- زاد إيران - المحرر
- 899 Views
كتب: محمد مهدي زماني
تُعد العلاقات بين إيران والولايات المتحدة من الملفات الشائكة متعددة الأبعاد، التي تتطلب دراسات معمقة ومجلدات من الكتب والمقالات لفهم تفاصيلها، وقد اختلف شكل هذه العلاقات في عهد النظام الملكي (البهلوي) عما آل إليه في عهد الجمهورية الإسلامية.
في هذا المقال، نسلط الضوء بإيجاز على خمس محطات مفصلية في مسار هذه العلاقات، تمتد من عام 1953 حتى عام 2025

المشهد الأول: الانقلاب على حكومة مصدق الوطنية “عملية أجاكس”، 1953
في أوائل خمسينيات القرن الماضي، كانت إيران على موعد مع حركة شعبية هدفت إلى استعادة استقلالها الاقتصادي، بقيادة محمد مصدق، رئيس الوزراء آنذاك، الذي سعى إلى تأميم صناعة النفط التي كانت أرباحها الطائلة ولسنوات طويلة حكرا على شركة بريطانية، وقد شكّلت هذه الخطوة تهديدا مباشرا لمصالح بريطانيا.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن منذ البداية متوافقة مع الموقف البريطاني، بل اعترفت رسميا بتأميم النفط الإيراني، فإنها سرعان ما بدّلت موقفها مع تعقّد الأزمة وتنامي مخاوفها من تزايد النفوذ السوفييتي في إيران.
في نهاية المطاف، خططت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بالتعاون مع جهاز الاستخبارات السرية البريطانية (MI6) لما عُرف بـ”عملية أجاكس” للإطاحة بحكومة مصدق، وقد تضمنت الخطة سلسلة من الإجراءات، من بينها دفع الأموال للبلطجية لإثارة الشغب في الشوارع، وشراء ذمم بعض القادة العسكريين والسياسيين، ونشر الشائعات ضد حكومة مصدق.
وفي يوم 16 أغسطس/آب 1953 فشلت المحاولة الأولى للانقلاب، وهرب الشاه من البلاد بعدما وقّع أمر إقالة مصدق، إلا أن الانقلاب الرئيسي تم تنفيذه في 28 مرداد (19 أغسطس/آب) بدعم مالي وتخطيط مباشر من الـCIA وMI6. ففي هذا اليوم، خرجت القوات الموالية للشاه إلى الشوارع مدعومةً ببلطجية مأجورين، وهاجموا منزل مصدق وأطاحوا بحكومته.
لم يؤدّ هذا الحدث إلى إسقاط حكومة ديمقراطية وشعبية فحسب، بل أعاد الشاه إلى إيران بسلطة مطلقة، وأرسى دعائم دكتاتوريته من جديد، وقد ترسّخ هذا الانقلاب في الذاكرة الجماعية للإيرانيين كأحد أبرز الأمثلة على تدخل الولايات المتحدة لإسقاط حكومة وطنية منتخبة.

المشهد الثاني: إقرار الامتيازات القضائية للأجانب (الكابيتولاسيون) في إيران عام 1964
بعد انقلاب عام 1953 عزز نظام الشاه البهلوي سلطته في إيران بدعم مباشر من الولايات المتحدة، وشهدت هذه المرحلة توسعا كبيرا في الوجود العسكري والاستشاري الأمريكي داخل البلاد.
وفي عام 1964، قدّمت الحكومة الإيرانية، بناءً على طلب من واشنطن، مشروع قانون إلى البرلمان عُرف لاحقا بـ”الكابيتولاسيون”. هذا القانون منح الحصانة القضائية الكاملة لجميع المستشارين العسكريين الأمريكيين وعائلاتهم، أي أنه في حال ارتكاب أحد المواطنين الأمريكيين لجريمة على الأراضي الإيرانية، لا يمكن محاكمته في المحاكم الإيرانية، بل يُحال إلى القضاء الأمريكي.
أثار إقرار هذا القانون غضبا واسعا في المجتمع الإيراني، فقد رأى كثير من المواطنين وعلماء الدين في القانون انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية، وإهانةً لكرامة الشعب والقوانين الإيرانية، وقد شكّل هذا الحدث الشرارة الأولى لانخراط الإمام الخميني في معترك النضال السياسي، حيث أطلق سلسلة من الخطب النارية التي هاجم فيها القانون بشدة، واعتبره وثيقة تبعية لإيران أمام الولايات المتحدة، وقد بلغت احتجاجاته من القوة ما دفع النظام إلى نفيه خارج البلاد.
ساهم هذا الحدث في تغيير صورة الولايات المتحدة لدى الإيرانيين: من متدخّل خفيّ أطاح بحكومة شعبية في انقلاب 1953، إلى حليف علني يدوس على القوانين الإيرانية لحماية مصالحه، وقد عمّق قانون الكابيتولاسيون القناعة لدى الإيرانيين بأن أمريكا لا تتوانى عن سحق السيادة الوطنية ومشاعر الشعوب إن تعارضت مع مصالحها.

