إيران تدخل عصر المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية

نشرت صحيفة همشهري، الخميس 25 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأنَّه في يوم الأربعاء 24 سبتمبر/أيلول 2025 أُعلِن عن توقيع مذكرة تفاهم بين إيران وشركة أتُم‌روس لبناء محطات نووية صغيرة، وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الخبر مجرد تعاون جديد في مجال الطاقة، غير أن هذه المحطات يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل في مسار مستقبل الطاقة في إيران. 

وأضافت الصحيفة أن المحطات النووية الصغيرة أو المعيارية المعروفة اختصارا بـSMR (أي المفاعل النووي الصغير المعياري) تُعَدّ جيلا جديدا من التكنولوجيا النووية التي دفعت العالم نحو شكل مختلف من إنتاج الكهرباء المستدامة، وقد وقّعت غوغل وأمازون ومايكروسوفت وغيرها من عمالقة التكنولوجيا خلال الأشهر الأخيرة عقودا كبرى لبنائها.

كيف تعمل المحطات المعيارية؟
أوضحت الصحيفة أنه عندما نسمع باسم محطة نووية، قد يتبادر إلى أذهاننا فورا منشآت ضخمة مثل محطة بوشهر، التي يُبنى كل شيء فيها في الموقع نفسه، وتستغرق سنوات طويلة وتكاليف بمليارات الدولارات، غير أن المحطات الصغيرة المعيارية تقوم على معادلات مختلفة تماما، فهي تُصمَّم في وحدات صغيرة تشبه قطع الليغو.

وتابعت أن كل جزء أو وحدة معيارية يُصنَّع في المصنع، ثم يُنقل جاهزا إلى موقع التركيب، وبعد ذلك توضع عدة وحدات بجانب بعضها لتشكيل محطة متكاملة.

وأردفت أنه من الناحية الفنية، يكمن الاختلاف الرئيس في الحجم والتصميم، فالمحطة الكبيرة عادة تُنتج نحو ألف ميغاواط من الكهرباء، في حين أن كل وحدة معيارية SMR يمكن أن تُنتج ما بين 50 و300 ميغاواط، ورغم أن هذا أقل من إنتاج المحطات الكبيرة، إلا أن إمكانية الجمع بين عدة وحدات وتركيبها تدريجيا تمنح مرونة عالية تُعَد من أبرز مزايا هذه التكنولوجيا.

لماذا تُعَد هذه المحطات مهمة؟
أكَّدت الصحيفة أن إيران، مثل بقية دول العالم، تواجه ارتفاعا متزايدا في استهلاك الكهرباء، وخصوصا في فصل الصيف حين يصل الضغط على الشبكة إلى مستويات تجعل انقطاع التيار أمرا شبه محتوم، فالمحطات الصغيرة المعيارية يمكن أن تُنشأ في المناطق النائية، أو قرب المراكز الصناعية، أو حتى داخل المدن ذات الاستهلاك العالي، لتأمين مصدر موثوق من الكهرباء.

وأبرزت أن عامل الزمن والتكلفة يُعد عنصرا حاسما في بناء المحطات النووية، فالمحطة الكبيرة قد يستغرق تشييدها أكثر من عشر سنوات وتتطلب استثمارات ضخمة، بينما المحطات المعيارية، بفضل تصنيعها المسبق في المصانع، يمكن تشغيلها خلال ثلاث إلى خمس سنوات فقط، مع إمكانية التمويل التدريجي، وهذا يسمح للدول برفع قدراتها الكهربائية خطوة بخطوة، من دون الحاجة إلى ضخ الموارد المالية دفعة واحدة.

وبيَّنت أن من أبرز مزايا هذه المحطات الصغيرة أن تصاميمها الحديثة تتضمن أنظمة أمان أوتوماتيكية، ببساطة، إذا وقع خلل ما، يتوقف المفاعل عن العمل تلقائيا من دون الحاجة إلى تدخل بشري، ويمكن تشبيه ذلك بمكابح الطوارئ الذاتية في السيارات الحديثة، التي تمنع وقوع الحادث حتى في غياب السائق.

