من اختبار النوايا إلى صياغة النصوص… تقدم حذر في مفاوضات جنيف

وسط مناخ دولي مثقل بالتوترات وحسابات القوة، شهدت الساحة الدبلوماسية تحركا جديدا يعكس إصرار الأطراف المعنية على إبقاء باب الحوار مفتوحا رغم تعقيدات المشهد. فبين إرث سنوات من الشد والجذب، وضغوط داخلية وخارجية متشابكة، تتجدد المحاولات لإعادة ضبط الإيقاع السياسي عبر قنوات تفاوضية دقيقة وحساسة. هذه التطورات لا تعني بالضرورة اقتراب الحسم، لكنها تشير إلى أن خيار التفاهم لا يزال قائما، وأن المسار التفاوضي، مهما كان شاقا، يبقى البديل الأكثر واقعية لتجنب سيناريوهات أكثر كلفة على الجميع.

جنيف… من اختبار النوايا إلى تثبيت المسار التفاوضي

فقد انعقدت الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في جنيف بوساطة سلطنة عمان، الثلاثاء 17 فبراير/ شباط 2026 وسط أجواء إقليمية ودولية مشحونة بالتوقعات والشكوك في آن واحد، فيما تأتي هذه الجولة بعد مرحلة أولى وصفت بأنها تأسيسية، لتختبر مدى استعداد الطرفين للانتقال من تبادل الرسائل العامة إلى الدخول في تفاصيل أكثر دقة. وحسب مصادر إعلامية، انطلقت الاجتماعات عند الساعة ١١:٣٠ بتوقيت طهران في مقر السفارة العمانية، ما عكس استمرار الثقة في الدور العُماني كقناة اتصال موثوقة بين الجانبين، وهو دور أثبت فاعليته في محطات تفاوضية سابقة.

Image

وقبل بدء الجلسة الرسمية، عقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقاءات منفصلة مع وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، كما جرت مشاورات قبلها بيوم مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، هذه اللقاءات الجانبية وصفت بأنها لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت دلالة واضحة على أن المفاوضات تسير على مسارين متوازيين، سياسي تقوده طهران وواشنطن عبر الوسيط العماني، وفني يتطلب تنسيقا وثيقا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نظرا لارتباط أي اتفاق محتمل بآليات رقابية دقيقة ومعايير قانونية دولية.

هذا وقد انحصر جدول أعمال هذه الجولة في الملف النووي ورفع العقوبات، دون توسع إلى قضايا أخرى مثل البرنامج الصاروخي أو الملفات الإقليمية، فيما أكدت تصريحات مسئولين إيرانيين وعمانيين أن هذا الحصر مقصود ويعكس تمسك طهران بعدم فتح ملفات تفاوضية موازية قد تعقد المسار، في المقابل، لم يصدر عن الجانب الأمريكي ما يشير إلى توسيع الإطار التفاوضي، ما عكس، حسب خبراء، إدراكا مشتركا بأن النجاح المرحلي يتطلب تركيزا على نقطة الخلاف الأساسية.

مع مرور الساعات، تبين أن الجولة الثانية لم تكن حاسمة بالمعنى التقليدي، إذ لم تنته بإعلان اتفاق أو انهيار، بل سارت وفق نمط تراكمي يشبه الجولة الأولى، لكن بعمق أكبر في الطرح والنقاش، وعند الساعة الرابعة والنصف تقريبا، أعلن انتهاء الجولة دون مفاجآت دراماتيكية، غير أن وصفها بالجادة والبناءة من جانب طهران، وذات التقدم الملموس من جانب مسقط، أضفى عليها طابعا مختلفا عن مجرد لقاء بروتوكولي.

ما يميز هذه الجولة، وفق قراءة أولية، أنها نقلت الحوار من مرحلة اختبار النوايا إلى مرحلة تثبيت المسار التفاوضي، فالاتفاق على مواصلة العمل، وتحديد آلية تبادل نصوص مقترحة، يشيران إلى أن الطرفين لم يعودا يتعاملان مع المفاوضات كحدث عابر، بل كعملية مستمرة تحتاج إلى تنظيم وتخطيط.

