هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل.. إيران تبحث عن عدالة في محاكم مغلقة الأبواب

Image

في حوار نشرته صحيفة إيران” يوم الأربعاء 9 يوليو/تموز 2025، مع حميد قنبري، الباحث المتخصص في القانون الدولي، تم التطرق إلى الأبعاد القانونية للهجمات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والإمكانيات المتاحة لمطالبة طهران بالتعويض. 

نص الحوار:

ما الأسس القانونية في القانون الدولي التي تتيح لإيران المطالبة بتعويضات من إسرائيل وأمريكا جراء العدوان العسكري؟ وما المبادئ التي تم انتهاكها؟ 

في القانون الدولي، إذا ارتكبت دولة ما، “فعلا غير مشروع دوليا”- أي فعلا يُخلّ بالتزاماتها الدولية ويُسند إليها- تكون مسؤولة عنه.

 هذه القاعدة البسيطة لكنها الأساسية، هي الأساس الرئيسي لمطالبة دولة مثل إيران بالتعويض عن الهجمات العسكرية من قبل أمريكا أو إسرائيل، المصدر الرئيسي لذلك هو مسودة “مشروع مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا” التي أعدّتها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، وقد حظيت بقبول واسع.

في هذه الهجمات، تم انتهاك مبدأ حظر استخدام القوة، الوارد في الفقرة 4 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، بشكل واضح، هذا المبدأ يُعدّ من أهم قواعد القانون الدولي المعاصر، ولا يُستثنى منه سوى حالتين: الدفاع المشروع، أو التفويض الصريح من مجلس الأمن.

 لا أمريكا ولا إسرائيل سلكت أيا من هذين المسارين في هذه الحالة، الادعاء بالدفاع المشروع- الذي يُطرح أحيانا كمبرر- يتطلب إثبات وجود خطر فوري واعتداء وشيك، والأهم من ذلك أن يكون متناسبا ولا مفرّ منه، أي من هذه الشروط لا ينطبق على هجوم تم التخطيط له مسبقا، ونُفّذ خارج ميدان القتال، ومن دون صلة بعمل عسكري مباشر من إيران.

وعليه، فإن الهجوم لا يُعدّ انتهاكا لمبدأ أساسي في الميثاق فحسب، بل هو أيضا خرق للالتزامات العرفية في القانون الدولي، عند وقوع مثل هذا الانتهاك، تكون الدولة المرتكبة ملزمة بتعويض الأضرار – سواء كانت أضرارا مادية، أو أذى لحق بالأشخاص والممتلكات، أو حتى خسائر غير مباشرة كفقدان الفرص أو تكاليف إعادة الإعمار.

القضية لا تقتصر على نقاش قانوني بحت، إذا فقدت عائلة إيرانية أحد أفرادها نتيجة هذه الهجمات، أو تم تدمير بنية تحتية كلفت سنوات من الاستثمار، فهذه ليست مجرد أضرار جانبية للحرب – بل نتائج مباشرة لانتهاك واضح للقانون الدولي، ولا يمكن للقانون الدولي أن يكون غير مبال تجاهها.

مطالبة إيران بالتعويض، ضمن أي الأطر القانونية الدولية يمكن متابعتها؟

في مسار المطالبة بالتعويض، لا يكفي امتلاك الحق، بل لا بدّ من وجود سبيل لمتابعته أيضا، في القانون الدولي، تمرّ هذه السبل عادة عبر هيئات قضائية أو تحكيمية، إلا أن لكل منها قيوده الخاصة، كما أن قضية إيران، بالنظر إلى البنية القانونية والسياسية القائمة، وخاصة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، تمثل مزيجا معقدا من التحديات والفرص.

في ما يتعلق بمحكمة العدل الدولية (ICJ)، فإن الواقع، خلافا للتصور السائد، هو أن إمكانية متابعة دعوى ضد أمريكا أو إسرائيل أمام هذه المحكمة تكاد تكون معدومة، فالمحكمة لا تملك صلاحية النظر إلا إذا اعترف الطرفان بصلاحيتها. 

Image

الولايات المتحدة، بعد قضية “انتهاك معاهدة الصداقة” التي رفعتها إيران ضدها أمام المحكمة، أعلنت انسحابها من هذه المعاهدة، ولذلك، لم يعد هناك أساس صلاحية لرفع دعوى ضد أمريكا ضمن هذا الإطار.

 أما إسرائيل، فهي أساسا لم تقبل بالاختصاص العام للمحكمة، وأي إحالة لدعوى ضدها إلى محكمة العدل الدولية تتطلب موافقة مسبقة أو خاصة، وهو أمر غير مرجّح، وبناء عليه، فإن طريق المحكمة في هذه القضية مغلق، أو على الأقل غير فعّال تماما في الظروف الراهنة.

