- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 639 Views
تشهد الساحة الدولية تحولات متسارعة تعكس تبدل أدوات القوة وحدود استخدامها، في وقت تتراجع فيه الخطوط الفاصلة بين القانون والسياسة، وبين الردع والتنفيذ. أحداث كبرى تقع فجأة، لا بوصفها وقائع معزولة، بل كمؤشرات على أنماط جديدة في إدارة الصراعات وفرض الإرادات، حيث تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع الرسائل الرمزية، ويصبح الغموض جزءا من الفعل نفسه لا مجرد نتيجته. في هذا السياق، تتباين القراءات الصحافية الإيرانية في تفكيك ما جرى، كلّ من زاويته الفكرية والسياسية، محاولة فهم دلالاته الأوسع وانعكاساته المحتملة على النظام الدولي، وعلى دول تراقب المشهد وهي تدرك أن ما يحدث بعيداً قد تكون له ارتدادات أقرب مما يبدو.
النهج الترامبي للولايات المتحدة
في قراءتها لما جرى في فنزويلا، تعاملت صحيفة هفت صبح، في عددها الصادر الأحد 4 يناير/ كانون الثاني 2025، مع الحدث بوصفه عملية تدخل أمريكي واسعة النطاق ذات طابع مركب، لا يمكن اختزالها في رواية أمنية أو قضائية محضة، فبحسب التقرير، فإن ما شهدته كاراكاس فجر السبت من انفجارات وتحليق مكثف للطائرات والمروحيات العسكرية شكل الإطار الميداني لإعلان واشنطن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد، وهو إعلان رأت أنه أحدث صدمة داخلية وإقليمية ودولية، وأعاد إلى الأذهان نماذج تاريخية للتدخل العسكري الأمريكي المباشر في أمريكا اللاتينية، وعلى رأسها غزو بنما عام 1989.

وتوضح الصحيفة أن السردية الأمريكية الرسمية، التي تركز على تنفيذ أمر قضائي ومحاكمة مادورو بتهم تتعلق بالمخدرات لا تنفصل عن سياق سياسي واستراتيجي أوسع، ففي نظرها، ما جرى يعكس توجها واضحا لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية في المنطقة، في إطار ما تصفه بإحياء مبدأ مونرو بصيغة ترامبية أكثر صدامية، فواشنطن لم تعد تخفي قلقها من تراجع نفوذها في فنزويلا مقابل توسع العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين كاراكاس وكل من الصين وروسيا وإيران، وهي قوى تُصنفها الولايات المتحدة كمنافسين استراتيجيين مباشرين.
وتشدد الصحيفة على أن النفط يشكل عنصرا محوريا في الأزمة، باعتبار أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وأن جزءا كبيرا من هذا النفط يصدر حاليا إلى الصين عبر قنوات خاضعة للعقوبات الأمريكية، ومع ذلك، تحرص الصحيفة على التأكيد أن المسألة لا تتعلق فقط بالسيطرة على الموارد، بل بإعادة رسم التوازنات الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية ومنع تشكل محور معاد لواشنطن في خاصرتها الجنوبية.
كما تولي الصحيفة أهمية خاصة لاستخدام قوات دلتا فورس في تنفيذ عملية الاعتقال، معتبرة ذلك دليلا على المستوى العالي من الحساسية والخطورة، ورسالة سياسية وأمنية في آن واحد، مفادها أن واشنطن تنظر إلى ملف مادورو كقضية أمن قومي وليست مجرد خلاف سياسي.
اختطاف مادورو
من جانبها، تقدم صحيفة سازندكی ما جرى في فنزويلا بوصفه عملية اختطاف سياسي عسكري مكتملة الأركان نفذتها الولايات المتحدة ضد رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة، وترى فيه سابقة خطيرة تعكس عودة واشنطن إلى منطق القوة العارية وفرض الإرادة خارج الأطر القانونية الدولية، فوفق رؤية الصحيفة، لم يكن ما حدث مجرد عملية أمنية لتنفيذ أمر قضائي، بل عدوانا عسكريا منظما استهدف البنية السيادية لفنزويلا، وشمل ضربات لمواقع عسكرية واتصالات وموانئ، وانتهى باعتقال الرئيس مادورو ونقله خارج البلاد.

