من الدستور إلى ولاية الفقيه.. تحولات الحياة الحزبية في إيران

ما هو نظام ولاية الفقيه وكيف نظامه السياسي؟

في مطلع القرن العشرين، كانت إيران على موعد مع لحظة فارقة في تاريخها السياسي، فقد أنجبت الثورة الدستورية عام 1906 أول برلمان وأول أحزاب سياسية في العالم الإسلامي، لتفتح باب الأمل أمام فكرة المشاركة الشعبية في الحكم بعد قرون من الاستبداد الملكي، لكن هذا الأمل سرعان ما تبدد بين الانقلابات والاحتلالات وصعود الأنظمة العسكرية، حتى باتت الحياة الحزبية مرآة دقيقة لتحولات السلطة في إيران أكثر مما هي تعبير عن إرادة المجتمع.

من حزب الديمقراطيين والمعتدلين في عهد الثورة الدستورية، إلى حزب توده اليساري في الأربعينيات، ومن الجبهة الوطنية، التي قادها مصدق إلى رستاخيز الحزب الواحد في عهد الشاه، وصولا إلى حزب الجمهورية الإسلامية الذي ألغى التعددية باسم الثورة، نرى نفس الدورة تتكرر، الولادة، الازدهار المؤقت، ثم الإقصاء.

وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، بدا أن عهدا جديدا من الحرية السياسية قد بدأ، لكن مبدأ ولاية الفقيه سرعان ما وضع سقفا صارما لكل اختلاف، ليختزل السياسة في الولاء للعقيدة والقيادة الدينية، ومع مرور العقود، تراجعت فكرة الحزب كمؤسسة شعبية لتحل محلها تيارات عقائدية متنافسة داخل النظام نفسه، إصلاحيون مقابل أصوليين، دون تعددية حقيقية.

هذا التحقيق يتتبع أكثر من قرن من التحولات في الحياة الحزبية الإيرانية، باحثا في الأسباب التي جعلت الأحزاب تتحول من أدوات للتغيير إلى رموز للولاء، وكيف انتقل القرار السياسي من الشارع إلى الحوزة، ومن البرلمان إلى مكتب المرشد.

البدايات… الثورة الدستورية وميلاد السياسة الحديثة من 1906 إلى 1925

كانت الثورة الدستورية الإيرانية نقطة الانطلاق الأولى لتجربة العمل الحزبي في البلاد، ففي عام 1906، وبعد احتجاجات واسعة قادها علماء الدين والتجار والمثقفون، اضطر الشاه مظفر الدين القاجاري إلى إصدار مرسوم بتأسيس مجلس الشورى الوطني، وهو البرلمان الأول في تاريخ إيران الحديث، وقد مثل هذا المجلس، وفقا لمحققين، رمزا لولادة فكرة المواطنة والتمثيل الشعبي، ووضع دستورا ينص على تقييد سلطات الملك وإخضاع الحكومة للمساءلة.

Image

في هذا المناخ الجديد، ولدت الأحزاب الأولى التي حاولت التعبير عن رؤى متباينة لمستقبل البلاد، كان أبرزها حزب الديمقراطيين الذي تبنى أفكارا تحديثية وعلمانية، وحزب المعتدلين الذي سعى إلى التوفيق بين الشريعة والدستور، ورغم اختلاف الأيديولوجيات، فقد جمعت بين هذه الأحزاب رغبة واحدة، وهي بناء دولة قانون حديثة تقف على مسافة من الاستبداد الملكي ومن الهيمنة الدينية في آن معا.

غير أن هذا الحلم السياسي لم يدم طويلا، فسرعان ما بدأت الخلافات تتعمق بين التيار الديني الذي رأى في الدستور تهديدا للمرجعية الشرعية، وبين التيار الليبرالي الذي أراد تقليص سلطة الفقهاء، وقد أدى هذا الانقسام إلى إضعاف الثورة الدستورية، لتدخل البلاد مرحلة اضطرابات متواصلة استغلها القصر الملكي والقوى الأجنبية.

ففي الشمال، كانت روسيا القيصرية تراقب المشهد بقلق وتسعى إلى حماية نفوذها التقليدي في القوقاز وإيران، بينما دعمت بريطانيا قوى موالية لها في الجنوب، ومع تزايد التدخلات الأجنبية، أصبحت الساحة السياسية الإيرانية ميدانا لصراع النفوذ بين موسكو ولندن، ما أفقد الأحزاب استقلالها وأدخلها في تحالفات متناقضة.

Image

رغم ذلك، تركت الثورة الدستورية أثرا عميقا في الوعي الإيراني، فقد رسخت للمرة الأولى مفاهيم مثل الوطن والمواطنة والتمثيل النيابي، وفتحت الباب أمام صحافة سياسية نشطة وفضاء عام أكثر حيوية، كما أسهمت في بروز نخب جديدة من المثقفين والفقهاء الإصلاحيين الذين سعوا إلى مواءمة الإسلام مع مبادئ الدستور.

Image

لكن، ومع دخول العقد الثالث من القرن العشرين، بدأ هذا المشروع يتآكل، فالصراعات الداخلية، وضعف المؤسسات، والفوضى الأمنية مهّت الطريق لظهور شخصية عسكرية قوية تعد بالنظام والاستقرار، وهكذا برز رضا خان، الذي سيصبح لاحقا رضا شاه، على المسرح السياسي، حاملا وعود التحديث، لكنه أيضا وممهدا لمرحلة جديدة من المركزية الصارمة.

