- زاد إيران - المحرر
- 506 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
في ظلّ التحديات الاقتصادية التي تواجه إيران بعد الحرب، وما خلّفته من تداعيات سياسية ومالية واجتماعية، يبرز سؤال محوري حول كيفية إنقاذ الاقتصاد الوطني من دوامة الركود التضخمي، وفي هذا السياق، أجرى موقع بصیرت الإيراني الأصولي يوم الخميس 25 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع الخبير والمحلل الاقتصادي حسين رضوي بور، الذي قدّم رؤية شاملة حول أبرز الإشكالات القائمة والحلول الممكنة لتجاوز هذه المرحلة الحساسة.
ذكر حسين رضوي بور، أن الخروج من حالة الركود التضخمي يستلزم القيام بعدة إجراءات منسقة، من بينها تغيير هيكل النفقات الحكومية، وإصلاح النظام الضريبي ونظام الإنفاق، واضطلاع الدولة بدور توجيهي في مسار الاستثمارات، إلى جانب اتباع سياسة مالية توسعية يكون فيها الأولوية للإنفاق على المشاريع العمرانية.
تابع رضوي بور موضحا أنّه في الأنظمة المالية العامة الأكثر تطورا بالمقارنة مع النظام المالي الإيراني، تُدار ثلاثة أدوات أساسية بشكل متوازٍ ومترابط، وهي: النظام الضريبي، النظام الداعم، ونظام تقييم الجدارة الائتمانية.
وأضاف أنّ سبب الجمع بين هذه الأدوات هو معالجة بيانات المبالغة أو التهوين في ما يخص دفع الضرائب أو تلقي الإعانات، وبيّن بشكل أوضح قائلا على سبيل المثال، قد يدّعي أحد الأفراد أنه بحاجة إلى الحصول على دعم مالي حكومي، فإذا ثبت ذلك يكون مستحقا للإعانة، لكن في الوقت نفسه لا يستطيع الحصول على قروض مصرفية ضخمة، لأنه وفق تقييم الجدارة الائتمانية لا يُتوقع منه أن يتمكن من سداد أقساط القرض.
أردف قائلا إنّه “على العكس، إذا ادعى أحد الأفراد أنّ دخله الشهري مرتفع ويستطيع دفع أقساط مصرفية كبيرة، فإنّ هذا الشخص في نظام مالي وضريبي دقيق لا يمكنه المطالبة بالحصول على إعانة من الدولة أو الإعفاء الضريبي، فالتقييم الائتماني وتأكيد القدرة المالية يفرضان عليه أن يدفع الضرائب، ولا يكون بأي حال مستحقا للدعم، ومن هنا فإنّ على المؤسسات المالية والضريبية أن تكون مترابطة فيما بينها”.

وأكد أنّ سبب فشل السياسات الداعمة في إيران يعود إلى كونها تُطبَّق بصورة عامة وغير موجَّهة، ما يحمّل الدولة أعباء مالية ثقيلة تنعكس في نهاية المطاف على كاهل المواطنين، وأوضح أنّ غياب الشفافية في السياسة الضريبية وتدفقاتها النقدية أدخل المجتمع في أزمات وتحديات جدية.
وأضاف رضوي بور أنّ الأنظمة المالية الحديثة في العالم لا تسمح بازدواجية حصول الأفراد على الدعم الحكومي مع دفعهم للضرائب، إذ لا يمكن لأصحاب الدخل المرتفع الاستفادة من الإعانات المخصصة للفئات الضعيفة، لكنه أشار إلى أنّ غياب قانون “ضريبة الدخل الشامل” في إيران جعل الدعم يشمل الجميع بلا تمييز، سواء كانوا من ذوي الدخول العالية أو من الشرائح الفقيرة.
