- زاد إيران - المحرر
- 520 Views
في قلب الجغرافيا الإيرانية، تقف طهران كمدينة أنهكتها العقود، وتصارع اليوم تناقضات الحداثة والتكدس، بين صخبها المتواصل وضيق أنفاسها البيئية، العاصمة التي لطالما مثلت مركز القرار السياسي والاقتصادي، أصبحت اليوم رمزا للأزمات المتشابكة، حيث يتقاطع العمران بالازدحام، وتتحول التنمية إلى عبء على الإنسان والمكان، ومع تزايد الضغوط الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية، يتجدد الجدل حول مستقبل المدينة، وتبرز تساؤلات كبرى عن جدوى استمرارها كمركز للحكم، وعن قدرة البلاد على إعادة توزيع ثقلها الإداري والجغرافي، في مواجهة واقع يبدو فيه بقاء العاصمة في موقعها الحالي تحديا يتجاوز السياسة إلى حدود البقاء ذاته.
نقل العاصمة.. ليست خيارا بل ضرورة
خلال لقاء جمعه مع مستثمرين وناشطين اقتصاديين بمحافظة هرمزجان، الخميس 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025، صرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، طارحا مرة أخرى فكرة نقل العاصمة الإيرانية طهران نظرا للمشكلات التي تواجها، قائلا: “إن المشكلات التي تواجه البلاد اليوم تفرض علينا توجيه مسار التنمية نحو الخليج الفارسي، فطهران وكرج وقزوين تواجه أزمة مياه خطيرة لا يمكن حلها بسهولة، إذ بلغ معدل الأمطار العام الماضي 140 ملم فقط، بينما المعدل الطبيعي هو 260 ملم، أي بانخفاض بنسبة 50 إلى 60%، والوضع هذا العام لا يختلف كثيرا”.

وتابع: “إن انخفاض منسوب المياه خلف السدود وجفاف بعض الآبار وتكاليف نقل المياه من مناطق أخرى، كلها مؤشرات على ضرورة تغيير النهج، فتكلفة نقل كل متر مكعب من الماء إلى طهران تصل إلى نحو 4 يورو، فالتنمية دون توازن بين الموارد والاستهلاك مآلها الفشل”.
كما أشار بزشكيان إلى أنه كان قد اقترح في لقائه مع المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، العام الماضي، فكرة نقل العاصمة نحو الخليج الفارسي، مضيفا: “حين أُعلنت ذلك، انتقد البعض الفكرة، لكننا اليوم ندرك أنها ليست خيارا، بل ضرورة”.
كذلك، فقد حذر الرئيس الإيراني من استمرار الهبوط الأرضي في طهران قائلا: “في بعض المناطق تهبط الأرض بمقدار 30 سم سنويا، وهي كارثة تدل على أن المياه الجوفية تنفد، حتى لو نقلنا المياه من الجنوب، ستكون التكلفة باهظة والحياة في طهران شبه مستحيلة”.

وبهذا الشأن، فقد انتقد بزشكيان تقاعس المسؤولين بقوله بخصوص دراسة وتنفيذ تلك الفكرة: “منذ عام وهم يقولون إنهم يعملون على ذلك، ولم يحدث شيء فعلي”.
جدير بالذكر أنه ومنذ مجيء الرئيس بزشكيان إلى رأس السلطة التنفيذية في يونيو/حزيران 2024، وقد أصر على فكرة نقل العاصمة الإيرانية إلى إحدى المدن الساحلية، في خطوة لحل المشاكل المتراكمة التي تواجه العاصمة الجديدة، وكلف نائبه، محمد رضا عارف، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، في نوفمبر 2024، بشكل رسمي بمتابعة المشروع، إلا أن هذا الطرح قد ووجه بموجات من الانتقادات من قبل الخبراء والمسئولين.
طرح يعبر عن فشل الحكومة
مع تصدير بزشكيان فكرة نقل العاصمة كحل وحيد لأزماتها، خرج خبراء يؤكدون أن فكرة النقل لن تحل أي مشكلة، كان من بينهم داريوش مختاري، الباحث في شؤون الموارد المائية، الذي صرح خلال لقائه مع وكالة إيسنا الإيرانية، بقوله: “إن تأثير نقل العاصمة على تقليل المخاطر البيئية محدود جدا ولا يتجاوز 5%، والسبب في ذلك أن معظم مشكلات طهران ناتجة عن طبيعتها التجارية وتوسعها العمراني غير المنضبط، وليس لأنها العاصمة فحسب”.