ما الفرق بين المفاعلات المعيارية الصغيرة والمحطات النووية الكبيرة؟

أظهرت الصحيفة أن الميزة الأساسية لهذه المحطات لا تتعلق فقط بحجمها، فالمحطة النووية الكبيرة ذات القدرة البالغة ألف ميغاواط إذا تعطّلت، يخرج كامل إنتاجها من الخدمة، بينما في حالة وجود عشر محطات معيارية صغيرة بقدرة 100 ميغاواط لكل منها، فإن تعطل واحدة يعني خسارة 10% فقط من القدرة الكلية، ما يقلل كثيرا من خطر الانقطاعات الواسعة للكهرباء.

وأبلغت أنه من الناحية المالية، يتطلب بناء محطة كبيرة استثمارا ضخما دفعة واحدة في بداية المشروع، وفي المقابل، تسمح المفاعلات المعيارية للدول بالاستثمار بشكل تدريجي، عبر إضافة وحدات جديدة وفقا لزيادة الاستهلاك أو الإمكانيات المالية المتاحة
.

وأضافت أنه من حيث استهلاك المياه، فالمفاعلات الكبيرة تحتاج إلى كميات هائلة من المياه للتبريد، ما يفرض بناءها عادة قرب البحار أو الأنهار الكبرى، بينما المفاعلات المعيارية بفضل تصميمها المضغوط وكفاءتها الأعلى، تحتاج إلى مياه أقل بكثير، وهو ما يجعلها قابلة للإنشاء في مناطق أوسع، وهذه نقطة بالغة الأهمية لدول مثل إيران التي تعاني من أزمة مائية.

ما الميزة مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري؟

طرحت الصحيفة سؤالا منطقيا، هو: لماذا نتجه إلى المحطات النووية الصغيرة بينما يمكن بناء محطات شمسية أو رياحية؟ الجواب بسيط، فالكهرباء الشمسية تُنتَج فقط خلال النهار، وطاقة الرياح تُولَّد فقط في الأيام التي تهب فيها الرياح، أما الكهرباء النووية فهي تُولَّد على مدار الساعة، من دون ارتباط بالظروف الجوية.

وأوضحت أنه بالمقارنة مع محطات الوقود الأحفوري، تعمل المفاعلات المعيارية الصغيرة SMR تقريبا من دون أي انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري، وفي وقت يسعى فيه العالم إلى خفض الكربون لمواجهة التغير المناخي، تكتسب هذه الميزة أهمية بالغة، إضافة إلى ذلك، وعكس محطات الغاز أو النفط التي تحتاج إلى وقود متجدد ومكلف بشكل مستمر، فإن الوقود النووي يدوم لفترات أطول بكثير ويؤمّن استمرارية التشغيل.

وأبرزت أنه وفقا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووكالة الطاقة النووية، هناك أكثر من 70 مفاعلا معياريا صغيرا قيد التطوير في دول مختلفة، كما أن السوق العالمية لهذه المفاعلات تنمو بسرعة، وتشير دراسات استشرافية صادرة عن مؤسسات دولية مرموقة إلى أن عدد هذه المفاعلات سيشهد نموا بأكثر من 20 ضعفا بحلول عام 2043، بحيث ترتفع قيمة السوق من 72.4 مليار دولار في عام 2023 إلى 295 مليار دولار في 2043. 

ونوَّهت إلى أن هذه الدراسات تُظهر أنه بحلول ذلك العام ستستحوذ المفاعلات الصغيرة وحدها على أكثر من 2% من مزيج الطاقة العالمي.