بذلك الظهور، تكون قد انتهت أول تجربة حزبية في إيران إلى مأزق مبكر، فبدل أن تكون وسيلة لترسيخ الديمقراطية، تحولت الأحزاب إلى ساحة صراع بين النخب المتنازعة، وضحية لتجاذبات الخارج، ومع أفول نجم الثورة الدستورية عام 1925، كانت البلاد تودع آخر أنفاس الحياة السياسية الحرة، لتبدأ رحلة جديدة من سيطرة الدولة على المجال العام.

عهد رضا شاه… الدولة تلتهم السياسة من 1925إلى1940

مع صعود رضا خان إلى السلطة عام 1925 وتأسيسه السلالة البهلوية، بدأت إيران تدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، عنوانها الأبرز الدولة القوية مقابل المجتمع الصامت، فقد كان رضا شاه يرى في التجربة الدستورية التي سبقته نموذجا للفوضى والانقسام، فاعتبر أن بناء دولة حديثة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال سلطة مركزية صارمة تقضي على التعددية السياسية وتُخضع الجميع لإرادة الحاكم.

تفيد كثير من المصادر التاريخية بأن رضا شاه قد اعتمد مشروعا طموحا لتحديث مؤسسات الدولة، مستلهما النموذج التركي في عهد مصطفى كمال أتاتورك، لكن بطابع أكثر سلطوية، فقد بدأ بإعادة تنظيم الجيش وتوسيع الجهاز البيروقراطي وبناء شبكة سكك حديدية ومؤسسات تعليمية حديثة، إلا أن هذا التحديث كان يجري من فوق، دون مشاركة سياسية أو حياة حزبية حقيقية، فبمجرد أن رسخ قبضته على الحكم، أصدر قرارات حظر جميع الأحزاب والجمعيات، معتبرا أن التعدد الحزبي يهدد وحدة الأمة ويعرقل عملية البناء الوطني.

Image

تم حل بقايا الأحزاب التي نشأت في عهد الثورة الدستورية، وتمت ملاحقة زعمائها أو إجبارهم على الصمت والمنفى، وتحولت الصحافة إلى أداة دعائية تمجد إنجازات الملك، فيما فرضت رقابة صارمة على كل ما ينشر أو يقال، وهكذا أُعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الولاء الشخصي للملك لا للبرنامج السياسي أو الأيديولوجي.

ورغم القمع السياسي، فلا يمكن إنكار أن سياسات رضا شاه تركت أثرا اقتصاديا وإداريا مهما، فقد أسس بنية تحتية حديثة، ووضع نواة جهاز إداري قوي، وبدأ بتقليص نفوذ رجال الدين في القضاء والتعليم، الأمر الذي جاء أشد من اللازم، غير أن هذا التحديث جاء على حساب المجال العام، إذ جرى تفريغ السياسة من مضمونها الاجتماعي وتحويلها إلى طاعة للنظام الجديد.

Image

في المقابل، بدأت بعض الحركات السياسية تنشط في السر أو في المنفى، خاصة بين المثقفين والطلبة، لكنها ظلت محدودة التأثير في ظل القبضة الأمنية الصلبة، كما وجهت اتهامات متزايدة للنظام بتقليد الغرب بشكل مفرط، سواء في اللباس أو التعليم أو القوانين، وهو ما أثار حفيظة النخب والمراجع الدينية التي رأت في سياساته تهديدا لهوية البلاد الإسلامية.

Image

كان رضا شاه يدرك أن أي معارضة منظمة قد تهدد مشروعه المركزي، لذلك اعتمد على سياسة التوحيد القسري التي تخضع كل مؤسسات المجتمع، من النقابات إلى المدارس، للرقابة الحكومية، وأصبح الولاء للنظام معيار الترقي في الوظائف والمناصب، وحتى البرلمان، الذي تأسس بفضل الثورة الدستورية، تحول إلى هيئة شكلية تصادق على قرارات الحكومة دون نقاش.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، بدأت ملامح الضعف تظهر في حكم رضا شاه، فقد أدى تقاربه مع ألمانيا النازية إلى توتر علاقاته مع بريطانيا وروسيا، اللتين كانتا تعتبران إيران منطقة نفوذ استراتيجية، وفي عام 1941، دخلت القوات البريطانية والسوفيتية البلاد لإجبار رضا شاه على التنحي لصالح ابنه محمد رضا بهلوي، معلنة نهاية مرحلة من التحديث السلطوي وبداية عهد جديد من الانفتاح النسبي.

Image

ورغم سقوطه، ترك رضا شاه وراءه إرثا معقدا، فها هي إيران دولة حديثة إداريا، لكنها فقيرة سياسيا، فقد ابتلع مشروعه التحديثي بذور التعددية التي زرعتها الثورة الدستورية، وجعل من السياسة شأنا يخص الدولة لا المجتمع. ومنذ ذلك الحين، أصبح سؤال المشاركة الشعبية مؤجلا دائما في إيران، ينتظر كل عقد فرصة جديدة للعودة، قبل أن يغلق مجددا بقبضة السلطة.