هذا وتضع الصحيفة الحدث في سياق تصعيد طويل بدأ منذ سنوات، وتحديدا منذ تشديد العقوبات الأمريكية، ثم الحصار البحري والجوي، وصولا إلى توظيف ملف مكافحة المخدرات غطاء لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي في الكاريبي، وترى أن واشنطن استنفدت مسار الضغط السياسي والاقتصادي، ثم انتقلت إلى الخيار القسري عندما فشلت محاولات إجبار مادورو على التنحي عبر التهديد أو المساومة، وهو نموذج شبيه لما تفعله مع إيران خصوصا بتهديد ترامب الأخير، كما تلفت إلى أن الاتصالات المباشرة بين ترامب ومادورو، وما تضمنته من عروض خروج آمن مقابل التخلي عن السلطة، تكشف أن العملية العسكرية جاءت بعد انهيار المفاوضات، أو على الأقل بعد فشل التوصل إلى صفقة شاملة بشروط أمريكية.
ومن منظور الصحيفة، فإن ما جرى يعكس تزاوجا بين العمل العسكري والابتزاز السياسي، حيث تستخدم القوة لتكريس نتائج سياسية مسبقة، حتى لو جرى تغليفها بخطاب قانوني أو قضائي. وهي ترى أن هذا النموذج يعيد إلى الأذهان تدخلات أمريكية سابقة في أمريكا اللاتينية، لكنه يأتي اليوم في ظرف دولي أكثر هشاشة، ما يجعله أشد خطورة على النظام الدولي.
أما بالنسبة إلى إيران، فترى سازندكي أن الحدث يتجاوز الساحة الفنزويلية، ويحمل رسائل مباشرة وغير مباشرة لطهران، ففنزويلا تعد من أقرب حلفاء إيران في أمريكا اللاتينية، وأي إسقاط قسري لقيادتها يعني، في نظر الصحيفة، توسيع دائرة الضغط الأمريكي على محور الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية، كما تعتبر أن تجاهل السيادة الفنزويلية يكرس سابقة يمكن أن تستخدم ضد دول أخرى، ما يجعل إيران معنية سياسياً واستراتيجياً بمواجهة هذا النمط من السلوك الدولي.
وبناء على ذلك، ترى الصحيفة أن إدانة إيران الشديدة للعملية ليست موقفا تضامنيا فقط، بل دفاع عن مبدأ السيادة ورفض منطق الاختطاف السياسي، وتحذيرا من عالم تدار فيه الخلافات بالقوة لا بالقانون، بما يهدد استقرار دولي أوسع تتأثر به طهران بشكل مباشر.
البراجماتية المتجاوزة… علينا أن نعيد النظر
أما صحيفة هم ميهن فقد قدمت قراءة تحليلية ناقدة للعملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، حيث تعاملت معها بوصفها نموذجا صارخا لما أسمته البراجماتية المتجاوزة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أي براجماتية لا تتوقف عند حدود القانون الدولي أو القواعد الكلاسيكية لاستخدام القوة، بل تضع تحقيق النتائج الملموسة فوق أي اعتبارات معيارية أو قانونية.

وترى الصحيفة أن اعتقال الرئيس الفنزويلي وإخراجه من بلاده عبر عملية عسكرية برية وجوية واسعة لا يمكن تبريره من منظور القانون الدولي، إذ لا تتوافر فيه شروط الدفاع الشرعي، ولا يستند إلى تفويض من مجلس الأمن، ما يجعله وفق التعريفات القانونية عملا عدوانيا واضحا، وتؤكد أن تجاهل المجتمع الدولي لهذا الحدث، أو الاكتفاء بردود فعل سياسية وإعلامية محدودة، يساهم في تسريع تآكل أحد أهم المحرّمات في النظام الدولي المعاصر، وهو حظر اللجوء إلى القوة في العلاقات بين الدول.
وفي الوقت ذاته، تلفت هم ميهن إلى أن هذه العملية تكشف تحولا جوهريا في سلوك صانع القرار الأمريكي، وخصوصا دونالد ترامب، الذي تتعامل معه الصحيفة بوصفه براجماتي صرف لا يتردد في تجاوز القواعد عندما يرى أن الظروف السياسية والقانونية التقليدية تعيق الوصول إلى النتيجة التي يريدها، فغياب أي هجوم فنزويلي على الولايات المتحدة، واحتمال تعطيل أي تحرك عبر مجلس الأمن بفعل الفيتو الروسي أو الصيني، لم يمنعا واشنطن من استخدام القوة، بل دفعاها إلى الالتفاف على هذه القيود بالكامل.