هل من الممكن رفع دعوى أمام محكمة التحكيم في لاهاي؟

إحدى الهيئات التي يُتحدّث عنها قليلا، لكنها قد تؤدي دورا مهما بالنسبة لإيران، هي محكمة التحكيم الخاصة بدعاوى إيران وأمريكا، التي أُنشئت بموجب “إعلانات الجزائر” عام 1981، هذه المحكمة مقرّها في لاهاي، وتقتصر صلاحياتها على النزاعات الخاصة التي تُطرح بين إيران والولايات المتحدة بناء على تلك الإعلانات.

أهم ما في الأمر أن إعلانات الجزائر تنص صراحة على تعهّد الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، والامتناع عن أي إجراء اقتصادي أو سياسي ضدها.

 فإذا استطاعت إيران أن تُثبت أن الهجمات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، لا سيما تلك التي نُفّذت بدعم أمريكي أو بتنسيق معها، تُعدّ خرقا لهذه التعهدات، فحينها قد تكون لمحكمة التحكيم صلاحية النظر في مثل هذه القضية.

وقد نظرت هذه المحكمة خلال العقود الماضية في دعاوى شديدة الأهمية بين إيران وأمريكا، من بينها قضايا متعلقة بمصادرة الأملاك، والمطالبات التعاقدية، وحتى خروقات لمبادئ القانون الدولي العام.

 بإمكان إيران أن تسعى للاستفادة من هذه الهيئة لإثبات مسؤولية الولايات المتحدة والحصول على تعويضات، بشرط أن تتمكن من إدراج طبيعة الدعوى ضمن إطار إعلانات الجزائر.

إلى جانب هذا المسار، لا ينبغي تجاهل دور الهيئات غير القضائية أيضا، يمكن لإيران أن ترفع المسألة إلى مجلس حقوق الإنسان، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو حتى إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك بهدف تشكيل لجان لتقصّي الحقائق أو إصدار تقارير رسمية، مما يُمهّد لممارسة ضغوط سياسية وقانونية على الجهات المنفّذة للهجوم.

 وقد سبق أن تمكنت دول أخرى، لم تتمكن من رفع دعاوى أمام الهيئات القضائية الدولية، من خلق شرعية سياسية لمطالبها من خلال الأدوات الدبلوماسية وآليات تقصّي الحقائق.

في ظل أن إسرائيل ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية، وأن الولايات المتحدة لا تعترف باختصاص هذه المحكمة، ما البدائل المتاحة للمطالبة بالتعويض؟ 

عندما يتعلق الأمر بمساءلة مرتكبي الجرائم الدولية، تُعد المحكمة الجنائية الدولية (ICC) من أبرز الهيئات التي تتبادر إلى الذهن، إلا أن هذا الخيار ليس عمليا بالنسبة لإيران.

 فالولايات المتحدة ليست طرفا في نظام روما الأساسي، وكذلك إسرائيل، حتى إيران نفسها ليست عضوا في هذه المحكمة، وبالتالي، لا يمكن للمحكمة أن تتدخل إلا في حالة واحدة: إذا أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القضية إليها، وهو أمر يكاد يكون مستحيلا بسبب حق النقض الأمريكي.

ومع ذلك، فإن الوصول إلى طريق مسدود في لاهاي لا يعني نهاية المطاف، ففي القانون الدولي، توجد دائما مسارات موازية، ويكفي معرفة كيفية استخراجها من البنى السياسية والقانونية القائمة.

أحد هذه المسارات هو اللجوء إلى آليات التحكيم الدولي، وهي طريقة أكثر ملاءمة لمطالبة بالتعويضات من كونها أداة للملاحقة الجنائية، تمتلك إيران خبرة ناجحة في هذا المجال، من خلال محكمة التحكيم الخاصة بدعاوى إيران وأمريكا، التي أُنشئت بعد أزمة احتجاز الرهائن، بموجب “إعلانات الجزائر”، وهي نموذج فريد لتحكيم دائم بين بلدين تجمعهما علاقات عدائية.

يمكن لإيران أن تطرح فكرة إنشاء آلية تحكيم جديدة، أو لجنة تقصّي حقائق إقليمية أو دولية، لجنة يكون هدفها دراسة الأبعاد القانونية والإنسانية للهجمات الأخيرة، وتوثيق الأضرار، وإصدار تقرير قانوني بشأنها.

 مثل هذه الآلية قد لا تكون ملزمة قانونا، لكنها تحمل قيمة رمزية وسياسية كبيرة، وقد أظهرت تجارب فلسطين، البوسنة، وحتى جنوب السودان أن لجان تقصّي الحقائق، إذا صُممت بشكل مناسب، يمكن أن تكون أساسا لملاحقات لاحقة، وكسب دعم الرأي العام، بل وحتى اعتماد قرارات دولية.

