- زاد إيران - المحرر
- 475 Views
نشرت صحيفة “جام جم” الإيرانية تقريرا، الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول 2025، أفادت فيه بأن ظاهرة هجرة الأطباء وطلاب الطب من إيران باتت تتفاقم بشكل يهدد مستقبل النظام الصحي في البلاد، محذّرة من أن عجز المؤسسات المعنية عن استيعاب النخب الطبية يدفع المئات من المتفوقين سنويا إلى مغادرة البلاد.
هجرة الأطباء
ذكرت الصحيفة أن مساعد وزير الصحة حذّر يوم الاثنين 15 سبتمبر/أيلول 2025، من أن “المئة الأوائل في امتحان القبول الجامعي في تخصصات العلوم الطبية يهاجرون غالبا بسبب عجز البلاد عن استيعابهم”، معتبرة أن هذا التحذير المرير أعاد تسليط الضوء مجددا على قضية هجرة الأطباء.
وتابعت أن خبراء أشاروا في هذا السياق إلى أن أكثر من 40 ألف طالب طب إيراني يدرسون في جامعات خارجية، كثير منها غير معترف به، ما يؤدي إلى إخراج مليارات الدولارات من البلاد.
وأضافت أن تراجع هجرة الأطباء بنسبة 18.75 بالمئة في العام الماضي يعدّ بارقة أمل تبشّر بأن توفير الحوافز والظروف الملائمة للنخب سيجعل مستقبل النظام الصحي في إيران مشرقا.
وأوضحت الصحيفة أن هجرة طلاب الطب تحوّلت منذ عدة سنوات من مجرد خيار فردي إلى معضلة تفرض أعباء مالية باهظة على الدولة.

الدراسة بشكل غير قانوني
وبيّنت نقلا عن حميد أكبرِي، مستشار معاون التعليم في وزارة الصحة، أن نحو 40 ألف طالب إيراني هاجروا حاليا إلى الخارج لدراسة تخصصي الطب وطب الأسنان، وهو رقم يعكس جاذبية هذا المجال رغم محدودية مقاعد الجامعات المحلية بالنسبة للطبقات المتوسطة والعادية من المجتمع.
وأضافت أن إحصاءات العام الماضي الصادرة عن الإدارة العامة للبعثات وإيفاد الطلاب في منظمة شؤون الطلاب تشير إلى أن نحو 30 ألف طالب إيراني درسوا في الخارج بشكل غير قانوني عام 2024/2025، وأن الغالبية العظمى منهم التحقوا بتخصصات الطب وما يرتبط بها.
ففي إحدى الدول المجاورة يدرس 30 ألف طالب إيراني، منهم 21 ألفا (أي 70 بالمئة) في جامعات غير معترف بها، وفي دولة أخرى هناك 8900 طالب، معظمهم في مجال الطب، أما في دولة ثالثة، فمن أصل 2700 طالب يوجد 2500 في وضع غير قانوني.
وبيّنت الصحيفة أن هذه الجامعات غير المعتبرة غالبا ما تعمل بطرق مثل “بيع السنوات الدراسية”، حيث يبدأ الطالب دراسته من سنوات متقدمة مقابل المال، إلا أن شهاداتهم غير معترف بها في إيران، ويُعتدّ فقط بشهادة الثانوية العامة، والنتيجة أن الطلاب بعد سنوات طويلة من الدراسة وإنفاق مليارات التومانات، يعودون إلى البلاد بشهادة بلا قيمة أو يتيهون في بلد المقصد.
أبعاد أزمة صامتة
أوضحت الصحيفة أنه خلف هذه الإحصاءات الصامتة تختبئ حقائق لا يُلتفت إليها أحيانا، ومن أبرزها الخسائر الاقتصادية الفادحة الناجمة عن هجرة عشرات الآلاف من الشباب الإيراني لدراسة الطب وطب الأسنان.
وأشارت إلى أن هذه الهجرة قد تبدو في الظاهر خيارا شخصيا وحلما قديما لارتداء المعطف الأبيض، لكنها في عمقها انعكاس لضعف التخطيط لمستقبل النظام الصحي، ولخروج ملايين الدولارات من العملة الصعبة إلى الخارج.
وأضافت أن دراسة الطب في الخارج ليست رخيصة، إذ إن الرسوم الدراسية التي تصل إلى عشرات آلاف الدولارات، إضافة إلى تكاليف المعيشة والسكن وتذاكر السفر والتأمين وتعلم اللغة والنفقات الجانبية، قد تتراوح بين 20 و50 ألف دولار سنويا لكل طالب.
