من بنك المستقبل إلى مصنع الخسائر.. المركزي الإيراني يحل بنك آينده

في السنوات الأخيرة، واجه النظام المصرفي الإيراني ضغوطا متزايدة ناجمة عن اختلالات مالية متراكمة وتحديات إدارية وتنظيمية هزت ثقة المواطنين بالمؤسسات المالية الخاصة، تزايدت المخاوف من تصاعد حالات العجز المصرفي والفساد الإداري، وسط بيئة اقتصادية تعاني أصلًا من التضخم وتراجع العملة المحلية وتنامي الدين العام، وفي ظل هذه الظروف الدقيقة، باتت الحاجة إلى تدخل حاسم من الجهات التنظيمية أمرا لا مفر منه لإعادة الانضباط إلى القطاع المالي.

لقد أصبح المشهد المصرفي في إيران في السنوات الأخيرة مرآة لعمق الأزمات البنيوية التي تعانيها الدولة، إذ تكشفت فجوات ضخمة بين رأس المال الفعلي والأصول المعلنة في بعض البنوك الخاصة، وظهرت مؤشرات مقلقة على انتشار القروض المتعثرة، والمضاربات المالية، وتمويل المشروعات غير المنتجة التي استنزفت موارد البنوك والمودعين على حد سواء.

هذا الوضع المأزوم فرض على البنك المركزي والسلطات الاقتصادية مواجهة صريحة مع مؤسسات مالية تعثرت إداريا وماليا، في محاولة لوقف نزيف الثقة والاستقرار المالي. ومن بين هذه المؤسسات، برز اسم أحد أكبر البنوك الخاصة في البلاد، الذي تحول من نموذج لطموح مصرفي حديث إلى عبء ثقيل على النظام المالي الوطني، ومن هنا بدأ فصل جديد في قصة الإصلاح المصرفي في إيران، عنوانه الحسم والمساءلة وإعادة بناء الثقة من جديد.

ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن محمد رضا فرزين، محافظ البنك المركزي الإيراني، قرارا بحل بنك آينده، وترجمته الحرفية بنك المستقبل، وبدء إجراءات تسوية البنوك المتعثرة بإدارة بنك ملي إيران، البنك القومي الإيراني، أضخم البنوك الحكومية في البلاد.

A group of people standing outside of a bank

AI-generated content may be incorrect.
هذا وقد أضاف فرزين في تصريحاته: “اعتبار من 23 أكتوبر/تشرين الأول، يدخل بنك آينده مرحلة التسوية بإدارة بنك ملي إيران، وابتداء من يوم السبت 25 أكتوبر/تشرين الأول، يعتبر جميع المودعين في بنك آينده مودعين لدى بنك ملي، وسيواصلون استخدام بطاقاتهم وحساباتهم دون أي مشكلة، هذا وستعمل فروع بنك آينده اعتبارا من التاريخ نفسه تحت اسم فروع بنك ملي إيران، وستقدم جميع الخدمات المصرفية المعتادة”.

Image

كما أوضح فرزين أن هذه الخطوة تأتي بعد سنوات من محاولات الإصلاح غير المجدية، قائلا: “لقد بذلنا جهودا مكثفة لإصلاح أوضاع بنك آينده، لكنه لم ينجح في تحقيق المتطلبات التنظيمية للبنك المركزي، وبناء على الصلاحيات المخولة قانونا، قررنا إدخاله في عملية التسوية القانونية، وستنقل جميع أصول البنك إلى صندوق ضمان الودائع، وجميع التزاماته تجاه المودعين ستكفلها الدولة من خلال بنك ملي، أما المساهمون الصغار فسيسمح لهم ببيع أسهمهم بأعلى سعر في العام الماضي إلى صندوق ضمان الودائع، بينما سيتحمل المساهمون الرئيسيون كامل مسؤولياتهم حتى نهاية التسوية”.

وختم محافظ البنك المركزي بتأكيد رسالة واضحة مفادها: “لن يسمح بعد الآن لأي مؤسسة مالية بأن تعمل خارج الأطر القانونية وتحمل المجتمع كلفة سوء إدارتها، لقد حان وقت الانضباط الكامل في النظام المصرفي الإيراني”.

جدير بالذكر أنه وبموجب المادة 33 من قانون البنك المركزي الجديد، فإن محافظ البنك المركزي ملزم باقتراح تسوية عندما يتأكد أن مؤشرات رأس المال والسيولة في أي مؤسسة مالية غير قابلة للإصلاح، وتتضمن هذه العملية سلسلة من الخطوات، أولاها نقل الودائع والالتزامات إلى بنك مستقر، وفي هذه الحالة هو بنك ملي، كذلك تحويل الأصول المجمدة أو عالية المخاطر إلى صندوق ضمان الودائع، وتحميل المساهمين الرئيسيين مسؤولية التعويض الكامل للخسائر مع إمكانية مصادرة أصولهم الخاصة، حتى غير المسجلة باسم البنك، في حال ثبوت تقصيرهم، بموافقة المدعي العام.