تجربة الانفتاح القصير… حزب توده والجبهة الوطنية من1941إلى 1953

كما ذكرنا، فقد أطاحت الحرب العالمية الثانية بالملك رضا شاه لتفتح أمام إيران فصلا جديدا من تاريخها السياسي، يمكن وصفه بأنه الانفراج القصير بعد عقود من الكبت، فقد شهدت البلاد لأول مرة منذ الثورة الدستورية مساحة من الحرية سمحت بعودة الأحزاب والنقابات والصحف إلى العلن، وولدت طاقة سياسية كبيرة سرعان ما انعكست في الشارع والمجتمع.

Image

في هذا المناخ، برز حزب توده بوصفه أول حزب جماهيري منظم في تاريخ إيران الحديث، واستند الحزب إلى أيديولوجيا ماركسية واضحة، واستطاع في وقت قصير أن يجذب آلاف العمال والمثقفين والطلاب، مستفيدا من الدعم غير المباشر للاتحاد السوفييتي الذي كانت قواته تحتل شمال البلاد، امتلك الحزب قدرة تنظيمية لافتة، ونجح في اختراق مؤسسات الدولة والجيش والنقابات، مما أثار مخاوف الطبقة الحاكمة والغرب على حد سواء.

Image

في المقابل، نشأت قوى وطنية أخرى رأت في الماركسية خطراً على هوية البلاد واستقلالها، وكان أبرزها الجبهة الوطنية بقيادة الدكتور محمد مصدق، السياسي الليبرالي الذي دعا إلى سيادة القانون واستقلال القرار الوطني والذي قاد إيران إلى واحد من أهم قرارتها الاقتصادية التحررية، والتي تبنت خطابا إصلاحيا يهدف إلى تقليص نفوذ الشاه، وتعزيز سلطة البرلمان، والأهم من ذلك، تأميم النفط الإيراني الذي كانت تديره شركة بريطانية عملاقة.

التقت مصالح حزب توده والجبهة الوطنية مؤقتا في دعم مصدق ضد هيمنة بريطانيا، لكن سرعان ما ظهرت التباينات الأيديولوجية، فالشيوعيون رأوا في مصدق زعيما برجوازيا مترددا، بينما اعتبره المحافظون تهديدا لمصالح الدولة والنظام الملكي، ومع تصاعد الصراع السياسي والإعلامي، أصبح البرلمان ميدانا لمعركة مفتوحة بين الأحزاب، تشهدها الصحف والمقاهي والشارع يوميا.

Image

وفي عام 1951، وصل مصدق إلى رئاسة الوزراء بانتخابات برلمانية، وأعلن تأميم النفط، في خطوة تاريخية أعادت الثقة إلى الشارع الإيراني وأثارت غضب لندن وواشنطن، بدا للحظة أن إيران تتجه نحو ديمقراطية وطنية حقيقية، تجمع بين الحرية السياسية والسيادة الاقتصادية، غير أن هذا الأمل لم يدم طويلا، إذ دخلت البلاد مرحلة اضطرابات اقتصادية خانقة نتيجة الحصار النفطي، ما استغله خصوم مصدق لإضعاف حكومته.

Image

تزايدت المؤامرات في الكواليس، وبدأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، المعروفة اختصارا بالسي أي ايه، بالتعاون مع المخابرات البريطانية، إم إي 6، في دعم انقلاب عسكري لإسقاط الحكومة المنتخبة في عملية سميت أجاكس، وفي أغسطس/آب 1953 من العام، نفذ الانقلاب الذي أعاد الشاه إلى الحكم فعليا، منهيا بذلك تجربة الانفتاح القصيرة، تم حظر حزب توده، برغبة مخططي الانقلاب بالطبع، واعتقال أو إعدام العشرات من قادته، كما جرى تفكيك الجبهة الوطنية وملاحقة رموزها.

Image

وكنظرة عامة، فقد مثل انقلاب 1953 نقطة تحول حاسمة في تاريخ الحياة الحزبية الإيرانية، فقد أنهى أي أمل في إقامة نظام ديمقراطي مستقر، وأعاد السلطة بالكامل إلى القصر الملكي، تحت وصاية أمريكية متزايدة، على إيران وعلى العالم على حد سواء، ومنذ تلك اللحظة، دخلت الأحزاب الإيرانية مجددا مرحلة السرية والملاحقة، بينما عاد الخوف ليخيم على المجال العام.

كانت تلك السنوات القليلة بين 1941 و1953 أشبه بفجر لم يكتمل، إذ ولدت خلالها للمرة الأولى أحزاب جماهيرية حقيقية ونقابات قوية وصحافة مستقلة، لكنها سرعان ما أطفئت تحت وطأة الانقلابات والتدخلات الأجنبية، ومع سقوط حكومة مصدق، سقطت أيضا فكرة المشاركة السياسية الحرة في إيران، لتبدأ البلاد عهدا جديدا من حكم الحزب الواحد والولاء المفروض.

الحزب الواحد… الشاه يختزل السياسة في الولاء كوالده من 1953 إلى 1979

بعد انقلاب مصدق، دخلت إيران مرحلة جديدة من تاريخها السياسي اتسمت بعودة الحكم المطلق تحت قيادة الشاه محمد رضا بهلوي، كانت تلك العودة إيذانا بانتهاء التجربة الديمقراطية القصيرة وبداية عهدٍ من المركزية الشديدة التي ألغت الحياة الحزبية المستقلة وأخضعت السياسة بالكامل لسلطة القصر.