لماذا اتجهت غوغل، ومايكروسوفت، وبقية عمالقة التكنولوجيا نحو هذه المحطات؟

أشارت الصحيفة إلى أنه من اللافت أن هذه التقنية لم تعد جاذبة للدول فقط، بل إن شركات التكنولوجيا العملاقة باتت تُولِيها اهتماما خاصا، فمراكز البيانات التابعة لعمالقة مثل أمازون، ومايكروسوفت، وغوغل تستهلك كميات هائلة من الكهرباء؛ إذ يمكن لمركز بيانات ضخم أن يستهلك طاقة تعادل استهلاك مدينة صغيرة كاملة.

وذكرت أنه في البداية حاولت هذه الشركات تغطية احتياجاتها من الطاقة عبر إنشاء مزارع شمسية ورياح، لكنها سرعان ما اكتشفت أن هذه المصادر غير كافية، ومراكز البيانات لا تحتمل التوقف حتى لثوان، فهي تحتاج إلى كهرباء مستقرة ومضمونة على مدار الساعة، وهنا جاء دور المفاعلات المعيارية الصغيرة SMR.

على سبيل المثال:

  • وقّعت غوغل عقدا مع شركة Kairos Power (كايروس باور) لتأمين نحو 500 ميغاوات من قدرة محطات نووية صغيرة بحلول عام 2035، كما دخلت في شراكة مع Elementl Power (إيلمنتل باور) لبناء ثلاثة مواقع جديدة بطاقة إجمالية تبلغ 1.8 غيغاوات.
  • أما أمازون، فاستثمرت عبر إحدى شركاتها التابعة في مشروع بولاية واشنطن، حيث ستبدأ بأربعة وحدات تنتج معا 320 ميغاوات، على أن تتوسع لاحقا إلى ثمانية وحدات بطاقة كلية تصل إلى 960 ميغاوات.

وأظهرت أن هذه الأرقام تبيّن أن الشركات العملاقة لا تبحث عن مشاريع تجريبية صغيرة، بل عن قدرات في نطاق مئات الميغاوات وحتى الغيغاوات، والهدف واضح، وهو تأمين كهرباء مستقرة ودائمة لمراكز البيانات وخدمات الحوسبة السحابية، وهي العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي.

الأهمية الاستراتيجية للاستثمار في هذه التكنولوجيا

لفتت الصحيفة إلى أنه يمكن النظر إلى المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية SMR كحلّ وسط بين المحطات النووية الضخمة ومصادر الطاقة المتجددة، فهي تنتج كهرباء مستقرة ومنخفضة الكربون، ومرنة في الاستخدام، وأقل استهلاكا للمياه، وأسرع في البناء، وتقلل من المخاطر على شبكة الكهرباء.

وأفادت بأن توقيع مذكرة التفاهم بين إيران وروسيا لبناء هذه المحطات يعني أن إيران تلتحق بموجة عالمية آخذة في الاتساع، هذه الخطوة تحمل بعدين رئيسيين:

  • من جهة، توفير كهرباء مستقرة ومستدامة للتخفيف من أزمات الذروة والانقطاعات.
  • ومن جهة أخرى، تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري بما يتماشى مع التوجهات العالمية نحو خفض الكربون.

وبيَّنت أن الخبراء يلفتون إلى أن مجرد البناء لا يكفي، فالأهمية الحقيقية تكمن في نقل التكنولوجيا وتوطينها، وإذا تمكنت إيران من تطوير المعرفة اللازمة لتصميم وتصنيع هذه المحطات محليا، فإنها ستغطي احتياجاتها المستقبلية، بل ويمكن أن تتحول إلى مصدّر للتكنولوجيا النووية.

وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأنه مع توجه دول كبرى وحتى شركات التكنولوجيا العملاقة نحو هذه التقنية، فإن دخول إيران إلى هذا المجال يفتح أمامها أفقا استراتيجيا جديدا يضمن جزءا من أمن الطاقة الوطني لعقود قادمة، وقد يبدو الأمر اليوم مجرد مذكرة تفاهم، لكنه قد يشكل بداية فصل جديد في سياسة الطاقة الإيرانية، عنوانه كهرباء آمنة، ومستقرة، ومنخفضة الكلفة.