الوكالة الدولية وطهران… اختبار ثقة عشية المفاوضات المصيرية

عادت جنيف لتكون مسرحا لواحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الدولية، في توقيت يتقاطع فيه الضغط السياسي مع الحسابات التقنية الدقيقة. اللقاء الذي عقد هناك لم يكن مجرد محطة بروتوكولية، بل خطوة محسوبة في سياق تحركات أوسع ترسم ملامح مرحلة مقبلة. ففي مناخ يتأرجح بين فرص التهدئة واحتمالات التصعيد، تتحول الكلمات إلى إشارات، والتفاصيل إلى مفاتيح عبور أو عوائق جديدة. وبين منطق السيادة ومتطلبات الرقابة، يقف الملف النووي مرة أخرى أمام اختبار دبلوماسي دقيق، حيث تقاس النتائج بقدرة الأطراف على تحويل التباين إلى تفاهم قابل للحياة.

تفاصيل اللقاء وتصريحات الطرفين قبل الاجتماع وبعده

فقد عقد لقاء الاثنين 16 فبراير/ شباط 2026، جمع عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، ورافائيل جروسي، الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك عشية انطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات بين طهران وواشنطن، وتشير الرواية الإعلامية بأن الاجتماع كان معدا مسبقا باعتباره جزءًا من التحضير للجولة، وأن فريقا من المختصين والخبراء النوويين حضر لدعم النقاشات الفنية الدقيقة، في إشارة إلى أن الملف لم يترك للسياسيين وحدهم، وأن التفاصيل كانت حاضرة على الطاولة لا في الهامش.

Image

قبل اللقاء، حرص عراقجي على تثبيت إطار سياسي واضح عبر منصته على إكس، إذ أعلن أنه جاء إلى جنيف بحلول واقعية تستهدف الوصول إلى اتفاق عادل ومتوازن، مع تأكيد قاطع على أن الاستسلام أمام التهديدات ليس ضمن جدول الأعمال، كذلك أوضح عراقجي، خلال تغريدته، أنه سيجتمع مع بدر البوسعيدي، وزير خارجية العماني، قبل بدء المشاورات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة.

Image

أما جروسي، فاختار لغة مختلفة لكنها لا تقل دلالة، إذ نشر رسالة على حسابه على منصة إكس تحدث فيها عن مفاوضات فنية شاملة مع وزير الخارجية الإيراني، فيما ربط هذه المحادثات مباشرة بالتحضير لمفاوضات الثلاثاء في جنيف، ومن جهته فقد استخدام جروسي تعبيرا فنية وشاملة ليوحي بأن اللقاء كان في نقاط تمس صلب علاقة إيران بالوكالة.

وفي سياق أوسع، يتحدث الخبراء بأن اللقاء يبدو كجزء من إدارة أزمة ممتدة، لا مجرد اجتماع منفصل. فجروسي كان قد صرح في مؤتمر ميونخ للأمن مطلع هذا الأسبوع بأن الوضع تغير بعمق بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران في 13 يونيو/ حزيران 2025، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة ما زال ممكنا فنيا.

Image

وفي مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز، أكد جروسي حق إيران في تخصيب اليورانيوم، لكنه شدد على أن هذا الحق يجب أن يُمارس تحت إشراف كامل من الوكالة لضمان عدم انحراف المواد إلى أغراض غير مصرح بها. في المقابل، تعلن طهران أن تفتيش المواقع المتضررة لن يتم إلا ضمن إطار واضح لمرحلة ما بعد الحرب ومع إدانة رسمية لما تصفه بأعمال عدوانية، بينما يعتبر جروسي هذه الاشتراطات ذات طابع سياسي ويرى أن إجراءات السلامة القائمة كافية لدخول المنشآت.

كما أشار الأمين العام للوكالة أيضا إلى أن القصف الإسرائيلي قد عطل تفتيشا كان مقررا بنفس تاريخ القصف الإسرائيلي لموقع جديد في أصفهان، ما حال دون تمكن المفتشين من زيارته، في حين تؤكد إيران أن تعاونها مع الوكالة محكوم بقانون صادر عن البرلمان وقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، الأمر الذي يجعل المسار الرقابي جزءا من إطار قانوني وسيادي لا تقنيا بحتا.

دلالات اللقاء عشية مفاوضات إيران والولايات المتحدة

حسب وسائل الإعلام والصحف الإيرانية، فقد حمل هذا اللقاء دلالات تتجاوز طابعه البروتوكولي، إذ يبدو كخطوة مقصودة لصناعة ارضية فنية قبل ان تبدأ السياسة لعبتها المعقدة. ففي المفاوضات النووية غالبا ما تتعثر الاتفاقات عند التفاصيل الدقيقة مثل مستوى التخصيب وعدد اجهزة الطرد وآليات التحقق ومصير المخزون النووي. ومن دون بنية رقابية واضحة وقابلة للتطبيق، يتحول أي تفاهم سياسي الى ساحة اتهامات متبادلة. لذلك جاء التحرك عبر القناة الفنية بمثابة تمهيد ضروري يسبق الجولة السياسية الحساسة.