استند الشاه في حكمه إلى دعم غربي واسع، خصوصا من الولايات المتحدة، التي رأت في إيران حليفا استراتيجيا في مواجهة النفوذ السوفييتي بالمنطقة، في ظل هذا الدعم، بدأ النظام الملكي في بناء دولة قوية أمنيا واقتصاديا، لكنه أغلق الباب تماما أمام أي معارضة سياسية، فكان مصير الأحزاب الوطنية كما ذكرنا التفكيك والملاحقة والنفي والاسكات، فيما أصبحت الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها السافاك، الذراع الحديدية للنظام.

ورغم هذا القمع، لم يتوقف الشاه عن الترويج لصورة إيران الحديثة المتقدمة، فقد أطلق في الستينيات ما سمي بالثورة البيضاء، وهي مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية هدفت إلى تحديث البلاد وتعزيز شرعية النظام، شملت تلك الإصلاحات توزيعا محدودا للأراضي، وتوسيع التعليم، ومنح النساء حق التصويت، لكن هذه الإجراءات، وفق مؤرخين، لم تترجم إلى انفتاح سياسي حقيقي، بل كانت وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع بما يخدم استقرار العرش.

وفي عام 1975، قرر الشاه اتخاذ خطوة أكثر جذرية حين أعلن تأسيس حزب رستاخيز، أي النهضة، ليكون الحزب الوحيد المسموح به في البلاد، معتبراً أن الانضمام إليه واجب وطني، بل شرط للبقاء في المناصب الحكومية، أما من رفض الانتماء إليه فقد عد خائنا للوطن، وبهذا تحولت السياسة إلى طقس ولاء، وفرضت على المواطنين عضوية شكلية في حزب لا يملك برنامجا سوى تمجيد الشاه وسياساته.

Image

ألغى حزب رستاخيز أي إمكانية للمعارضة القانونية، فانتقلت القوى الرافضة إلى العمل السري، ومن هنا بدأت الحركات الإسلامية، التي ظلت تعمل في الظل منذ الخمسينيات، تنشط من جديد، مستفيدة من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتنامي الغضب الشعبي من الفساد والتفاوت الطبقي، وفي المساجد والحوزات، أخذ رجال الدين يملؤون الفراغ السياسي بخطاب ديني معارض ركز على المظلومية والعدالة، وكان أبرز رموزه روح الله الخميني الذي نفي إلى العراق لكنه حافظ على تأثيره المتصاعد.

Image

وعلى مدار عقدين، كانت الدولة الإيرانية تبدو قوية في مظهرها، لكنها هشة في بنيتها السياسية، فالتنمية الاقتصادية السريعة رافقتها مركزية مطلقة وفساد إداري واسع، فيما تحولت المؤسسات المنتخبة إلى واجهات شكلية، ومع اتساع الهوة بين النظام والمجتمع، بدأت المعارضة تأخذ طابعا شعبيا متناميا، تجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية نحو حراك أوسع يقوده الدين والشارع.

Image

بحلول أواخر السبعينيات، كانت البلاد تغلي تحت السطح، وكانت حقا وحسب قول الصحفي المصري محمد حسنين هيكل فوق بركان، فبينما كان الشاه يتحدث عن إيران الكبرى، كانت المدن تعج بالمظاهرات والإضرابات، وبدت الأجهزة الأمنية عاجزة عن احتواء الغضب المتراكم، وفي عام 1978، اندلعت احتجاجات واسعة قادها رجال الدين والطلاب والعمال، لتتحول خلال شهور إلى ثورة شاملة أنهت حكم الشاه وأسقطت النظام الملكي في فبراير/شباط 1979.

كان سقوط الشاه نهاية مرحلة وبداية أخرى، فالحزب الواحد الذي صنعه ليكون أداة توحيد، أصبح رمزا لانفصال الدولة عن المجتمع. ومع انهياره، انهارت أيضا آخر أشكال الحياة الحزبية الرسمية، لتدخل إيران عهدا جديدا من السياسة، العقائدية في غالبها، تحت راية الثورة الإسلامية.

الثورة الإسلامية… الأحزاب في ظل ولاية الفقيه من 1979 إلى 1989

بعدما سقط الشاه بدا وكأن صفحة جديدة قد فتحت في تاريخ إيران السياسي، حيث خرجت الملايين إلى الشوارع وهي تهتف للحرية والاستقلال والجمهورية الإسلامية وزعيمها الخميني الذي جاء من فرنسا بلد الحريات والأحزاب، معتقدة أن الثورة ستعيد للشعب صوته المسلوب وتعيد الحياة إلى التعددية التي خُنقت لعقود، غير أن ما تلا ذلك لم يكن استعادة للديمقراطية بقدر ما كان إعادة تشكيل للسلطة وفق منطق المعتقد الديني.

ففي الأشهر الأولى بعد الثورة، شهدت إيران انفجارا سياسيا غير مسبوق، عشرات الأحزاب والتيارات ظهرت دفعة واحدة، يساريون، ليبراليون، قوميون، إسلاميون من مدارس مختلفة، عادت الجبهة الوطنية إلى الواجهة، ونشط حزب توده من جديد، إلى جانب منظمات يسارية مثل مجاهدين خلق وفدائيي خلق، بدا المشهد وكأنه عودة إلى زخم الأربعينيات، لكن تحت سقف ديني جديد يرفع شعار الاستقلال والحرية والجمهورية الإسلامية.