المشهد الثالث: العملية العسكرية في طبس 1980
بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تدهورت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بسرعة كبيرة، ومع اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز موظفيها كرهائن، سعى الرئيس الأمريكي حينها، جيمي كارتر، إلى إيجاد سبيل لتحريرهم، وبعد فشل المساعي الدبلوماسية، أمر كارتر بتنفيذ عملية عسكرية سرّية أُطلق عليها اسم “مخلب النسر”.
بدأت العملية في شهر أبريل/نيسان 1980، حيث دخلت قوات أمريكية خاصة بشكل سرّي إلى صحراء طبس داخل الأراضي الإيرانية باستخدام طائرات وهليكوبترات، وكان من المقرر أن يتم التزود بالوقود هناك قبل التوجه إلى طهران لتحرير الرهائن، غير أن العملية لم تسر كما هو مخطط لها؛ إذ اجتاحت المنطقة عاصفة رملية مفاجئة أربكت المعدات الأمريكية، ما أدى إلى اصطدام إحدى المروحيات بطائرة تزويد بالوقود، واشتعال النيران فيهما، ومصرع ثمانية جنود أمريكيين.
انتهت العملية بفشل ذريع دون أي تدخل مباشر من الجانب الإيراني، وقد اعتُبر هذا الحدث في نظر الكثيرين داخل إيران “معجزة إلهية” حالت دون نجاح غزو عسكري أمريكي، كما عمّق الحادث القناعة في الأوساط الأمريكية بأن أي تدخل عسكري في إيران قد يواجه عوائق معقّدة وعواقب غير متوقعة.
شكلت عملية طبس نقطة تحوّل مفصلية في علاقات البلدين، وأظهرت أن التفوق العسكري وحده لا يضمن للولايات المتحدة تحقيق أهدافها داخل إيران.

المشهد الرابع: الانسحاب من الاتفاق النووي 2018
في عام 2015، وبعد سنوات من المفاوضات المعقدة، توصّلت إيران وست قوى عالمية، من بينها الولايات المتحدة، إلى اتفاق نووي تاريخي عُرف باسم “البرنامج الشامل للعمل المشترك” (الاتفاق النووي أو برجام)، وبموجب هذا الاتفاق، التزمت إيران بتقييد أنشطتها النووية بشكل صارم، في مقابل رفع العقوبات الدولية والاقتصادية المفروضة عليها، وقد اعتُبر الاتفاق حينها حلا دبلوماسيا لأزمة البرنامج النووي الإيراني وخطوة لخفض التوتر في المنطقة.
إلا أن وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة غيّر مجرى الأمور، فقد وصف ترامب الاتفاق بأنه “أسوأ صفقة في التاريخ”، مدعيا أنه لا يعالج برنامج إيران الصاروخي ولا نفوذها الإقليمي، وعلى الرغم من أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت مرارا التزام إيران بتعهداتها في الاتفاق، أقدم ترامب في عام 2018 على الانسحاب من الاتفاق بشكل أحادي، وأعاد فرض عقوبات صارمة على طهران.
رأت إيران في هذا التصرف انتهاكا صارخا لاتفاق دولي، ودليلا على عدم وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها، وعزّز هذا الحدث الشعور السائد داخل إيران بأن التفاوض مع الولايات المتحدة لا جدوى منه، نظرا لإمكانية تراجع الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن تعهدات سابقيها بسهولة.
أطاح انسحاب واشنطن بآمال التسوية السلمية، وساهم في تصعيد التوترات في المنطقة. وكان هذا الحدث درسا مريرا لإيران والمجتمع الدولي مفاده أن الاتفاقات مع الولايات المتحدة تفتقر إلى الاستقرار والاستمرارية.

المشهد الخامس: مطرقة منتصف الليل 2025
في عام 2025، نفّذت الولايات المتحدة هجوما عسكريا عُرف باسم “عملية مطرقة منتصف الليل”، استهدفت فيه عدة منشآت نووية إيرانية، من بينها موقعي “فردو” و”نطنز”، وقد نُفّذ الهجوم باستخدام قنابل خارقة للتحصينات وصواريخ كروز أُطلقت من غواصات، واعتُبر هذا الهجوم أكبر عملية عسكرية أمريكية مباشرة على الأراضي الإيرانية حتى ذلك الحين، وجاء تحت ذريعة تدمير البرنامج النووي الإيراني.
لكن هذه المرة، لم تبقَ الضربة الأمريكية من دون رد، فقد أقدمت إيران على ردّ عسكري مباشر، حيث استهدفت القوات المسلحة الإيرانية قاعدة “العديد” الجوية الأمريكية في قطر بصواريخ دقيقة، وقد أُطلق على هذا الرد الإيراني اسم “عملية بشارة الفتح”، وهو ثاني هجوم مباشر تنفّذه إيران ضد قواعد عسكرية أمريكية، ورغم محاولة المسؤولين الأمريكيين في البداية التقليل من حجم الأضرار، فإن صور الأقمار الصناعية وإقرار البنتاغون لاحقا أثبتت تضرر قبة رادارية مهمة للاتصالات في القاعدة.
هذه المشاهد الخمسة تستعرض تحوُّل مقاربة إيران تجاه التدخلات الأجنبية على مدار قرن، من موقع المتلقي للضربات إلى الفاعل الذي يردّ بالمثل.