كما أن تأكيد وزارة الخارجية العمانية على تقدم ملموس يعكس رغبة الوسيط في تثبيت مناخ إيجابي يدعم استمرار المحادثات، فالوساطة العمانية لا تقتصر على نقل الرسائل، بل تمتد إلى تهيئة بيئة تفاوضية تخفف من حدة التوتر وتمنح الطرفين مساحة للمناورة السياسية دون فقدان ماء الوجه. ومن هنا يمكن فهم اللقاء التشاوري الذي جمع البوسعيدي مع مسؤولين أمريكيين قبل بدء الجولة، كجزء من عملية إدارة دقيقة للإيقاع التفاوضي.

تصريحات عراقجي… مبادئ إرشادية تمهد لصياغة اتفاق محتمل

في أعقاب انتهاء الجولة، خرج وزير الخارجية الإيراني عراقجي إلى وسائل الإعلام بتصريحات اتسمت بالتفاؤل الحذر، حيث أكد أن الجولة الثانية شهدت نقاشات أكثر جدية مقارنة بالجولة السابقة، وأن الطرفين لم يبقيا عند مستوى العموميات، بل دخلا في تفاصيل بعض القضايا الأساسية. هذا التوصيف يعكس تحولا نوعيا في طبيعة الحوار، إذ إن الانتقال من تكرار المواقف المعروفة إلى مناقشة التفاصيل يعني اقتراب المفاوضات من جوهر الخلاف.

Image

أبرز ما كشف عنه عراقجي هو التوصل إلى موافقة عامة على مجموعة من المبادئ الإرشادية التي ستشكل الإطار المرجعي للعمل في المرحلة المقبلة، هذه المبادئ، حسب وصفه، ليست اتفاقا نهائيا، لكنها تمثل أرضية مشتركة تُحدد الخطوط العريضة وحدود الحركة لكل طرف. ومن الناحية التفاوضية، يشكل الاتفاق على مبادئ عامة خطوة أساسية تسبق عادة صياغة النصوص القانونية.

غير أن وزير الخارجية الإيراني قد شدد على أن الدخول في مرحلة صياغة النص لا يعني اقترابا سريعا من اتفاق نهائي، فقد أشار إلى أن العمل سيصبح أكثر دقة وتعقيدا عند الانتقال إلى الصياغة القانونية، حيث ينبغي التدقيق في كل بند وكل كلمة، هذا التحذير يعكس إدراكا للتجارب السابقة، ولا سيما اتفاق عام ٢٠١٥، حيث لعبت التفاصيل التقنية والقانونية دورا حاسما في تحديد مسار التنفيذ والالتزام، كما أوضح عراقجي أن موعد الجولة الثالثة لم يحدد بعد، وأن الطرفين سيعملان أولا على إعداد نصوص مقترحة استنادا إلى المبادئ المتفق عليها، ثم تبادلها ودراستها قبل تحديد موعد جديد.

وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كانت المفاوضات قد عادت إلى مسارها الرئيسي، أقر عراقجي بأن خريطة الطريق النهائية لم تتبلور بعد، لكنه أكد أن الصورة أصبحت أوضح بشأن ما يجب فعله وما ينبغي تجنبه.

تصريحات عراقجي حملت أيضا رسائل موجهة إلى الداخل الإيراني، حيث شدد على أن الهدف هو التوصل إلى اتفاق يحفظ الحقوق النووية والمصالح الوطنية، وفي الوقت ذاته يساهم في رفع العقوبات، توازن بين الصلابة في المبادئ والمرونة في الوسائل كان هو الحجر الرئيس للخطاب الإيراني في هذه المرحلة، يهدف إلى طمأنة الرأي العام بأن التفاوض لا يعني التنازل عن الثوابت.