Image

غير أن الثورة لم تكن تملك رؤية واضحة لموقع الأحزاب في النظام الجديد، فقد هيمنت على المشهد فكرة ولاية الفقيه التي طرحها الخميني، وتنص على أن الفقيه الجامع للشرائط هو القائد الأعلى الذي يضمن تطبيق الشريعة ويحفظ مسار الثورة، وبموجب هذا المبدأ، أصبح الولاء للقيادة الدينية شرطا أساسيا للمشاركة السياسية، ما وضع حدودا حادة أمام أي معارضة أيديولوجية.

لتنظيم الحكم الوليد، أسس المقربون من الخميني حزب الجمهورية الإسلامية عام 1979 بقيادة شخصيات بارزة مثل علي خامنئي ومحمد بهشتي، لم يكن الحزب مجرد إطار تنظيمي، بل أداة لبناء الدولة الجديدة وتوجيهها، فسيطر على مؤسسات الثورة، من اللجان الثورية إلى البرلمان، وأقصى تدريجيا خصومه من الساحة، وخلال سنوات قليلة، تحول الحزب إلى القوة المهيمنة التي تحدد من هو الثوري الحقيقي ومن هو المنحرف عن الخط الإسلامي بتعبير الحقبة.

Image

أما الأحزاب الأخرى، فقد بدأت تواجه التضييق والملاحقة، فتم حل حزب توده واعتقال قياداته بتهمة التجسس للسوفييت، بينما تم حظر مجاهدين خلق بعد صدامات مسلحة مع الحرس الثوري، حتى القوى القومية والليبرالية التي شاركت في إسقاط الشاه، مثل الجبهة الوطنية، تم اتهامها بالعمالة أو الانحراف عن مبادئ الثورة، وهكذا، اختزلت التعددية السياسية في تيار واحد يدور داخل فلك الثورة وولاية الفقيه.

Image

ساهمت الحرب العراقية الإيرانية، بين أعوام 1980 و1988، تثبيت هذا الواقع، فقد استخدم النظام الحرب لتبرير تشديد القبضة الأمنية وتجميد الحياة السياسية بدعوى الحفاظ على الوحدة الداخلية، في تلك السنوات، غابت المعارضة كليا من المجال العام، وبرزت ثقافة الطاعة والولاء، بينما تمحورت السياسة حول حماية الثورة لا مناقشة سياساتها، على أن الحرب لم تكن العامل الوحيد لتهدئة الأوضاع مؤقتا، فقد كان الخميني نفسه شخصية موضع احترام لدى الكثيرين من التيارات الأخرى.

إلى أن أتى العام 1987، حين أعلن الخميني حل حزب الجمهورية الإسلامية نفسه بعد أن أنهى مهمته، مبررا القرار بأن التنظيمات الحزبية تزرع الفتنة والانقسام بين المؤمنين، وبذلك، أغلقت الدائرة، الحزب الذي نشأ لاحتكار السياسة اختفى بعدما احتكرتها الدولة.

Image

ومع وفاة الخميني عام 1989، كانت إيران قد دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار السلطوي تحت هيمنة مبدأ ولاية الفقيه، الذي أصبح المرجعية العليا فوق أي حزب أو مؤسسة، وبدل أن تعيد الثورة الحياة الحزبية، أعادت صياغتها في قالب عقائدي لا يعترف إلا بولاء واحد، الولاء للفقيه القائد.

الإصلاحيون في التسعينيات… الأمل المؤجل من 1989 إلى 2005

بعد وفاة الخميني، جاء علي خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى، فيما تولى هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية، حاملا شعار إعادة الإعمار بعد حرب مدمرة دامت ثماني سنوات، في تلك الفترة، بدت البلاد وكأنها تتجه نحو براغماتية جديدة تركز على التنمية الاقتصادية أكثر من التعبئة العقائدية.

لكن مع انفتاح الاقتصاد، بدأ الجيل الجديد من المثقفين والطلاب والسياسيين يطرح أسئلة حول الحرية السياسية ودور المجتمع المدني. وبرز تيار جديد داخل المؤسسة نفسها يعرف بالإصلاحيين، رأى أن الثورة بعد عقد من الزمن تحتاج إلى إصلاح من الداخل لا إلى المواجهة، وكان هذا التيار يضم رجال دين معتدلين ومفكرين من خلفيات أكاديمية، مثل محمد خاتمي وعبد الكريم سروش، الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والديمقراطية.

Image

في عام 1997، شكل انتخاب محمد خاتمي رئيسا للجمهورية مفاجأة غير متوقعة للنظام وللعالم، فقد فاز بنسبة ساحقة تجاوزت 70٪، مدفوعا بأصوات الشباب والنساء والطبقة الوسطى، رفع خاتمي شعارات سيادة القانون والمجتمع المدني والحوار بين الحضارات، وبدأ عهده بجرأة في فتح النوافذ المغلقة، صحف جديدة، نقاشات فكرية، وجامعات أكثر حيوية، وقد كان ذلك أشبه بانبعاث، مؤقت، لروح الثورة الدستورية القديمة، لكن هذه المرة من داخل النظام الإسلامي نفسه.