Image

كارثة بالأرقام.. بنك آينده في مرآة التقارير الرسمية

تكشف البيانات المالية التي أعلنها البنك المركزي ومركز أبحاث البرلمان الإيراني مشهدا أقرب إلى الإفلاس الكامل للبنك، الصرح الذي تأسس في العام 2011 برأسمال أولي بلغ 8000  مليار ريال، ما يعادل 7.35 مليون دولار، وذلك من خلال دمج ثلاثة كيانات مالية هي بنك تات ومؤسستا صالحين وآتي الائتمانيتان، وكان الهدف من تأسيسه آنذاك تقديم نموذج حديث للمصارف الخاصة في إيران، عبر توجيه التمويل نحو الاستثمار والإنتاج وتعزيز الابتكار في الخدمات المصرفية، غير أن التجربة تحولت تدريجيا إلى قصة فشل مالي وتنظيمي، إذ ابتعد البنك عن أهدافه الأساسية وانخرط في تمويلات عالية المخاطر ومشروعات ضخمة غير منتجة.

Image

 تفيد التقارير بأنه حتى مارس/آذار 2025 بلغت نسبة كفاية رأس المال في بنك آينده سالب 503%، في حين أن الحد الأدنى المطلوب دوليا وفق معايير بازل للاعتمادات البنكية هو +8%، وهذا يعني أن البنك لم يكن يملك أي رأس مال حقيقي يقيه من الخسائر، بل كان يعيش على الديون.

أما الخسائر المتراكمة فقد وصلت إلى  503 آلاف مليار تومان، ما يعادل 4.62 مليار دولار، بعد أن كانت 2000 ألف مليار ريال فقط قبل ثلاث سنوات، ما يعادل 1.84 مليار دولار، وخلال الأعوام الأخيرة، بلغ متوسط الخسارة الصافية السنوية ما بين 1080 و1390 ألف مليار ريال، نحو 993 مليونا إلى 1.28 مليار دولار، ما جعل البنك بمثابة مصنع خسائر مفتوح.

Image

وتشير البيانات أيضا إلى أن البنك دفع في العام الماضي 695 ألف مليار ريال، نحو 639 مليون دولار، كفوائد للمودعين، بينما لم يحقق سوى 51 ألف مليار ريال من دخل التسهيلات، 47 مليون دولار، أي أنه دفع فوائد تعادل 13.5 ضعف أرباحه التشغيلية، كذلك، فإن 94% من التسهيلات الممنوحة مصنفة مشكوك تحصيلها، أي أن البنك كان عاجزًا فعليًا عن استرداد أمواله.

كيف وصل البنك إلى هذا الحد؟

يرجع الخبراء أسباب الانهيار إلى ثلاثة عوامل متداخلة، أولها سوء إدارة السيولة، فالبنك لم يلتزم بمعايير كفاية رأس المال، واستمر في منح قروض طويلة الأجل مقابل ودائع قصيرة الأجل، ما خلق فجوة تمويلية هائلة.

Image

كذلك، التمويل العقاري المفرط، مثل ما حدث في مشروع إيران ‌مال، أحد أكبر المراكز التجارية في الشرق الأوسط، فقد منح البنك 57.855 مليار تومان كقروض لشركة التطوير الدولي لمجمع إيران ‌مال التجاري، وهو مجمع تجاري وترفيهي في إيران وأحد أكبر المراكز التجارية في الشرق الأوسط إلا أنه يعادل ضعف في التشغيل والإيرادات، أي ما يعادل نصف محفظته تقريبًا، لكن المشروع، الذي كان يفترض أن يكون واجهة للاستثمار الحديث، تحول إلى ثقب أسود مالي.

فحسب التقارير الرسمية، فإن 99.5% من تلك التسهيلات أصبحت متعثرة، فيما بلغت خسائر الشركة المالكة للمجمع 74.12 مليار ريال، نحو 68,100 دولار، في عام 2024، مع عجز تشغيلي قدره 4,950 مليار ريال، حوالي 4.55 مليون دولار، وبينما لم تتجاوز إيرادات الشركة 6,480 مليار ريال، نحو 5.96 مليون دولار، في السنة المالية الأخيرة، كانت ديونها لبنك آينده تفوق دخلها بـ 89 ضعفًا.فيما يصف الخبراء هذا الوضع بـمخاطر التركز، أي أن البنك وضع نسبة كبيرة من أصوله في مشروع واحد، بحيث أصبح مصيره المالي مرهونا بنجاح أو فشل ذلك المشروع.

Image

وأخيرا حرب الودائع، حيث دخل البنك في سباق غير منضبط لاستقطاب ودائع عالية الفائدة، ما جعل تكلفة أمواله أعلى من أي بنك آخر.

من الانهيار المالي إلى القرار السياسي

على مدار عامين كاملين، تصاعد الجدل في طهران حول مصير بنك آينده، فمن جهة، ضغط الخبراء والبرلمان على الحكومة لإنهاء الأزمة، ومن جهة أخرى حاول المساهمون الكبار تأجيل القرار عبر طرح وعود بإعادة هيكلة رأس المال أو إعادة تقييم الأصول.

لكن تقرير مركز أبحاث البرلمان الإيراني في أكتوبر/تشرين الأول 2023 كان حاسما، فالتقرير الذي حمل عنوان مراقبة الاستقرار والسلامة المصرفية، تناول بنك آينده تحديدا وخلص إلى أن البنك غير قابل للإصلاح، وأن مشكلاته هيكلية وليست محاسبية، كما أشار التقرير إلى أن مرور الوقت يزيد من عمق النقص المالي ويضاعف كلفة التسوية، داعيا إلى تدخل قضائي وتنظيمي فوري.

تلك التوصيات تحولت إلى فعل سياسي عندما أعلن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي أن البنك المركزي مفوض بالكامل للتعامل مع بنك آينده، مؤكدا دعم القضاء لأي إجراء قانوني لوقف التجاوزات المالية وحماية أموال المودعين.

المكاسب الاقتصادية والسياسية للقرار

ينظر إلى قرار حل بنك آينده على أنه أول عملية جراحية جادة في جسد النظام المصرفي الإيراني منذ عقود، فمن الناحية الاقتصادية، أدى القرار إلى وقف تراكم الخسائر التي تجاوزت 2100 آلاف مليار ريال، ومنع انتقال الاختلال المالي إلى بنك ملي عبر فصل الأصول الخطرة، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الرقابية بعد سنوات من الشكوك العامة حول قدرتها على مواجهة الفساد المالي.

Image

أما من الناحية السياسية، فقد بعث القرار برسالة قوية مفادها أن الحكومة مستعدة لتحمل كلفة الإصلاح، حتى لو كانت مؤلمة، وأن زمن التساهل مع البنوك المتعثرة قد انتهى.

ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن عملية الدمج والتصفية ليست نهاية المطاف، بل بداية تحد جديد، فبنك ملي نفسه يواجه مشكلات في السيولة والاستثمار، وإضافة شبكة ضخمة من فروع وآلاف الموظفين الجدد قد يضغط على موارده التشغيلية، كما أن تحميل الدولة عبء ديون بنك خاص قد يثير نقاشا حول الخطر الأخلاقي، إذ قد تتشجع مؤسسات أخرى على المخاطرة ظنا بأنها ستحظى بالإنقاذ ذاته، لذلك، يؤكد المحللون أن النجاح الحقيقي لا يكمن في حل بنك آينده فقط، بل في منع ظهور آينده جديد مستقبلا.

جراحة مؤلمة.. لكنها ضرورية

لقد أنهى القرار الحكومي قصة بنك آينده الذي ولد باسم المستقبل، لكنه انتهى كرمز للماضي الفاسد، فلم يكن مجرد بنك متعثر، بل، وعلى حسب تعبير اقتصاديين إيرانيين، غدة سرطانية في جسد الاقتصاد الوطني الإيراني الذي يعاني بما فيه الكفاية، تتغذى على المال العام وتنتج تضخما ومعاناة للمواطنين.

إن تجربة بنك آينده تقدم درسا حادا للنظام المصرفي الإيراني، فهي تظهر أن غياب الشفافية والمساءلة في البنوك الخاصة يمكن أن يتحول إلى تهديد وطني، وأن الرقابة الوقائية أهم بكثير من التدخل بعد الانهيار، كما أعادت الأزمة طرح أسئلة حول العلاقة بين رأس المال الخاص والتنظيم الحكومي، وحول مدى قدرة الدولة على تحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار وحماية النظام المالي.

ويرى الخبراء أن الحل يكمن في إصلاح شامل للقطاع المصرفي، يشمل تحديث أنظمة الرقابة، وضبط سياسات الفائدة، وتطبيق صارم لمعايير كفاية رأس المال ومكافحة تضارب المصالح.

واليوم، مع بدء عملية التسوية البنكية، يبدو أن إيران دخلت مرحلة جديدة من الانضباط المالي والمسؤولية المؤسسية، فيرجح الخبراء أنه إذا ما استكملت العملية بشفافية وعدالة، فإنها لن تكون نهاية بنك واحد فحسب، بل بداية لإصلاح نظام مصرفي كامل كان بحاجة إلى جراحة كبرى منذ زمن بعيد.