مناظرة لم تقع.. جدل داخلي في إيران يشتعل مع عودة العقوبات الأممية

Iran

عاد الجدل في الداخل الإيراني عن الملف النووي مجددا إلى صدارة الأحداث، بعد أن أعادت دول الترويكا الأوروبية تفعيل آلية الزناد، التي بموجبها تعود العقوبات الأممية على إيران، هذه التطورات الخارجية سرعان ما انعكست على الداخل الإيراني، وأطلقت شرارة جدل سياسي جديد، بطلاه الرئيس السابق، حسن روحاني، والمفاوض النووي الأسبق سعيد جليلي. الدعوة التي أطلقها روحاني منذ أكثر من عام لإجراء مناظرة علنية، ورد جليلي الرافض والمتهكم، تحولت إلى مادة ساخنة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لتعيد إلى السطح صراعا قديما حول الاتفاق النووي ونتائجه.

كيف بدأت القصة؟

بدأت فصول الجدل في يوليو/تموز 2024، حين نشر روحاني تسجيلا مصورا خاطب فيه جليلي مباشرة قائلا: “أنتم ألحقتم خسائر مالية بالبلاد تجاوزت 700 مليار دولار، وفي السنوات الثلاث الأخيرة ألحقتم 300 مليار أخرى، إذا أردتم انتقاد حكومة التدبير والأمل، يقصد الحكومة التي رأسها روحاني والتي أبرمت الاتفاق النووي في العام 2015، فلتفعلوا ذلك في مناظرة معي شخصيا، لا عبر اتهامات من خلف شاشة التلفزيون”.

Image

وأضاف روحاني أن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية امتنعت مرارا عن منحه فرصة للرد على الاتهامات التي وجهت إليه خلال سنوات حكمه، متهما المؤسسة بالانحياز لخصومه، حيث صرح: “من الواضح من هم العاملون في هيئة الإذاعة والتلفزيون، ومَن يناصرون، وكيف يتصرفون، أنتم جميعًا تعرفون ذلك. أيها الشعب! الشخص الذي ألحق كل هذه الأضرار بالبلاد، أمضى ست سنوات في التفاوض ولم يفعل سوى الجدل حول مكان الجولة التالية، هل ستكون في بغداد أم في ألمانيا! ماذا أنجزت للبلاد؟ ماذا جنيت غير القرارات الأممية، وزيادة فقر الناس وبؤسهم؟”.

وقد قدم روحاني دعوته إلى جليلي باعتبارها وسيلة لكشف الحقائق أمام الرأي العام بشأن ما جرى في المفاوضات النووية وما تلاها من انسحاب أمريكي وإعادة فرض العقوبات.

على أن تلك الدعوة بقت بلا رد من قبل جليلي، حتى أصدر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة قراره برفض مشروع قرار تمديد إعفاء إيران من العقوبات لمدة إضافية، لتعود العقوبات بموجب القرارات الأممية الخمسة على إيران، حينها انتشر مقطع روحاني مجددا كالنار في الهشيم، الأمر الذي دفع جليلي تلك المرة للرد.

فخلال مراسم إحياء ذكرى الأمناء العامين لحزب الله في لبنان، والتي أقيمت الأحد 28 سبتمبر/أيلول 2025، بجامعة العلوم الطبية في شيراز، سأل أحد الحاضرين جليلي قائلا: “لماذا لا تدخل في مناظرة مع روحاني بشأن الاتفاق النووي، طالما أن روحاني نفسه يطالب بذلك؟”، فأجاب جليلي: “هؤلاء يجب أولا أن يناظروا أنفسهم، وأن يأتوا بأقوالهم السابقة، ثم يفسروا لماذا تبين لاحقا أنها غير صحيحة، اليوم حتى الطفل الذي قرأ الأخبار مرة واحدة فقط وشاهد تصريحات روحاني، وكان في المرحلة الابتدائية، سيتمكن من إدانة روحاني في مناظرة”.

Image

ويتابع: “عندما وضعتم، مخاطبا روحاني، كل أنشطتكم في إطار الاتفاق النووي ثم خرج الطرف الآخر منه، ماذا كان ينبغي فعله؟ أنتم بقيتم فيه، فهل اشترت منكم أوروبا النفط؟ هل أقامت معكم علاقات تجارية؟ ألم تعلن أوروبا آنذاك، في وقت كان يجب رفع العقوبات، أنها لن تفعل شيئا؟ لقد قلنا ذلك مرارا، عندما لا يلتزم الطرف الآخر، أي أوروبا وأمريكا، بتعهداتهما، فبموجب البند 36 من الاتفاق النووي، كان يمكنكم وقف بعض أو كل التزاماتكم”.