Image
Image

ومع هذا الانفتاح، عادت الحياة السياسية إلى الشارع بشكل لافت، وتشكلت أحزاب وتيارات إصلاحية أبرزها جبهة المشاركة الإسلامية ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، كما نشطت اتحادات الطلبة ومنظمات المجتمع المدني، وبدأ الإيرانيون يتحدثون مجدداً عن الانتخابات والبرلمان والدستور، في مشهد لم تعرفه البلاد منذ عقود.

Image

إلا أن هذا الربيع القصير سرعان ما واجه مقاومة عنيفة من التيار الأصولي الذي يهيمن على مفاصل الدولة غير المنتخبة، وعلى رأسها مجلس صيانة الدستور والسلطة القضائية والحرس الثوري، فقد رأى الأصوليون في الإصلاح تهديدا لبنية النظام العقائدية، واتهموا الإصلاحيين بالسعي إلى علمنة الدولة وإضعاف موقع ولاية الفقيه، ومع مرور الوقت، بدأوا في استخدام أدوات القانون والدين والإعلام لإضعاف خصومهم.

في عام 2000، وبعد فوز الإصلاحيين الساحق في انتخابات البرلمان، رد الأصوليون بحملة إغلاق واسعة شملت عشرات الصحف والمجلات المستقلة، كما جرى اعتقال صحفيين وناشطين بتهم الإساءة إلى الإسلام أو تهديد الأمن القومي، تكررت المواجهات بين التيارين داخل مؤسسات الحكم نفسها، ليكتشف الإيرانيون أن الإصلاح في ظل ولاية الفقيه له سقف لا يمكن تجاوزه.

Image

وبينما كان خاتمي يحاول الموازنة بين طموح الإصلاح ومحدودية صلاحياته، كان النظام المحافظ يعيد ترتيب صفوفه، ومع نهاية ولايته الثانية عام 2005، بدا المشروع الإصلاحي وقد وصل إلى طريق مسدود، فالحرية التي وعد بها الشباب عادت لتقيد، والصحف التي فتحت صفحاتها للنقاش أُغلقت، أما الأحزاب الإصلاحية فتم تجميدها أو تفكيكها تدريجيا.

رحل خاتمي من السلطة دون أن يحقق التغيير الذي حلم به أنصاره، لكنه ترك إرثا رمزيا مهما، فقد أثبت أن المجتمع الإيراني ما زال حيا، وأن فكرة التعددية لم تمت رغم القيود، ومع ذلك، ظل الأمل مؤجلا، وظلت الحياة الحزبية محصورة بين من يؤمنون بالإصلاح ضمن النظام، ومن يرون أن التغيير الحقيقي لا يأتي إلا من خارجه.

من احتجاجات 2009 إلى عهد خامنئي الراسخ… تراجع السياسة وبروز التيارات من 2009 وإلى الآن

شكلت انتخابات الرئاسة الإيرانية عام 2009 نقطة انعطاف كبرى في تاريخ الجمهورية بوصفها الإسلامي، إذ كشفت عن التصدعات العميقة داخل النظام نفسه، فبعد ثمانية أعوام من الركود السياسي عقب نهاية عهد خاتمي، جاء فوز الرئيس الأصولي محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية ليشعل واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في تاريخ إيران الحديث، فيما عرف لاحقا باسم الحركة الخضراء.

خرج مئات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع متهمين السلطات بتزوير نتائج الانتخابات التي كان المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي أحد أبرز منافسي نجاد فيها، تحولت المظاهرات من مطالب انتخابية محدودة إلى حركة سياسية واسعة تطالب بالإصلاح ورفض الاستبداد، ومع ذلك، واجه النظام الاحتجاجات بعنف شديد، إذ تدخل الحرس الثوري والباسيج، أحد أفرع الحرس المدنية، لقمع المتظاهرين، وأسفرت المواجهات عن سقوط قتلى واعتقال آلاف النشطاء والسياسيين.

Image

كانت الحركة الخضراء لحظة فارقة، لأنها كشفت حدود النظام من الداخل، فقد تبين أن كل مؤسسات الدولة، من القضاء إلى البرلمان، تدور في فلك ولاية الفقيه، وأن المجال السياسي، مهما بدا تعدديا، يبقى مرهونا بموافقة المرشد الأعلى، ومنذ قمع تلك الاحتجاجات، دخلت الحياة الحزبية الإيرانية مرحلة جديدة من الانكماش والتفكك.

نتيجة للحركة الخضراء، فرضت الإقامة الجبرية على قادة الإصلاح، مثل موسوي ومهدي كروبي، الذي خرج من الإقامة الجبرية مؤخرا، فيما حلت معظم الأحزاب المرتبطة بهم أو جمدت أنشطتها، وبذلك، انتقلت السياسة من التنافس بين تيارات واضحة المعالم إلى صراع داخلي بين أجنحة النظام نفسه، وأصبح المشهد السياسي الإيراني أقرب إلى توازنات داخلية بين مراكز نفوذ متشابكة بين التيار الأصولي، الحرس الثوري، رجال الدين المحافظون، والتيار الحكومي التكنوقراطي.