وأوضح مختاري أن التنقلات الإدارية والسكان غير الدائمين لا يشكلون سوى جزء صغير من العبء الجغرافي الذي تتحمله المدينة، وتابع: “حتى لو تم نقل الوزارات والسفارات والمؤسسات الحكومية، فلن يكون لذلك تأثير يذكر على الأزمات الجيولوجية والبيئية الأساسية التي تعانيها طهران”.
كما أضاف أن نقل العاصمة لا يزيل الأزمات، بل ينقلها إلى موقع آخر، مستشهدا بتجارب مدن مثل شيراز ومشهد وأصفهان وتبريز، حيث أدى التوسع غير المخطط وبناء المدن الجديدة بشكل عشوائي إلى تفاقم الأزمات البيئية والاجتماعية هناك. وقال: “إذا أُنشئت عاصمة جديدة، فستتكرر نفس المشكلات المتعلقة بالضغط السكاني، وتغيير استخدام الأراضي، والمضاربات العقارية، ولكن على نطاق أوسع وأخطر”.
وضرب مثالا بمدينة شيراز، موضحا أن المساحة العمرانية فيها توسعت من 20 ألف هكتار إلى أكثر من 41 ألف هكتار، وأن وزارة الإسكان والتعمير تخطط حاليا لتوسيع نطاق المدينة إلى 100 ألف هكتار، على الرغم من عدم توافر موارد مائية كافية، وأكد أن الوضع ذاته قد يتكرر في العاصمة الجديدة، مما سيؤدي إلى أزمة جديدة بدلا من حلّ الأزمة القديمة.
وشدد مختاري على أن بقاء العاصمة في طهران قد يكون في حد ذاته ميزة، لأن المشكلات تكون أمام أعين صناع القرار، مما يفرض ضغطا أكبر لإصلاح السياسات، وأضاف: “الحل الحقيقي يكمن في تطوير الصناعات القائمة على المعرفة والتي تستهلك كميات قليلة من المياه، ومنع تغيير استخدام الأراضي، ووقف بيع تراخيص البناء الكثيفة، وإصلاح الإدارة الحضرية، وحدها هذه الإجراءات يمكن أن تخفف العبء عن طهران وتمنع انهيارها البيئي”.
وفي الشأن نفسه، كتب سيد نظام الدين موسوي، النائب السابق في البرلمان الإيراني، على حسابة عبر منصة إكس: “السيد بزشكيان المحترم، إن نقل العاصمة إلى سواحل الخليج الفارسي، سواء أكان جيدا أم سيئا، يتطلب عشرات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة من العمل، رجائي أن تحسموا أولا الخلاف القائم بين وزير الاقتصاد ومحافظ البنك المركزي بشأن سعر الدولار، ذلك الخلاف الذي يهز اقتصاد البلاد ومعيشة الناس كل لحظة، أصلحوا هذا الأمر أولا، وأما نقل العاصمة فليكن لاحقا”.

أيضا، فقد أثار عالم الاجتماع الإيراني سعيد معيد فر جدلا واسعا بتصريحاته التي وصف فيها مشروع نقل العاصمة من طهران إلى الجنوب الإيراني بأنه وهم كبير ومزحة سياسية، مشيرا إلى أنه لا يعالج المشكلات الحقيقية، بل يهدف إلى تشتيت الانتباه عن فشل إداري متراكم منذ عقود.

وخلال لقائه مع موقع فرارو قال معيد فر إن الحديث عن نقل العاصمة تصور غارق في الأوهام، موضحا أنه، حتى لو كانت بعض مناطق الجنوب تمتلك إمكانات، فإن نقل العاصمة إليها لن يحل أي مشكلة، بل سيؤدي إلى خلق أزمات جديدة في المناطق المستقبلة، وأضاف: “كل حكومة تأتي إلى السلطة تثير هذا الموضوع، كما حدث في عهد روحاني، لكن أيًّا منها لم يصل إلى نتيجة، لأن الفكرة غير واقعية”.
ويرى الباحث أنّ تكرار هذا الطرح يعكس عجزا عن مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمات، فيصرح: “كلما واجهنا مشكلة بنيوية، وبدلا من تحليلها علميا والبحث عن حلول عملية لها، نميل إلى الهروب نحو أفكار كبرى وغير قابلة للتطبيق، فالحكومة اليوم مثقلة بالأزمات الاقتصادية والإدارية، وهي نتيجة تراكم سنوات من سوء الإدارة، لذا تطرح فكرة نقل العاصمة كمهرب رمزي وليس كخطة تنموية حقيقية”، ويشبه معيد فر هذا الطرح بحجر كبير يرفع دون نية للرمي، أي أنه مجرد استعراض سياسي لتخفيف الضغط الشعبي والإعلامي عن الحكومة، دون قدرة حقيقية على التنفيذ.
كما أشار معيد فر إلى أن التجارب الدولية تثبت فشل هذا النهج، فقال: “تركيا، رغم نقلها العاصمة إلى أنقرة منذ قرن تقريبا، لا تزال إسطنبول هي المركز السياسي والاقتصادي والثقافي الحقيقي، وفي باكستان أيضا، لم تنجح عملية نقل العاصمة إلى إسلام آباد في تقليص مركزية كراتشي، إن الظن بأن نقل العاصمة يحل الأزمات هو جهل بالتاريخ وضعف في فهم الجغرافيا السياسية، فهذه الخطط تستخدم غالبا لتبرير الإخفاق في مجالات أخرى، بينما يدرك الناس أنها ليست سوى خطاب دعائي”.