وأضاف: “ثم إن تخصيب 60% هو حاجتكم، كما أن 20% حاجة المرضى، انتبهوا، أولئك الذين يقولون مناظرة، نحن أجرينا المناظرة قبل عشر سنوات داخل المجلس الأعلى للأمن بحضور روحاني نفسه، وقلنا كل هذه الملاحظات، لكنه لم يكن يجيب وكان يطرح موضوعات أخرى. قيل حينها إن القرارات الدولية ستلغى، فلماذا عادت؟ قيل إن العقوبات سترفع، فلماذا عادت؟ قيل إن الاتفاق النووي لن يتأثر حتى بالعواصف، فما الذي حدث؟ هذه كانت كلمات روحاني، وقيل انتظروا عشر سنوات حتى تجنوا ثمار الاتفاق النووي، فأين هي؟ لقد مرت عشر سنوات”.

خلفية الصراع بين الرجلين

لفهم هذا السجال الدائر، لا بد من العودة إلى مسيرة الرجلين في إدارة الملف النووي، فسعيد جليلي، الذي تولى مسؤولية التفاوض خلال فترة الرئيس محمود أحمدي نجاد بين أعوام 2007 و2013، لم يتحقق أي شيء يذكر في هذا الملف، بل صدرت ستة قرارات من مجلس الأمن فرضت عقوبات متزايدة على إيران، واتهم جليلي آنذاك بالجمود والتعنت، حتى أن علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد ووزير الخارجية الأسبق، قال له في إحدى المناظرات الرئاسية: “الدبلوماسية ليست بيانات وشعارات، بل نتائج ملموسة. خلال مسؤوليتك لم تتقدم المفاوضات خطوة واحدة وزادت العقوبات على الشعب”.

Image

حسن روحاني من جهته، جاء إلى الرئاسة عام 2013 بشعار “التدبير والأمل”، ووعد بإنهاء العزلة الدولية، وفي 2015 وقعت حكومته الاتفاق النووي مع مجموعة 5+1، ورفع مجلس الأمن عدة قرارات وعقوبات، لكن الانسحاب الأمريكي عام 2018، ثم رفض الأوروبيين عن الوفاء بتعهداتهم، أطاح بالاتفاق، ومنذ ذلك الوقت يتهم روحاني بأنه قدم تنازلات كبرى دون ضمانات، فيما يرد هو بأن خصومه عرقلوا تنفيذ الاتفاق داخليا ولم يمنحوه فرصة الاستمرار، ليأتي مشهد فرض العقوبات ويسدل الستار على منجز روحاني الدبلوماسي.

Image

هذا التباين بين تجربتين متناقضتين جعل كل طرف يحمل الآخر مسؤولية الإخفاقات، فروحاني يعتبر أن جليلي، ومن يشابهه في الرأي، هو من فتح الباب أمام العقوبات الدولية بصلابته غير المجدية، وجليلي يرد بأن الاتفاق كان خطيئة سياسية جلبت الوهم ولم تحقق شيئا.

جدل السرديات

من هنا صارت الدعوة للمناظرة بين الطرفين، على الرغم من أنها لم تتحقق عمليا، ساحة تعكس حجم الانقسام السياسي والفكري في إيران، فالموضوع لم يعد مجرد نقاش حول جدوى الاتفاق النووي أو حصيلة السنوات الماضية، بل تحول إلى رمز لصراع السرديات الذي يحدد طريقة قراءة التاريخ القريب واستشراف المستقبل.

فمن جهة، يرى الإصلاحيون في رفض جليلي لهذه المناظرة مؤشرا على ضعف موقفه وخوفه من مواجهة علنية تكشف التناقضات أمام الرأي العام، فهم يؤكدون أن الشفافية تقتضي أن يواجه المسؤولون بعضهم أمام الشعب، خاصة أن الاتفاق النووي، برغم تعثره لاحقا بعد انسحاب الولايات المتحدة وانتهائه بشكل كامل بعد إعادة فرض العقوبات، كان خطوة تاريخية أنهت قرارات أممية ثقيلة وفتحت نافذة اقتصادية للبلاد، فبالنسبة لهم، هذا الاتفاق لا يزال يمثل محاولة جدية لإخراج إيران من العزلة الدولية، ومن ثم فإن الدفاع عنه هو دفاع عن خيار الانفتاح.