وتربط الصحيفة هذا التحليل مباشرة بالوضع الإيراني، معتبرة أن ما جرى في فنزويلا يحمل دروسا وتحذيرات استراتيجية لطهران، فإيران، التي تعيش حالة لا حرب ولا سلام مع الولايات المتحدة، لا يمكنها، من وجهة نظر هم ميهن، تجاهل واقع أن واشنطن قد تلجأ إلى قرارات أحادية وحاسمة متى ما رأت أن كلفة الانتظار أو الالتزام بالقواعد أعلى من كلفة خرقها، ومن هنا تطرح الصحيفة سؤالا محوريا إلى أي مدى تتوافق السياسات الإيرانية الحالية مع هذا الواقع البرجماتي الجديد؟
هذا فيما تخلص هم ميهن إلى أن إيران بحاجة إلى مراجعة عقلانية لخياراتها، لا من باب الاستسلام أو التخلي عن المبادئ، بل من زاوية إعادة تعريف المصلحة الوطنية في عالم باتت فيه القواعد أقل إلزاما، والقوة أكثر حضورا، وفي هذا السياق، تطرح الصحيفة فكرة إعادة الضبط في العلاقة مع الولايات المتحدة كخيار يستحق التفكير الجدي، ليس بدافع الثقة بواشنطن، بل بدافع تقليل المخاطر ومنع تكرار سيناريوهات صادمة شبيهة بما حدث في فنزويلا.
الدرس الأكبر هو الحظر الدائم
على أن صحيفة اعتماد تطرح مقاربة مختلفة لما جرى في فنزويلا، فلا تكتفي بوصف الحدث كعدوان عسكري أو تغيير قسري للسلطة، بل تركز أساسا على عنصر الغموض وعدم اليقين بوصفه جوهر العملية الأمريكية ورسالتها السياسية الأساسية، فمن وجهة نظر الصحيفة، فإن أخطر ما في العملية ليس فقط الهجوم الجوي ولا اعتقال مادورو، بل إدارة واشنطن للحدث في منطقة رمادية تجمع بين الإعلان الصريح، وحجب التفاصيل، وترك الأطراف المحلية والدولية في حالة ترقب وارتباك.

وتبرز اعتماد أن إعلان ترامب عن اعتقال مادورو وزوجته سبق أي توضيح ميداني أو قانوني، وأن امتناع الإدارة الأمريكية عن تقديم أدلة فورية، إضافة إلى مطالبة نائبة الرئيس الفنزويلي بإثبات أن الرئيس وزوجته ما زالا على قيد الحياة، يعكس ضربة نفسية محسوبة استهدفت رأس النظام ومؤسساته في آن واحد. ووفق الصحيفة، فإن هذا الأسلوب يظهر تحولا في طبيعة التدخل الأمريكي، حيث لم يعد الهدف فقط إسقاط الخصم، بل شل قدرته على الرد عبر الغموض الإعلامي والسياسي.
كما تركز اعتماد على أن العملية لم تنفذ في لحظة فراغ، بل جاءت بعد فترة طويلة من التهديدات العلنية التي لم يكن كثير من المراقبين يعتقدون أنها ستتحول إلى فعل عسكري مباشر، وهنا ترى الصحيفة أن خطأ التقدير الأساسي كان افتراض أن تصريحات ترامب حول فنزويلا ستبقى في إطار الضغط الكلامي، بينما أظهرت الوقائع أن الإدارة الأمريكية كانت مستعدة للانتقال السريع من التهديد إلى التنفيذ، حتى دون اكتمال الغطاء القانوني الداخلي أو الدولي.
أما انعكاس ذلك على إيران، فتراه اعتماد في بعد أقل تناولته تحليلات أخرى، وهو مسألة سوء تقدير النوايا الأمريكية. فالصحيفة لا تركز فقط على رسالة الردع، بل تحذر من أن الاعتماد على فرضية التهديد دون تنفيذ قد يكون مكلفا، وتعتبر أن ما حدث في فنزويلا يطرح على طهران سؤالا عملياً حول كيفية قراءة الإشارات الأمريكية، خاصة في ظل إدارة تميل إلى المفاجأة وتوظيف الصدمة، وتخلص إلى أن الدرس الأهم لإيران ليس فقط أن واشنطن قادرة على استخدام القوة، بل أنها تستخدم الغموض والتوقيت والإعلام كسلاح مواز للسلاح العسكري، ما يستدعي مراجعة عميقة لآليات التقدير السياسي والاستراتيجي، وليس الاكتفاء بتحليل موازين القوة التقليدية.