Image

اللقاء حمل ايضا رسالة مزدوجة الاتجاه، فبالنسبة لواشنطن، يشير تزامن الاجتماع مع انطلاق الجولة الجديدة إلى أن الوكالة حاضرة في قلب التفاصيل، وان اي صيغة اتفاق لن تكون مجرد تفاهم سياسي، بل منظومة ضمانات ومراقبة دقيقة. أما داخليا، فقد عكست تصريحات وزير الخارجية الايراني ان التحرك نحو جنيف لا يأتي تحت ضغط او تهديد، بل في سياق مشروع تفاوضي يستند الى مبادرات واقعية وخطوط حمراء واضحة، بما يمنع تفسير الانفتاح على أنه تراجع.

الدلالة الثالثة تتصل بدور الوسيط العماني. فالإشارة الى لقاء وزير خارجية عمان قبل بدء المشاورات تعكس ان المسار غير المباشر يحتاج الى ضبط ايقاع دائم. في مثل هذه القنوات، تكون الرسالة الفنية التي تخرج من الوكالة مكملة للرسالة السياسية التي ينقلها الوسيط، بحيث تتكامل الاشارات ولا تتناقض، ولا تتحول الثغرات التقنية الى ازمات سياسية.

كما يأتي اللقاء في مناخ إقليمي متوتر، في ظل ضغوط وتصريحات إسرائيلية تطالب بتفكيك بنى التخصيب وتقييد برامج اخرى مرتبطة بالأمن الإقليمي. في هذا السياق، تصبح الوكالة جزءا من معادلة ردع معقدة. فعودة التفتيش وتعزيز الإشراف يمكن ان يستخدم لخفض مبررات التصعيد، لكنهما قد يتحولان ايضا الى منصة لزيادة المطالب إذا جرى تسييس المسار الرقابي.

Image

وتبرز كذلك مساحة تنازع واضحة بين التقني والسياسي، وهي مساحة قد تحدد مصير الجولة المقبلة. فبينما تصف الوكالة بعض الشروط الايرانية بانها سياسية، تربط طهران بعض أوجه التعاون بإطار ما بعد الحرب واعتبارات السيادة. هذا الخلاف يتجاوز كونه مسألة إجرائية، ليطرح سؤالا أعمق حول امكانية فصل الرقابة الفنية عن التجاذبات السياسية في لحظة مشحونة، ومن هذا المنطلق بدأ اللقاء التحضيري في جنيف كمحاولة لخفض حدة هذا التداخل ومنع انفجاره داخل غرفة التفاوض.

أيضا، ففي الوقت الذي يتكرر فيه في الخطاب الإيراني التمسك بالحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بما يشمل التخصيب، باعتباره حقا ثابتا منصوصا عليه في معاهدة عدم الانتشار وليس امتيازا جديدا، ويجري التأكيد على ان أي مفاوضات يجب ان تتم ضمن اطر عليا وخبرات سابقة مع قدر من الحذر نتيجة انعدام الثقة، يظهر اللقاء مع الوكالة كخطوة لتثبيت هذا المعنى، حيث لا يعني القبول بالنقاش الفني التنازل عن الحق، ولا يعني الاشراف اعادة تعريف الالتزامات سياسيا.

اخيرا، يمنح اللقاء كلا الطرفين فرصة لإدارة التوقعات. فالتقديرات تشير إلى ان المفاوضات قد تكون مرهقة وثقيلة وطويلة، وأن بعض اللقاءات ما تزال في بدايتها لكنها تحمل مؤشرات ايجابية. في مناخ كهذا، تتحول الاجتماعات الفنية الى صمامات أمان تبقي المسار مفتوحا حتى عندما تتعثر السياسة، وتوفر مساحة لالتقاط الأنفاس قبل الانتقال الى القرارات الاكبر.

هل تدعم الوكالة صيغة اتفاق محتملة؟ وهل يعود المفتشون إلى إيران؟

في قراءة عامة للمشهد الراهن، تظهر الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوصفها الضامن الفني لأي اتفاق نووي محتمل، لا باعتبارها طرفا سياسيا يرسم ملامح التسوية النهائية. غير ان هذا الدور يبقى مشروطا بقدرتها على التحقق العملي من الالتزامات، وبتوافر آليات واضحة للوصول والرقابة تمنع الانحراف وتؤكد الالتزام، بأي صيغة اتفاق لا يمكن ان تحظى بغطاء الوكالة ما لم تكن قابلة للقياس والمراجعة الميدانية المستمرة.