أوضح أنّه في حال ثبت في النظام المالي والضريبي أنّ أحد الأشخاص يستحق الحصول على إعانة، فيجب أن يُعفى من الضرائب، غير أنّ العكس هو السائد في إيران، فعندما يعمل نظام وزارة الرفاه الاجتماعي لتقييم القدرة المالية للأفراد بشكل منفصل عن النظام الضريبي، وكذلك عن أنظمة تقييم الجدارة الائتمانية، فإنّ النتيجة أنّ البنوك تمنح القروض لمن يصرّح بأنّ لديه قدرة مالية، في الوقت الذي يستمر فيه هؤلاء الأشخاص بتلقي إعانات الدولة، لأنّ الأنظمة المختلفة لا ترتبط ببعضها البعض.

أردف مؤكدا أنّه لا شك في أنّ على الحكومة بعد الحرب التي استمرت اثني عشر يوما أن تركز كل جهدها واهتمامها على إخراج الاقتصاد من الركود، ذلك أنّ التوترات السياسية والعسكرية، وغياب رؤية واضحة لمستقبل الاقتصاد، قد رفعا منسوب المخاطر الاستثمارية والاقتصادية في البلاد، ما ساهم في تعميق الركود.
وإلى جانب ذلك، فقد أدّت مشكلة عدم توازن الطاقة والانقطاعات المتكررة للكهرباء في المصانع والشركات إلى إلحاق أضرار جسيمة بالقطاع الخاص.
وتابع موضحا أنّ هذه الخسائر المتعددة التي لحقت بالقطاع الخاص دفعت الفاعلين الاقتصاديين نحو الدخول في مرحلة ركود غير مرغوبة، وحلّ هذه الأزمات يتوقف على استعداد الحكومة لتحمّل المخاطر في بعض المجالات، بدلا من نقل هذه المخاطر إلى القطاع الخاص، وذلك بهدف الحفاظ على حيوية ونشاطه في الساحة الاقتصادية.
بيّن رضوي بور أنّه في الظروف الراهنة ينبغي أن تكون الحكومة هي المحرك الرئيس للاقتصاد الوطني، فالزيادة في إنفاق الدولة على الاستثمارات العمرانية تعدّ بالغة الأهمية، ولا ينبغي إغفال دور الحكومة في توجيه الموارد المالية للمواطنين نحو المشاريع الحيوية والبنى التحتية الأساسية، مثل مشاريع إنتاج الطاقة.
أوضح أنّ غياب الدور البارز للحكومة كجهة تتبنى التنمية وتضع السياسات المالية الصحيحة لإخراج الاقتصاد من دوامة الركود التضخمي، يمثل “الحلقة المفقودة” في المشهد الاقتصادي الراهن، ولفت إلى أنّ تجارب دول أخرى أظهرت أن إصدار “سندات محمية من التضخم” قد يشكّل أحد الحلول الفعّالة لمعالجة الأزمة.
وبيّن أنّ الحكومة تمتلك القدرة على تمويل المشاريع التي حققت نسب إنجاز مرتفعة لكنها ما زالت غير مكتملة، وتُصنّف كاستثمارات راكدة وغير منتجة، من خلال إصدار هذه السندات، وأشار إلى أنّ طرحها في الأسواق من شأنه أن يجذب رؤوس الأموال السائلة التي اتجهت نحو المضاربات، ويحوّلها إلى قنوات استثمارية في البنية التحتية، بما يسهم في تقليص عجز الطاقة وعدم توازنها بشكل ملحوظ.
واختتم رضوي بور مؤكدا أنّ تبنّي حلول موازية، مثل ضبط عمليات استخراج العملات الرقمية التي تسببت في إرباك توازن الطاقة، والاهتمام بالسياسات التسعيرية، إضافة إلى إلغاء آلية التسعير الإجباري التي أعاقت الاستثمارات في قطاع الطاقة، ولا سيما الكهرباء، يمهّد الطريق لإنقاذ البلاد من أوجه الخلل المختلفة ويفتح المجال أمام تطوير البنية التحتية كخطوة أساسية للخروج من الركود.