ويربط معيد فر الأزمات الحالية في طهران بسياسات عمرها أكثر من سبعين عاما، إذ إن صناع القرار في إيران منذ ستينيات القرن الماضي ركزوا على التوسع الحضري وتشجيع التجمع السكاني في المدن الكبرى على حساب الأقاليم الريفية، ويقول: “الهجرة من القرى إلى المدن لم تكن عشوائية، بل كانت نتيجة لسياسات حكومية جعلت من المدن، خصوصا طهران، مركزا لكل شيء، لذلك فإن نقل العاصمة لا يصلح المشكلة، لأن جوهرها في التوزيع غير المتوازن للسكان والتنمية”.
ويؤكد عالم الاجتماع الإيراني أن مشكلات إيران لا تقتصر على العاصمة، فالكثير من المدن الكبرى مثل أصفهان تواجه أزمات بيئية واقتصادية أشد من طهران نفسها. ويرى أن فكرة إزالة التكدس لا تعني إعادة الناس إلى القرى، لأن الحياة الريفية التقليدية انتهت فعليا، فالقرى اليوم تفتقر إلى السكان رغم إيصال الماء والغاز والكهرباء إليها، بينما تتحول تدريجيا إلى منتجعات موسمية للأثرياء تُهدر فيها الطاقة والموارد.
طهران.. العاصمة المختنقة بين التلوث والازدحام وأحلام الانتقال
تعيش العاصمة الإيرانية طهران منذ سنوات طويلة أزمة حضرية خانقة جعلت مقترحات نقل العاصمة إلى منطقة أخرى تطفو مجددا على السطح، ليس بوصفها خيارا سياسيا أو تخطيطيا فحسب، بل كضرورة وجودية أمام مدينة تجاوزت طاقتها على الاحتمال، فكل المؤشرات البيئية والعمرانية والاقتصادية تشير إلى أن طهران، التي كانت يوما رمزا للتحديث والنمو، باتت اليوم عنوانا للاختناق والتدهور البيئي والازدحام السكاني.

المشكلة الأولى التي تهدد طهران هي أزمة التلوث البيئي، فتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن المدينة لا تشهد هواء نقيا إلا لعدة أسابيع كل عام، وباقي أيام السنة تكون بين هواء غير نقي أو قد يصل إلى المستوى الخطر، فيما ترجع أسباب التلوث إلى وقود منخفض الجودة، سيارات قديمة لا تتوافق مع معايير البيئة، ومصانع ومحطات توليد طاقة ما زالت تحرق زيت الوقود الثقيل.
أما المشكلة الثانية فهي أزمة المياه، فمستويات المياه الجوفية في هبوط مستمر، والسدود المحيطة بالمدينة تقترب من الجفاف، بينما ارتفع معدل الهبوط الأرضي في بعض المناطق إلى 30 سنتيمترا سنويا أو يزيد عن ذلك، في ظاهرة تهدد أساسات المباني وشبكات المواصلات وحتى مترو الأنفاق، ويؤكد خبراء الجيولوجيا أن استمرار هذا الوضع قد يجعل العيش في أجزاء من العاصمة أمرا شبه مستحيل خلال العقد المقبل.
ويضاف إلى ذلك الاكتظاظ السكاني المرعب، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 15 مليون شخص يعيشون في طهران، وهي مدينة لم تصمم في الأصل لاستيعاب أكثر من نصف هذا العدد، هذا الانفجار السكاني انعكس مباشرة على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات بشكل جنوني، حتى بات تأمين مسكن لائق حلما بعيد المنال لغالبية الطبقة المتوسطة.
وفي الوقت ذاته، تعاني طهران من شبكة نقل مترهلة لا تواكب حجم سكانها ولا وتيرة نموها، فالنقل العام غير كاف، والطرق مزدحمة على مدار اليوم، والسيارات ذات السائق الواحد تشكل أكثر من 30% من أسباب الازدحام، وفق استطلاعات مركز الأبحاث التابع لهيئة البورصة الإيرانية، هذا الاختناق المروري لا يلتهم وقت السكان فحسب، بل يزيد من معدلات التلوث ويستنزف الاقتصاد الوطني من خلال استهلاك الوقود وإنتاج الغازات السامة.
هذا فيما لا يمكن تجاهل الجانب الاجتماعي لهذه الأزمات، فارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد الفوارق الطبقية، وتنامي ظواهر مثل أطفال الشوارع والتشرد والإدمان، كلها جعلت من طهران مرآة تعكس تعقيدات المجتمع الإيراني بأكمله، المدينة التي كانت مركز القرار والثقافة باتت اليوم مركز الضغط النفسي والمعيشي.

