من الجدل، تبرز وجهة نظر تتبناها دوائر في هيئة الحج وبعض المرجعيات الدينية، ترى في استمرار الحج “حضورا مقتدرا” لإيران في قلب العالم الإسلامي. 

يستند هؤلاء إلى سجل الحج خلال سنوات الحرب المفروضة (1980-1988)؛ ففي عام 1980، ورغم أن الطائرات السعودية كانت تزود مقاتلات صدام حسين بالوقود، ورغم الدعاية العربية المحرضة ضد “تصدير الثورة”، أرسلت إيران 40 ألف حاج، وارتفع العدد ليصل إلى 150 ألفا في منتصف الثمانينيات. 

كان منطق الإمام الخميني حينها أن الحج “منبر إعلامي” لا يمكن التنازل عنه لخصوم الثورة. واليوم، يرى هذا التيار أن تعطيل الحج بداعي “الخوف” هو اعتراف بضعف الدولة ونجاح لسياسة العزل الدولية المفروضة عليها. 

الحج في نظرهم ليس مجرد سفر سياحي أو عبادي فردي، بل هو تنظيم وفكر سياسي يعكس تماسك بنية النظام وقدرته على إدارة الأزمات اللوجستية والأمنية المعقدة حتى في أحلك الظروف.

Image

ميزان الأمن القومي.. بين العاطفة الدينية والواقعية السياسية

إن الفارق الجوهري بين أزمات الثمانينيات واليوم يكمن في طبيعة “التهديد”؛ فبينما كان التوتر في الماضي محصورا في خلافات أيديولوجية أو حدودية، يواجه الحجاج الإيرانيون اليوم احتمال أن يكونوا في قلب منطقة حرب مباشرة تشارك فيها قوى عظمى. 

القرار النهائي لا يزال معلقا بانتظار “موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي”، الذي يدرس حاليا سيناريوهات متعددة. هل يمتلك النظام السعودي، الذي يسعى حاليا لـ “تصفير المشاكل” الإقليمية، الرغبة في التورط في أزمة إنسانية مع 31 ألف حاج إيراني؟ 

يرى خبراء أمنيون أن السعودية لن تجرؤ على المساس بالحجاج رسميا لأن تكلفة ذلك ستكون انتحارا سياسيا في العالم الإسلامي، لكن الخوف الحقيقي ينصب على “الأطراف الثالثة” أو الحوادث “العرضية” التي قد تخرج عن السيطرة في ظل حالة الاستنفار العسكري القصوى. 

إن تقليص العدد إلى 31 ألفا قد يكون بحد ذاته إجراء أمنيا احترازيا لتسهيل السيطرة والحماية، إلا أن المسار البري عبر العراق يظل الثغرة التي تقلق مضاجع المعارضين للإيفاد.

صمود أم تراجع؟

في المحصلة، يظل حج عام 2026 اختبارا تاريخيا لـ “عقلانية” إيران وقدرتها على الموازنة بين الحفاظ على الشعائر الإلهية وحماية أرواح مواطنيها. إن الدروس المستفادة من تاريخ التوتر الطويل، من 1987 إلى 2015، تؤكد أن دماء الحجاج كانت دائما الوقود الذي يشعل صراعات إقليمية كبرى. 

وبينما تصر هيئة الحج على أن (الحج خندق)، يرى المنتقدون أن الخنادق تُبنى للجنود لا لكبار السن والنساء الذين يشكلون غالبية الحجاج. ستظل الأيام القليلة القادمة، مع تحرك أول حافلة نحو حدود “عرعر”، هي الفيصل في كتابة فصل جديد من فصول “حج الحرب”، حيث تسير القوافل في طريق تتقاذفه أمواج السياسة وتترصد به أشباح الماضي الدامي، بانتظار أن تضع الحرب أوزارها أو أن يثبت الحجاج الإيرانيون مرة أخرى أن “المناسك” لا تتوقف حتى في قلب العاصفة.

كلمات مفتاحية: