- زاد إيران - المحرر
- 448 Views
أخطر ما في الترجمة ليس الكلمات الغريبة أو المصطلحات المعقدة، بل تلك الكلمات المألوفة التي تبدو في ظاهرها واضحة، لكنها تخفي وراءها معنى آخر، لا يدركه إلا من عاش سياقها الثقافي.
هذا ما تذكّرته يوم كنت أراجع ترجمة زميلة جديدة في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”. كان النص الفارسي يتحدث عن أوضاع الحوزة العلمية في قم، ويصف المراحل التي يمر بها الطالب هناك حتى يصبح فقيها. وقفت أمام جملة تقول:
“طلاب در درس خارج فقه شرکت میکنند”
والترجمة أمامي:
“الطلاب يشاركون في درس خارج الفقه”.
توقفت. “خارج الفقه”؟ ما الذي سيفهمه القارئ العربي من هذه الترجمة؟ أن هناك درسا خارج نطاق مادة الفقه، ربما في الأدب أو التاريخ أو أي مجال آخر! لكنني أعلم أن هذه العبارة في الوسط الحوزوي تحمل معنى محددا جدا: “درس الخارج” أو “بحث الخارج” هو المرحلة الدراسية المتقدمة في الحوزات العلمية عند الشيعة الإثني عشرية، حيث يدرس الطالب المسائل الفقهية بشكل متعمق ومستقل عن الكتب المقررة، منتقلا إلى مرحلة الاجتهاد، معتمدا على مناقشات علمية مع الأستاذ والزملاء لتكوين آرائه الفقهية الخاصة.
ذهبت إلى الزميلة وسألتها:
– لماذا ترجمتِها “درس خارج الفقه”؟
ابتسمت وقالت:
– لأن الكلمة “خارج” موجودة بالعربية كما هي، ما المشكلة؟
قلت لها:
– المشكلة أن القارئ العربي لن يتخيل أبدا أن هذا المصطلح يشير إلى “أرقى مراحل الفقه”، بل سيظن أنك تتحدث عن درس هامشي لا علاقة له بالفقه أصلا!
هذا الموقف أعاد إلى ذهني عشرات الأخطاء التي وقعت بسبب التعامل الحرفي مع المصطلحات الدينية القادمة من قم. فالأمر لا يقتصر على “درس خارج”، بل يمتد إلى كلمات أخرى، مثل “مراجع تقلید”. كثيرًا ما أرى مترجمين ينقلونها حرفيا: “مراجع التقليد”. وما الذي سيفهمه القارئ العادي؟ ربما يتصور أن المقصود كتب أو مصادر للاقتباس، بينما الحقيقة أنها الفقهاء الكبار الذين يُقلَّدون في الأحكام الشرعية، أي المرجعيات الدينية التي يستند إليها ملايين الشيعة الإمامية في حياتهم اليومية.
تخيل قارئا عربيا يقرأ تقريرا مترجما ويجد فيه: “أصدر أحد مراجع التقليد فتوى جديدة”. قد يتساءل في نفسه: “أي كتاب هذا الذي يصدر فتاوى؟!” بينما الحقيقة أن الحديث عن رجل دين حيّ، له أتباع ومؤسسات ضخمة!
وهكذا يتحول النص الديني إلى لغز، ويخرج القارئ بصورة مشوّهة، لا لشيء إلا لأن المترجم لم ينتبه للفارق الثقافي بين الدلالات.
في الحوزة العلمية، هناك شبكة كاملة من المصطلحات التي لا تستقيم ترجمتها دون وعي بالسياق:
- “اجتهاد” ليس مجرد “بذل جهد”، بل مرتبة علمية تعني القدرة على استنباط الأحكام.
- “تقلید” لا يعني “التقليد الأعمى”، بل اتباع الفقيه المرجع في الفتاوى.
- “درس خارج” لا يعني “خارج الفقه”، بل “المرحلة العليا من دراسة الفقه”.
كلها كلمات مألوفة للعربي، لكنها لا تعني ما يظنه لأول وهلة.
والخطير أن هذه الأخطاء لا تبدو أخطاء واضحة، بل تمر مرور الكرام. القارئ لا يتوقف عندها ليسأل: “هل الترجمة صحيحة؟” بل يقرأ ويفترض أن ما بين يديه سليم. وهكذا، تُزرع معلومة مغلوطة في ذهنه، وقد يبني عليها تصورات كاملة عن الحوزة والدين والمجتمع.
المترجم في هذه اللحظة ليس مجرد ناقل نصوص، بل هو حارس معان. إن قصّر في فهم المصطلحات، نقل القارئ إلى عالم آخر لا علاقة له بالأصل.
وهنا تذكرت نصيحة قديمة قالها لي أستاذي في الترجمة:
“المترجم في النصوص الدينية ليس فقط مترجم لغة، بل مترجم ثقافة، ولو أغفل ذلك، انقلب عليه النص كما ينقلب السحر على الساحر”.
وإلى اللقاء في نادرة أخرى من نوادر المترجمين.