في المجمل، يمكن القول إن تصريحات وزير الخارجية رسمت إطارا واقعيا للتوقعات، لا اختراقا فوريا، ولا انسدادا في الأفق. بل مسار تفاوضي بدأ يتخذ شكلا أكثر تنظيما، مع استعداد لإعطاء الوقت اللازم لصياغة اتفاق مستدام.

آفاق الجولة المقبلة… بين المقترحات الاقتصادية والعقد السياسية

إلى جانب الإطار السياسي العام، برزت خلال الجولة مؤشرات على طرح مقترحات ذات بعد اقتصادي، تهدف إلى تعزيز استدامة أي اتفاق محتمل، فقد تحدثت تقارير إعلامية عن استعداد إيران لبحث فرص استثمار أمريكية في قطاعات النفط والغاز، إضافة إلى إمكان شراء طائرات مدنية، بما يخلق مصالح اقتصادية متبادلة تشكل حافزا للالتزام بالاتفاق، هذه المقاربة عكست محاولة لتجاوز نموذج الاتفاق السابق، خطة العمل المشترك في فترة روحاني وظريف، الذي وجهت إليه انتقادات بأنه لم يحقق مكاسب اقتصادية ملموسة للجانب الأمريكي.

Image

في المقابل، تشير المعطيات إلى أن رفعا شاملا للعقوبات لا يزال موضع تحفظ أمريكي، ما يضع عقبة رئيسية أمام تحقيق اختراق سريع. فالفجوة بين ما تعتبره طهران رفعا حقيقيا وفعالا للعقوبات، وما تعتبره واشنطن ممكنا سياسيا، تمثل جوهر التحدي في المرحلة المقبلة.

الدور الفني للوكالة الدولية للطاقة الذرية سيظل كذلك عنصرا حاسمًا في أي تسوية، فمستويات التخصيب، وآليات الرقابة، وإدارة المخزونات، كلها مسائل تقنية تحتاج إلى تنسيق وثيق مع الوكالة، وقد أكدت طهران، على لسان على لاريجاني الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي خلال مقابلة أجراها مع قناة الجزيرة، أنها مستعدة للتشاور الفني والسماح لمفتشي الوكالة بالدخول لكل أجزاء البرنامج النووي، لكنها تظل متمسكة بحقها في التخصيب بوصفه حقا سياديا غير قابل للتفاوض من حيث المبدأ.

في الخلفية، لا يغيب عامل الضغط العسكري، إذ تحدثت تقارير عن استعدادات أمريكية ضخمة في المنطقة في حال فشل المفاوضات، غير أن استمرار المسار الدبلوماسي يوحي بأن هذا الخيار لا يزال في مرتبة الاحتياط، وأن الطرفين يفضلان استكشاف إمكانات الحل السياسي.

المستقبل القريب سيتوقف على مدى قدرة الجانبين على تحويل المبادئ الإرشادية إلى نصوص عملية قابلة للتنفيذ،  فإذا نجحت عملية تبادل المسودات في تقليص الفجوات، فقد تشهد الجولة الثالثة تقدمًا ملموسًا نحو اتفاق مرحلي أو شامل، أما إذا اصطدمت النصوص المقترحة بعقد سياسية داخلية أو حسابات إقليمية، فقد يتباطأ المسار دون أن ينهار بالكامل.

في كل الأحوال، أظهرت جنيف أن الدبلوماسية لم تستنفد بعد، وأن هناك نافذة مفتوحة، وإن كانت ضيقة، لإعادة صياغة العلاقة بين طهران وواشنطن على أسس أكثر استقرارا، وبين التفاؤل الحذر والواقعية الصارمة، يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة الطرفين على ترجمة الإرادة المعلنة إلى التزامات واضحة، تضع حدًا لسنوات من التوتر وتفتح صفحة جديدة في ملف ظل من أعقد ملفات السياسة الدولية.