Image
Image

في ظل هذه البنية، لم تعد الأحزاب تلعب دورا حقيقيا، فكل تشكيل سياسي بات يدور حول شخصيات أو مؤسسات لا حول برامج أو رؤى فكرية، ظهرت كتل مثل جبهة الصمود “بايداري” والائتلاف المحافظ والإصلاحيون الجدد، لكنها كلها تعمل داخل الحدود التي يرسمها النظام، حتى الانتخابات، التي ظلت تنظم بانتظام، تحولت إلى ساحة لتنافس محدود بين وجوه مقبولة من مجلس صيانة الدستور، الذي يملك سلطة استبعاد المرشحين بحجة عدم الكفاءة الدينية أو السياسية.

برزت خلال هذه المرحلة ظاهرة تغوّل الحرس الثوري، الذي لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل لاعبا سياسيا واقتصاديا رئيسي يملك نفوذا في الإعلام والبرلمان والحكومة، وبالتوازي، ازدادت سلطة مكتب المرشد باعتباره المرجعية العليا التي تحسم الخلافات بين الأجنحة المتنافسة. هكذا، تراجعت السياسة بمعناها المدني لتتحول إلى إدارة للنظام من الداخل، يتقاسمها فاعلون يدينون جميعًا بالولاء للقيادة العليا.

Image

ومع موجات الاحتجاج اللاحقة، مثل مظاهرات عامي 2017 و2019، و2022 تكرر المشهد ذاته، مطالب اقتصادية واجتماعية تتحول إلى صدام سياسي، ثم قمع أمني واسع يعيد الأمور إلى نصابها، وبالرغم من انتخاب رؤساء مثل حسن روحاني الذين وصفوا بالبراغماتيين، ومسعود بزشكيان الذي أتى بشعار الوفاق الوطني، فإن سلطاتهم بقيت محدودة أمام هيمنة المؤسسات غير المنتخبة.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على الثورة، تبدو السياسة في إيران قد فقدت معناها الحزبي بالكامل، فالاختلاف لم يعد بين إصلاحيين وأصوليين بقدر ما هو تنافس بين تيارات متداخلة داخل النظام ذاته، ومع رسوخ سلطة المرشد علي خامنئي، تحولت الدولة إلى منظومة مغلقة تدار بالتوازن بين الأجهزة، فيما بقي الشارع في انتظار صوت مستقل يعبر عن الناس لا عن السلطة.

قراءة تحليلية… من الأحزاب إلى التيارات، ومن الشعب إلى الحوزة

عند تأمل المسار الطويل للحياة الحزبية في إيران على مدى أكثر من قرن، تتضح صورة معقدة ومتشابكة، تتجاوز فكرة الصراع السياسي التقليدي بين يمين ويسار، أو بين حكومة ومعارضة، فالقضية الأعمق هي علاقة الدولة بالمجتمع، والدين بالسياسة، والشرعية بالعقيدة. لقد مرت إيران منذ ثورتها الدستورية عام 1906 بدورات متكررة من الانفتاح والإغلاق، من الأمل في التعددية إلى العودة للحكم المركزي، حتى أصبح السؤال الأساسي اليوم هل يمكن أن توجد سياسة مستقلة عن العقيدة في دولة يحكمها الفقيه؟

منذ بدايات القرن العشرين، لم تنجح أي تجربة حزبية في إيران في التحول إلى مؤسسة دائمة ومستقرة، كانت الأحزاب تظهر في لحظات الانفراج القصيرة ثم تقمع أو تحل حين تتغير موازين القوى، والسبب في ذلك أن الدولة، بمختلف أشكالها، الملكية أو الجمهورية، لم تتقبل يوما فكرة المنافسة المستقلة على السلطة، ففي عهد القاجار، حوربت الأحزاب بوصفها تهديدا للعرش، وفي عهد رضا شاه، اعتبرت خطرا على وحدة الدولة، أما بعد الثورة الإسلامية فاعتبرت خطرا على العقيدة ذاتها.

Image

تكمن المعضلة البنيوية في أن النظام السياسي الإيراني بني على مبدأ الشرعية الدينية لا الشعبية، فبعد ثورة 1979، أصبحت ولاية الفقيه المرجعية العليا التي تتجاوز المؤسسات المدنية، ما جعل أي حزب يعمل في الظل الديني للنظام لا في مواجهته، وهذا ما أدى إلى ما يمكن تسميته بالتعددية المنضبطة، أي وجود تيارات عدة تتنافس في الشكل، لكنها تتفق في الجوهر على الولاء للقيادة العليا، فالحزب في إيران لا يستطيع أن يكون معارضا حقا، بل فقط مختلفا في الدرجة لا في الاتجاه.

Image

نتيجة لذلك، تحولت الأحزاب إلى كيانات ظرفية، تتشكل وتذوب تبعا للمواسم الانتخابية، ففي كل دورة سياسية، يظهر تحالف جديد يحمل اسما مختلفا، مثل جبهة الأمل أو الائتلاف المحافظ، لكنه في الحقيقة إعادة ترتيب للعناصر نفسها، هذه البنية السائلة ألغت مفهوم الحزب بالمعنى المؤسسي، لتستبدله بتيارات تدور حول أشخاص أو مؤسسات نافذة، فالحرس الثوري، مثلا، ليس حزبا بالمعنى التنظيمي، لكنه أصبح فاعلا سياسيا مركزيا يملك موارد مالية وإعلامية وعسكرية تتيح له التأثير في القرار العام أكثر من أي حزب رسمي.