Image

على الجانب الآخر، يعتقد الأصوليون أن الدعوة إلى مناظرة ليست سوى وسيلة للهروب من الفشل، فهم يرون أن الاتفاق النووي نفسه هو الدليل الأقوى على سوء إدارة روحاني وفريقه، وأنه لم يحقق للشعب سوى المزيد من الأزمات، ومن وجهة نظرهم، الاعتماد على الغرب كان خطأ استراتيجيًا لا ينبغي تكراره، وكل ما حدث يثبت أن خيار المقاومة والصمود هو الطريق الأصح لمواجهة الضغوط الخارجية.

Image

جدل داخلي يخدم الخارج

على أن خرسان، الصحيفة الأصولية، كان لها رأي آخر في ذلك الجدل، فخلال افتتاحيتها للإثنين 29 سبتمبر/أيلول 2025، قال: “مر خمسة وعشرون عاما على بدء الملف النووي الإيراني، ملف افتتح من منظور الغرب منذ مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تحت ذريعة الانحراف نحو التسليح النووي، خلال هذه الفترة، حاولت إيران أن تثبت عبر خطوات مختلفة أن نشاطاتها النووية ذات طابع سلمي بحت، بدءا من قبولها وصولا يتجاوز التزاماتها القانونية، وصولا إلى توقيع الاتفاق النووي الذي كان من المفترض أن يضع حدا لمخاوف مجموعة 5+1، غير أن مراجعة التجربة أظهرت أن الغرب لم يكن يوما يسعى إلى حل المشكلة، بل كان هدفه الرئيسي إبقاء إيران في حالة أزمة دائمة تحول دون تقدمها”.

Image

وتتابع: “المقلق اليوم هو غياب التركيز في الساحة السياسية والنخبوية الإيرانية على العدو المشترك، فبينما كان من المفترض أن ينصب الخطاب العام على فضح ممارسات أوروبا وأمريكا، انحرفت المسارات نحو صراعات داخلية، حسن روحاني وسعيد جليلي، وهما شخصيتان محوريتان في إدارة الملف النووي خلال العقدين الماضيين، انشغلا بتصفية الحسابات السياسية، فروحاني في خطاباته يبرز دور جليلي في صدور قرارات مجلس الأمن، وكأنما لتخفيف مسؤولية الغرب، فيما يهاجم جليلي روحاني بحدة، ساخرا من فشل حكومته، إلى حد القول إنه لا يستحق مناظرته، هذه المناكفات التي عادت مؤخرا في صورة دعوات للمناظرة وردود متعالية، لم تثمر سوى تعزيز الانقسام الداخلي وصناعة ثنائية سياسية حادة”.

وتضيف: “بلغ هذا الانحراف الداخل ذروته في انتخابات عام 2013، حين انخفض مستوى الخطاب الانتخابي من التركيز على الكفاءة والعمل إلى ثنائية التفاوض أو عدم التفاوض، هذه الثنائية لم تقتصر على تسيس النقاش، بل أسست لانقسام استمر حتى اليوم، والنتيجة أنه بدلا من إبراز حقيقة نقض العهود الغربية، تحولت الخلافات الداخلية إلى العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام”.

Image

وتختم بقولها: “اليوم، مع تفعيل الأوروبيين لآلية الزناد، آن الأوان لأن يوجه الفاعلون السياسيون سيوف نقدهم نحو الخارج لا الداخل، يجب على الطبقة السياسية في إيران أن توحد خطابها حول حقيقة أن الأزمة النووية ليست نتاج سلوك إيران بل نتيجة مباشرة لاستراتيجية الغرب، ومن دون هذا التوافق، فإن آلية العودة السريعة للعقوبات ستتحول، بدل أن تكون فضيحة للغرب، إلى أداة جديدة لتفتيت الوحدة الداخلية وإضعاف التماسك الوطني”.

في المحصلة، لم تعد المناظرة الغائبة حدثا افتراضيا فحسب، بل تحولت إلى مرآة لصراع أوسع حول معنى السيادة والاعتماد على الذات أو التفاوض مع الخارج. روحاني يحاول تقديم الاتفاق النووي كإرث قابل للدفاع لو أتيح له الاستمرار، بينما يصر جليلي على أنه مثال صارخ على خطأ التقدير وسوء الرهان، وبينهما يقف الشعب الإيراني المثقل بالعقوبات والوعود المؤجلة، يتابع جدلا يعيد تدوير الماضي أكثر مما يرسم ملامح المستقبل.