أيضا يربط المدير العام للوكالة أي ممارسة للتخصيب بإشراف كامل يضمن بقاء المواد تحت الرقابة وعدم توجيهها إلى أغراض غير مصرح بها، في هذا الإطار، تبدو الوكالة مستعدة للتعايش مع صيغة تسمح بتخصيب ضمن حدود متفق عليها، شرط ان تكون الرقابة فعالة ودائمة. وعليه، فان دعمها لاي اتفاق سيكون رهنا بقبول إيران بنظام تحقق يطمئن الاطراف الاخرى، وبقبول هذه الأطراف بفكرة استمرار نشاط نووي سلمي داخل إطار محدد وواضح.

Image

غير ان الأمر الاكثر تعقيدا يتصل بعودة المفتشين، فالسؤال لا يقتصر على موقف الوكالة، بل يمتد الى ما إذا كانت الظروف السياسية والامنية تسمح باستئناف التفتيش كما كان. وهنا تبرز مسألة المواقع المتضررة، اذ تطالب الوكالة بالوصول الى المنشآت التي تعرضت للقصف، فيما تربط طهران هذا الأمر بإطار ما بعد الحرب وبموقف رسمي يدين ما تصفه بأعمال عدوانية. وبين هذين الموقفين يتحدد توقيت العودة وطبيعتها، سواء جاءت كاملة أو جزئية او على مراحل.

هذا ويعبر الانتظار الذي يعيشه المفتشون منذ أشهر للحصول على إذن الوصول الى مواقع رئيسية عن دلالة خاص، فالفراغ الرقابي يفتح الباب أمام التأويلات ويمنح السياسة مساحة تحل محل القياس الفني. لذلك تبدو استعادة الوجود الميداني للمفتشين شرطا أساسيا لخفض مستوى الشكوك المتبادلة، وربما مدخلا لربط التحقق بخطوات لاحقة تتعلق بتخفيف الضغوط او العقوبات، ضمن معادلة تقوم على التحقق مقابل التخفيف.

في المقابل، تؤكد طهران ان انشطتها تجري ضمن إطار الضمانات، وأن التعاون مع الوكالة تحكمه قوانين داخلية وقرارات صادرة عن مؤسسات عليا. هذا يعني ان عودة المفتشين، إذا تمت، ستتحرك ضمن حدود قانونية وسيادية محددة، وقد تأتي في صورة تفاهم تقني يعيد تنشيط المسار الرقابي من دون ان يبدل التوازن السياسي العام، لكنه يخلق مساحة عمل مشتركة تحافظ على إمكانية الاتفاق.

Image

كما تكشف حادثة تعطيل تفتيش موقع أصفهان بسبب اندلاع الهجمات كيف يمكن لتطور أمني واحد أن يعطل مسار تقنيا كاملا. فالتحقق يظل رهينة الاستقرار، ونجاح الرقابة مرتبط بتوفر بيئة امنية تسمح للوكالة بأداء دورها من دون ان يتحول وجودها الى مصدر توتر جديد. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي هو ما إذا كان بإمكان الاطراف تحييد المسار الرقابي عن صدمات الميدان.

في المحصلة، تبدو الوكالة مستعدة لدعم أي صيغة اتفاق تستطيع مراقبتها والتحقق منها بصورة فعالة، وستدفع باتجاه توسيع نطاق الوصول وتعزيز الشفافية. لكنها لن تتمكن بمفردها من فرض عودة المفتشين إذا استمر الخلاف السياسي حول شروط ما بعد الحرب قائما. ومن المرجح ان تعود الرقابة ضمن حزمة أوسع من التفاهمات، حيث تقترن خطوات التحقق بتدابير سياسية او اقتصادية متبادلة، في سياق صفقة شاملة لا خطوة منفصلة عن محيطها.

جنيف كاختبار، والوكالة كميزان دقيق

لم يكن لقاء الوزير مع الأمين مجرد اجتماع تمهيدي، بل اختبار لقدرة اللغة الفنية على تخفيف تعقيدات السياسة، وقدرة السياسة على منح التقنية مساحة للعمل بعيدا عن الصراعات. التصريحات المتبادلة عكست سعيا لبناء حد أدنى من التفاهم، فإيران تؤكد حقوقها وخطوطها الحمراء، فيما تشدد الوكالة على الاشراف والتحقق وتعتبر بعض العقد قابلة للحل فنيا.

ومع انطلاق الجولة التالية بين إيران والولايات المتحدة، يبقى السؤال ما إذا كانت المحادثات الفنية ستتحول الى بنية تحقق تدعم اتفاقا محتملا، ام تبقى مجرد خطوة لإدارة الضغط. الباب لا يزال مفتوحا، لكن النجاح يتطلب ارادة مشتركة. فالوكالة قد تكون ميزانا دقيقا، غير ان الميزان وحده لا يمنع العاصفة ما لم تتوافر هدنة سياسية تسمح له بالعمل.

كلمات مفتاحية: