- زاد إيران - المحرر
- 462 Views
المشهد السياسي في طهران لا يهدأ، فالتصريحات تطلق كشرارات، والتغريدات تتحول إلى رسائل مشفرة تتجاوز حدود الكلمات، وفي لحظة حساسة، حيث تتقاطع التوترات الإقليمية مع تناقضات الداخل، يجد الرأي العام نفسه أمام أسئلة أكبر من مجرد خلافات كلامية، هل نحن أمام إعادة رسم لخريطة التحالفات الإيرانية؟ أم أن ما يجري مجرد جولة جديدة من صراع التيارات حول معنى الأمن القومي وحدوده؟
فقد قال محمد صدر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، خلال برنامج مع محمد حسين رنجبران، المذيع السابق في التلفزيون الرسمي والمستشار الحالي لوزير الخارجية، الأحد 25 أغسطس/آب 2025، إن روسيا قد سلمت إسرائيل، خلال حرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، معلومات عن مراكز الدفاع الجوي الإيرانية، مؤكدا أن ما يسمى بالتحالف الاستراتيجي مع روسيا لا أساس له، ولا ينبغي لإيران أن تثق بموسكو، ومضيفا: “في الحرب الأخيرة والحرب التي سبقتها، عندما استهدفت إسرائيل عمليا جميع مراكز الدفاع الجوي لدينا، ظهرت شكوك حول كيفية اطلاعها الدقيق على هذه المواقع، تحليلي هو أن الروس هم من قدموا المعلومات للإسرائيليين، هذه هي روسيا، وهذا لا يعني أن الغرب أفضل، بل إنهم يتصرفون على هذا النحو”.

وخلال حديثه أشار صدر إلى أن روسيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل وأقامت علاقات معها منذ تأسيسها، معتبرا أن “الميول الروسية تجاه إسرائيل واضحة، والتبرير بوجود ملايين اليهود الروس في إسرائيل لا يغير من الحقيقة شيئا، إنهم يقولون إنهم غير مسرورين من هجوم إسرائيل على إيران، لكن حين يتعلق الأمر بتقديم المساعدة، فهم لا يفعلون شيئا”.
وتابع: “الأمر الأهم أن روسيا سلمت منظومة S-400 لتركيا، رغم كونها عضوا في الناتو وعدوا لروسيا، لكنها لم تسلمها لنا، نحن الذين يقال إننا نملك معها معاهدة استراتيجية، منذ سنوات نطرح موضوع شراء مقاتلات سوخوي-35، ولم يعطونا شيئا، بينما هم الآن صنعوا سوخوي-50 وما فوقها”.
ورغم حدّة انتقاداته، شدد صدر على أن “ما تقوم به روسيا الآن لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع روسيا، فهي جارة لنا ويجب أن تكون هناك علاقات قوية معها، لكن دون ثقة عمياء”، وأردف ” لكن علينا أن نعلم التفكير بأن روسيا ستأتي يوما ما لمساعدتنا وتدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة لأجلنا مجرد وهم، وروسيا لا تمزح في هذه الأمور”.
هذا ولم يكن ذلك هو التصريح الوحيد المثير للجدل الذي أطلقه صدر خلال لقاءه، ففي ادعاء مثير آخر، وصف صدر سقوط مروحية الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في مايو/أيار 2024 بأنه اغتيال من قبل إسرائيل، قائلا: “بهذا الاغتيال وجهت إسرائيل رسالة عملية، إذا واصلت إيران، فنحن أيضا سنواصل”، هذا الادعاء، والذي طرح دون أي دليل، يتناقض بشكل مباشر مع الرواية الرسمية التي عزت الحادث إلى أسباب فنية ومناخية.

جدير بالذكر أن علي أكبر ولایتي، مستشار قائد الثورة الإيرانية في الشؤون الدولية، كان قد نشر تغريدة على حسابه عبر منصة إكس استخدم فيها وسم ألاسكا، أوكرانيا، القوقاز، والرجل ذو الألف وجه، وذلك على خلفية لقاء بوتين وترامب الذي جرى في 17 أغسطس/آب 2025 وكتب فيها: “إن التاريخ المشرّف للأمة الإيرانية العريقة والقوية يثبت أن هذا الشعب لن يسمح أبدا بالمساومة على أمنه القومي”.

يعطي الفضل لإسرائيل.. والإصلاحيون هم من سربوا المعلومات
في أعقاب هذه التصريحات شُن هجوم واسع على صدر، كان أوله من إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، الذي قال: “إن السيد صدر من الدبلوماسيين المخضرمين وزملائنا المتقاعدين، ورؤيته وتحليلاته، كما أشار بنفسه، هي آراء شخصية، ومن الطبيعي أنها لا تعكس بالضرورة المواقف الرسمية للدولة”.

كما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، في رده على سؤال بخصوص الادعاء المتعلق بنقل روسيا معلومات دفاعية إيرانية إلى الكيان الصهيوني، أن هذا الادعاء غير صحيح.
كما أجاب بقائي عن سؤال آخر بشأن حادثة سقوط المروحية التي كانت تقل الرئيس الإيراني السابق ومرافقيه، مشيرا إلى أن الخلاصة التي أعلنتها الجهات الرسمية في البلاد جاءت بعد تحقيقات فنية واسعة، وقال: “اعتمادنا فيما يخص أسباب وعوامل حادث سقوط المروحية هو التقرير الرسمي للجهات المختصة، أما الادعاءات والتكهنات الأخرى فهي غير قابلة للتأكيد”.
وفي رده على سؤال آخر حول صلة المقابلة المذكورة بوزارة الخارجية، أوضح بقائي أن البرنامج والمقابلة ليس لهما أي ارتباط بالوزارة، وأن المذيع قام بالمقابلة بصفته الشخصية.
كذلك، فقد كتبت صحيفة فرهيختجان الأصولية في عددها للثلاثاء 26 أغسطس/آب 2025، تقول: “انتشر مؤخرا فيديو لمقابلة مع محمد صدر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، والذي، وبدون أي دليل، زعم أن إسرائيل استهدفت جميع مراكز الدفاع الجوي الإيرانية في الحرب الأخيرة والحرب التي تلت عملية الوعد الصادق 2، ثم اتهم روسيا، بناء على تحليل شخصي لا غير، بأنها هي من أعطت إسرائيل معلومات دقيقة عن هذه المواقع، إن تصريحاته، والتي وصفتها بإنه صادرة عن شخصية مسؤولة، جعلت من إسرائيل صاحبة إنجاز عسكري، وفي الوقت نفسه تضمنت مواقف معادية لروسيا، لكنه بنفسه أقر بأن ما يقوله مجرد تحليل شخصي بلا أدلة “.

وتضيف: “هذا النوع من التصريحات يخلق مشكلتين أساسيتين الأولى أنه يمنح إسرائيل إنجازا مجانيا من دون دليل، والثانية أنه يضعف ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية الرسمية عبر التشكيك في روايتها، والأخطر أن المقابلة أجريت من دون أي مساءلة جادة من رنجبران كمقدم للبرنامج، ما يعكس ضعفا في إدارة الحوار وترك المجال للتصريحات المثيرة للجدل من دون تدقيق”.
وتتابع: “مثل هذه التصريحات، حتى لو حملت نسبة من الصحة، وهو ما يناقضه نهج صدر غير المستند على أية أدلة، ليس لها أي فائدة سوى إثارة التوتر في العلاقات الدولية، فإذا كان بإمكان أي شخص عادي أن يطلق اتهامات من هذا النوع استنادا إلى آراء شخصية، فما الفرق إذا حين يفعلها مسؤول يشغل موقعا مؤثرا في مؤسسة اتخاذ القرار؟ كيف يمكن لمن يملك صلاحية سياسية أن يطلق كلاما يضرب أساس السياسة الخارجية من دون سند؟
صدر لم يكتف بهذا الاتهام، بل وصف الاتفاق الاستراتيجي مع روسيا بأنه لا قيمة له، في حين أن هذا الاتفاق بمعظمه اقتصادي، وحتى في شقه الأمني، لا بد أن يناقش في محافل متخصصة وبحضور مسؤولين رسميين، مع الاستناد إلى أدلة واضحة، وليس عبر تصريحات انفعالية في الإعلام”.
وحول البرنامج نفسه، ذكرت الصحيفة أن “مقابلة صدر ليست المثال الوحيد على إثارة الجدل في برنامج رنجبران، ففي لقاء مع علي أكبر صالحي، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية، سأله رنجبران: هل ستستمر الحرب أم لا؟ فرد صالحي بعد صمت مرتبك بقوله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهو ما أعطى انطباعا بأن الحرب وشيكة، قبل أن يستدرك لاحقا ويوضح أن على إيران أن تفترض دوما إمكانية اندلاع الحرب وتكون جاهزة، الرسالة في ذاتها موجهة للمديرين والأجهزة الأمنية، لكن طرحها بهذا الشكل للجمهور لا يفيد إلا في إثارة القلق الشعبي”.

وتردف: “وفي مقابلة أخرى مثيرة، استضاف البرنامج مدير مكتب الرئيس، محسن حاجي ميرزايي، الذي تحدث عن تفاصيل محاولة إسرائيلية فاشلة لاستهداف اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي، شارحا طريقة إجلاء المسؤولين وظروف الحادث، مثل اتساخ ملابس رئيس الأركان بالتراب، لكن هذه التفاصيل التي عادة ما يتجنب المسؤولون الآخرون الخوض فيها، لم تؤد إلا إلى تشويش الرأي العام وإثارة الشبهات حول استغلالها سياسيا”.
كذلك، فقد أبدت صحيفة كيهان الأصولية غضبها من تصريحات صدر، مدعية أن “مُعدي بيان جبهة الإصلاحات هم من سلّموا معلومات الدفاع الجوي الإيراني لإسرائيل ولدينا أسباب عديدة وراء هذا التحليل”.

وتابعت منتقدةً تصريحات صدر: “عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، قال إنه وفق تحليلي هو أن روسيا سلمت إسرائيل معلومات جميع منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وهذا يفسّر دقة هجماته”، كما وصف الاتفاق الاستراتيجي مع موسكو بأنه بلا قيمة، محذرا من الثقة بروسيا”.
وتابعت مستدركة: “ولكن في تحليل الصحيفة أن معدي بيان جبهة الإصلاحات هم الذين قدموا هذه المعلومات لإسرائيل، ولدينا لذلك أسباب عديدة، فأولا، بيان الإصلاحات هو الترجمة الفارسية لكلام نتنياهو، ثانيا، إنه يدعو إلى إسقاط النظام، وهو نفس مطلب أمريكا وإسرائيل، وثالثا، إن الإصلاحيون لم يتخذوا موقفا حازما ضد إسرائيل، ورابعا، في فتنة 2009 الأميركية ـ الإسرائيلية خدم الإصلاحيون تلك الأجندة علنا، وأخيرا فإن إسرائيل نفسها وصفتهم بأنهم رصيدها في إيران”.
وأضافت الصحيفة: “لو لم تعتبر روسيا آلية الزناد غير قانونية، ولو لم تكن في مواجهة أمريكا بأوكرانيا، ولو لم تدافع عن إيران في الأمم المتحدة، لما كان الإصلاحيون يرددون هذه الأباطيل، فكثير من الإصلاحيين يعادون أي طرف يقف ضد أمريكا”.