كما أن وجود مؤسسات غير منتخبة، مثل مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء ومكتب المرشد الأعلى، جعل من المستحيل عمليًا أن تلعب الأحزاب دور الوسيط بين الشعب والسلطة، إذ إن هذه الهيئات تمتلك صلاحيات تفوق سلطات الحكومة والبرلمان، بما في ذلك حق استبعاد المرشحين أو تعطيل القوانين المنتخبة. وبهذا، أصبحت السياسة عملية تصفية داخلية قبل أن تصل إلى صناديق الاقتراع. حتى البرلمان نفسه، الذي يفترض أن يكون صوت الشعب، لم يعد سوى ساحة لتوازنات القوى بين التيارات المقرّبة من النظام.

ترافق هذا الانكماش السياسي مع تحول اجتماعي واضح، فالأجيال الجديدة التي لم تعش الثورة الإسلامية بدأت تنظر إلى الأحزاب بوصفها كيانات قديمة لا تعبّر عن طموحاتها، وبفضل انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت أنماط جديدة من التعبير السياسي لا تعتمد على الهياكل التنظيمية الكلاسيكية، فقد صار إكس وإنستغرام وتليغرام فضاء عاما موازيا للبرلمان المغلق، حيث يناقش الإيرانيون قضاياهم بحرية نسبية رغم الرقابة، ومع ذلك، يظل هذا الفضاء هشا، لأنه يفتقر إلى البنية التي يمكن أن تحول الغضب الشعبي إلى فعل سياسي منظم.

إن الفراغ الذي تركه ضعف الأحزاب ملأته مؤسسات الدولة الدينية والعسكرية، فقد تمدد الحرس الثوري من دوره العسكري إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة، وأصبح بمثابة دولة داخل الدولة، كما ازدادت سلطة رجال الدين الذين يحتلون مواقع حساسة في مؤسسات الدولة، ما جعل مفهوم السياسة يتماهى مع الدعوة الدينية وحماية الثورة، وبمرور الوقت، فقدت المشاركة السياسية معناها المدني، لأن كل قرار أساسي، من السياسة الخارجية إلى الاقتصاد، يمر عبر شبكة الولاءات الدينية والعسكرية التي تحيط بالمرشد الأعلى.

Image

تظهر التجربة الإيرانية كذلك تحولا من الأيديولوجيا إلى البراغماتية المقيدة، فبعد عقود من الخطاب الثوري، أصبح كثير من الفاعلين السياسيين يركزون على إدارة الأزمات الاقتصادية والعقوبات الدولية أكثر من طرح مشاريع فكرية، فلم تعد هناك مناقشات جادة حول هوية الدولة أو طبيعة النظام، لأن سقف النقاش تحدده الحوزة، ومع ذلك، فإن هذه البراغماتية، النفعية، لم تترجم إلى انفتاح سياسي، بل إلى إدارة محسوبة للولاءات داخل المنظومة نفسها، مما جعل الحياة السياسية أقرب إلى لعبة توازن بين الأجهزة لا إلى منافسة انتخابية حقيقية.

لكن رغم هذا الانغلاق، لا يمكن القول إن المجتمع الإيراني خالٍ من السياسة، فالمزاج الشعبي المتغير، والاحتجاجات المتكررة، والنقاشات الدائرة في الجامعات والفضاء الإلكتروني، كلها تشير إلى ديناميكية كامنة تنتظر فرصة التعبير، ربما لم تعد الأحزاب التقليدية قادرة على تمثيل الناس، لكن الوعي السياسي لم يمت، إنه ينتقل إلى أشكال جديدة من التنظيم غير المرئي، تنتظر لحظة التحول القادمة.

من التعدد إلى الولاء… الدائرة التي لم تكسر

على امتداد قرن من الزمن، ظلت الحياة الحزبية في إيران تدور في دائرة مغلقة، تبدأ بالولادة في لحظة أمل، ثم تنتهي بالإقصاء تحت ذريعة الأمن أو العقيدة، من الثورة الدستورية إلى الثورة الإسلامية، ومن رضا شاه إلى ولاية الفقيه، تغيرت الشعارات لكن جوهر السلطة بقي واحدا، احتكار السياسة ومنع التعدد الحقيقي.

تجارب الأحزاب الإيرانية كشفت أن الدولة، مهما تغير شكلها، لم تسمح يوما بمنافسة مستقلة، بل أعادت صياغة السياسة داخل حدود الولاء للنظام القائم، فالحزب الذي كان يفترض أن يكون صوت المجتمع، أصبح أداة للضبط لا للمساءلة، وتحولت التعددية إلى طيف من الانضباط العقائدي أكثر منها تنوعا سياسيا.

واليوم، تقف إيران أمام مفارقة واضحة، مجتمع شاب نابض بالحيوية يواجه نظاما مغلقا يحتكر الفضاء العام، وبينما تتبدل الأجيال وتتراجع الأيديولوجيا، يبقى السؤال مفتوحا، هل يمكن أن تولد في إيران يوما سياسة تعبر عن الناس لا عن الفقهاء؟
أم أن الدائرة القديمة، من التعدد إلى الولاء، ستظل تدور بلا كسر حقيقي؟