كذلك، تستطيع إيران أن تستفيد من إمكانات الهيئات الحقوقية، فالمقرّرون الخاصون للأمم المتحدة، واللجان الموضوعية مثل لجنة حقوق الطفل أو لجنة مناهضة التعذيب، بل وحتى مجلس حقوق الإنسان، رغم أنهم لا يملكون أدوات جنائية، يمكن أن يلعبوا دورا مهما في تسليط الضوء على الهجمات ضد المدنيين، وإلحاق الأذى بالأطفال، أو تدمير البنية التحتية الحيوية، وهذا في حدّ ذاته يشكّل مقدّمة للتعويض أو المتابعة القضائية في المستقبل.

وأخيرا، يمكن أن يكون التفاوض مع دول ثالثة لاستخدام قدراتها في الضغط القانوني أو دعم آليات التحكيم مجديا، فإذا استطاعت إيران أن تحشد دعم بعض الدول إلى جانبها، مثلا ضمن تكتلات إقليمية، أو مجموعة بريكس، أو حتى في إطار منظمة التعاون الإسلامي، فقد يصبح بالإمكان إنشاء آلية خاصة، شبه قضائية، ولو على أساس توافق سياسي، للنظر في القضية ومطالبة بالتعويض.

من منظور حقوق الإنسان، هل تُصنّف الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على البنية التحتية المدنية وسقوط ضحايا من النساء والأطفال في إيران كجرائم حرب؟ 

في القانون الدولي، عندما تؤدي هجمة عسكرية إلى مقتل مدنيين أو تدمير بنى تحتية حيوية لحياة السكان – لا سيما إذا كانت تلك الأضرار قابلة للتجنّب – فإن الأمر لا يُعدّ مجرد نزاع مسلح، بل يُطرح احتمال ارتكاب “جريمة حرب” بجدية.

إذا تم استهداف منشآت مثل المستشفيات، المدارس، مراكز الاتصالات، أو حتى البنى التحتية العامة كالسدود، المصافي، أو محطات توليد الطاقة، دون أن يكون هناك هدف عسكري واضح، أو دون مراعاة مبدأ التناسب، فإن الحديث عن جريمة حرب يصبح أمرا مطروحا بوضوح. 

وإذا أسفرت هذه الهجمات عن مقتل أو إصابة أطفال أو مدنيين آخرين، خاصة في مناطق لا تحتوي على أهداف عسكرية ظاهرة، فإن ذلك يكتسب أهمية إضافية من منظور اتفاقية حقوق الطفل وسائر الوثائق الحقوقية الدولية.

لكن حتى يكون من الممكن متابعة هذه الحالات على المستوى الدولي، فإن التوثيق الدقيق لها يُعد أمرا حيويا، فالتوثيق يعني جمع أدلة مادية، قابلة للتقييم قانونيا، تتعلق بطبيعة الهجوم، الموقع الدقيق للضربة، مواصفات الضحايا، نوع السلاح المستخدم، والآثار المباشرة وغير المباشرة للهجوم.

 ويجب أن يتم هذا العمل وفقا للمعايير المعتمدة لدى الهيئات الدولية، لأن الأدلة التي تفتقر إلى التماسك أو الصلاحية القانونية يمكن رفضها بسهولة في الإجراءات الدولية.

الهيئات المتخصصة، مثل المنظمات الحقوقية المستقلة، لجان تقصّي الحقائق، أو حتى المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في توثيق جرائم الحرب، يمكن أن تساعد إيران في هذا المسار.

 ويمكن لإيران، من خلال دعوة هذه الجهات، أو من خلال تدريب فرق توثيق قانوني داخلية وفقا للمعايير الدولية، أن تضع الأسس الموثّقة لملف يتعلّق بجريمة حرب، وحتى في حال تعذّر تقديم دعوى رسمية في الوقت الراهن، فإن حفظ هذه الأدلة وتوثيقها بدقة قد يشكل في المستقبل أساسا للملاحقة، أو كشف الحقائق، أو المطالبة بالتعويض.

وبعبارة بسيطة: إذا أُزهقت أرواح أطفال إيرانيين في هجوم يفتقر إلى التبرير العسكري والتناسب، فإن القانون الدولي لا يقف مكتوف اليدين، لكن لكي يُسمع هذا الصوت، لا بد من توثيقه بدقة، وصدق، وتماسك – ليس من أجل اليوم، بل من أجل اللحظة التي يستيقظ فيها الضمير العالمي من جديد.