وإذا ضُرب هذا الرقم في العدد التقريبي البالغ 40 ألف طالب، فستكون النتيجة خروج ما بين مليار إلى ملياري دولار من العملة الصعبة سنويا، وهو رقم مذهل يُستنزف بهدوء من الدورة الاقتصادية للبلاد.
وبيّنت الصحيفة أن بُعدا آخر من إهدار هذه الثروات الوطنية يتمثل في التكلفة الباهظة لتعليم طلاب الطب داخل إيران، حيث تؤكد وزارة الصحة أن كلفة تعليم الطالب الواحد تبلغ نحو 300 مليون تومان سنويا، وتصل إلى أكثر من ملياري تومان طوال فترة الدراسة، وهي نفقات تتبخر فجأة برحيل هؤلاء الطلاب إلى الخارج.

مواجهة أزمة الهجرة
ذكرت الصحيفة أن الحكومة ووزارة الصحة اتخذتا خلال العام الماضي سلسلة من الإجراءات لمواجهة أزمة هجرة الكفاءات الطبية، من بينها تحسين ظروف العمل وتقديم الدعم المالي للطلاب والكادر الطبي، وأشارت إلى أن رفع الطاقة الاستيعابية من 8 آلاف إلى 16 ألفا و500 مقعد في عام 2025-2026، وتطبيق برنامج “الطبيب الباحث”، وتسهيل عودة الطلاب من الخارج، شكّلت خطوات مهمة، إذ عاد أربعة آلاف طالب خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما يُعد مؤشرا على نجاح هذه السياسات.
وأضافت أن تشكيل لجنة عمل مشتركة تضم ست وزارات للتصدي للمؤسسات غير المرخّصة، ودخول السلطة القضائية على خط القضية، يبشران بتعامل حازم مع هذه الظاهرة.
وتابعت أن ما يتفق عليه خبراء الصحة هو ضرورة التركيز على مبدأ الجدارة ودعم الشركات المعرفية، وأوضحت أن الدكتور آخوندزاده، معاون شؤون الأبحاث والتكنولوجيا في وزارة الصحة، أكدّ أن كلما ازدهرت حركة البحث العلمي، تراجعت وتيرة الهجرة.
وأضافت أن معاون الشؤون الفنية والرقابية في منظمة النظام الطبي يرى أن هجرة الأطباء لا ترتبط فقط بالدخل، إذ إن كثيرا منهم هاجروا رغم حصولهم على مداخيل جيدة ووظائف مناسبة، موضحا أن السبب الرئيسي يكمن في تراجع المكانة الاجتماعية، وظروف العمل، وغياب الحوافز المهنية والتعليمية.
وبيّن شكّارجي أن توفير بيئة عمل وتعليم مناسبة للمختصين، والحفاظ على قيمتهم الحقيقية، من شأنه أن يدفع كثيرا من النخب للبقاء في البلاد، لافتا إلى أن إنشاء صناديق دعم مالي ومهني يمكن أن يكون له دور ملموس في الحد من الهجرة.
وتابعت الصحيفة نقلا عن شكّارجي، أن التوسع في أعداد القبول من دون توفير البنى التحتية اللازمة للتدريب العملي يؤدي إلى تراجع جودة التعليم وتسريع وتيرة الهجرة.
هذا الألم له علاج
أوضحت الصحيفة أن حل مشكلة هجرة النخب في إيران يتطلب مقاربة شاملة ولا يقتصر على الأبعاد المالية أو الاقتصادية فقط، وبيّنت أن شكّارجي يعتبر أن تعزيز الصورة الإيجابية لمهنة الطب من الخطوات الأساسية، إذ يمكن لوسائل الإعلام أن تؤثر في وعي المجتمع، وخاصة جيل الشباب، وأن تشكّل دوافع البقاء أو الهجرة.
وأضاف أن توفير البنية التحتية التعليمية ورفع مستوى جودة الهيئات التدريسية يحظيان بأهمية كبرى، بحيث يتمكّن طلاب الطب من تلقي التدريب العملي في المستشفيات والمراكز الصحية، وهو ما يستلزم وجود أعضاء هيئة تدريس كافيين وتجهيزات مناسبة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الدعم الاجتماعي والمهني للنخب ورفع مكانتهم الوظيفية يمكن أن يسهم بدور فعّال في تقليص الهجرة، ولفت شكّارجي في هذا الصدد إلى أن هجرة النخب لا تعني معارضة لوطنهم، إذ إن كثيرا منهم لا يقبلون أن يروا بلدهم ضعيفا حتى في الظروف الصعبة، وبالتالي فإن توفير البيئة الملائمة يفتح المجال لعودتهم واستمرارهم في الداخل، وهو أمر قد يكون محفزا أكثر من الجوانب المالية وحدها.

